في أي عمر يبدأ داء الزهايمر.. وكيف يتقدم المرض عند النساء؟
إحدى الطبيبات وهي تتحدث عن الزهايمر، قارنت بينه وبين المكتبة المحترقة: ليس فقط أن بعض الكتب تضيع فيها، وإنما جميع الكتب احترقت بما فيها المكان نفسه.
مؤلم هذا التوصيف، لكنه حقيقي إلى أبعد الحدود؛ فالزهايمر يقضي على كل الذكريات التي يعيشها الإنسان، يختبرها ويُخزَنها في ذاكرتها، ليعود إليها كلما سنحت الفرصة. مع الزهايمر، تبدو الذاكرة كصفحةٍ بيضاء لا نقط سوداء حتى فيها، لا شيء يعود إليه المرء ليستعيد شيئًا من حياته وتجاربه على مر السنين.
العمر هو أكبر عامل خطرٍ لمرض الزهايمر، ومع التقدّم في السن، ترتفع احتمالية الإصابة بشكلٍ واضح. وتُظهر الأبحاث أن معظم الحالات تبدأ بعد سن 65، وأن الخطر يتضاعف كل خمس سنوات بعد هذا العمر. إلا أن بحثًا جديدًا صدر عن مايو كلينك، خلص إلى أن تغيَرات بيولوجية غير ملحوظة ومرتبطة بداء الزهايمر قد تبدأ في وقتٍ مبكر، بدءًا من أواخر الخمسينات، أي قبل عقود من بداية فقدان الذاكرة أو ظهور الأعراض الأخرى.
فما الذي نعرفهُ عن هذه الدراسة، ما هي تلك التغيرات وتحديدًا عند النساء؟ خصَصنا هذه المقالة اليوم لتسليط الضوء على خفايا عديدة حول الزهايمر كشفها الباحثون في مايو كلينك.
في أي عمر يبدأ الزهايمر؟
تُحدّد الدراسة، المنشورة في مجلة Alzheimer’s & Dementia: The Journal of the Alzheimer’s Association، الفترات التي تتسارع خلالها التغيَرات الأساسية في الدماغ ومؤشرات الدم عبر مختلف المراحل العمرية، ما يقدّم رؤى جديدة حول التوقيت الذي قد تكون فيه جهود الكشف المبكر أكثر فاعلية.
داء الزهايمر هو الشكل الأكثر شيوعًا للخَرَف، حيث يصيب نحو 6.9 مليون شخص في الولايات المتحدة ممن يبلغون 65 عامًا فأكبر. ويشمل حدوث تغيَراتٍ غير طبيعية للبروتينات مثل بروتينات الأميلويد وتاو، والتي قد تبدأ قبل أعوامٍ طويلة من ظهور الأعراض؛ وترتبط بالانحدار الإدراكي. ولا يوجد له علاج شافٍ في الوقت الحالي.

حدد باحثو مايو كلينك الأوقات التي ترتفع خلالها احتمالية حدوث هذه التغيَرات، عبر المراحل العمرية المختلفة. وقد يمنح الكشف المبكر للمرضى وعائلاتهم، مزيدًا من الوقت للتخطيط والحصول على الرعاية والاستفادة من العلاجات التي قد تُبطئ تقدّم المرض. وباستخدام بيانات 2,082 مشاركًا في دراسةٍ ممتدة أجرتها مايو كلينك حول الشيخوخة، حلّل الباحثون مجموعةً واسعة من المؤشرات، من بينها المؤشرات الحيوية في الدم، التصوير الدماغي، والأداء المعرفي، وذلك لتحديد توقيت بدء زيادة وتيرة التغيَرات المرتبطة بداء الزهايمر.
يقول الدكتور مينغزهاو هو، الأستاذ المساعد في قسم العلوم الصحية الكمية في مايو كلينك والمؤلف الأول للدراسة: "تُقدّم هذه الدراسة السكانية رؤيةً متكاملة للأنماط المرتبطة بالعمر عبر عدة مؤشرات حيوية لداء الزهايمر المقاسة باستخدام اختبارات الدم والتصوير الدماغي، إضافةً إلى الوظائف الإدراكية. وبتقدير الأعمار التي تصبح فيها التغيَرات في المؤشرات الصحية أكثر وضوحًا، تُظهر النتائج أن العديد من هذه التحولات يُرجح أن تحدث من أواخر الخمسينات إلى أوائل السبعينات".
مستقبل الكشف عن داء الزهايمر
بدوره؛ يقول جوناثان غراف-رادفورد، دكتور في الطب، رئيس قسم علم الأعصاب السلوكي في مايو كلينك والمؤلف الرئيسي للدراسة: "مع تحول أبحاث داء الزهايمر نحو الوقاية والعلاج المبكر، ستؤدي المؤشرات الحيوية للدم دورًا محوريًا في تحديد من هم الأنسب لهذه العلاجات. كما تساعد معرفة توقيت بدء تغيَر هذه المؤشرات الحيوية وارتباطها بالضعف الإدراكي، على تحديد الأعمار التي يمكن أن يكون فيها للفحص الوقائي أكبر فائدة".
وجد الباحثون أن العديد من المؤشرات الحيوية المرتبطة بداء الزهايمر تُظهر أن وتيرة التغيَرات تزيد في أعمارٍ معينة. حيث لوحظ أن الانحدار القابل للقياس في الأداء الإدراكي يتفاقم لدى الأشخاص في أواخر الخمسينات، يعقبه تسارعٌ في تراكم بروتين الأميلويد في أدمغة من هم في أوائل الستينات، ما يشير إلى أن فترة الستينات تُشكَل مرحلةً زمنية تصبح فيها التغيَرات الإدراكية وتراكمات الأميلويد أكثر وضوحًا. ويُعد تراكم بروتينات بيتا-أميلويد، التي تتكتل لتُشكَل لويحاتٍ في الدماغ، سمة أساسية مميّزة للمرض.
وببلوغ أواخر الستينيات إلى أوائل السبعينيات، أظهرت المؤشرات الحيوية لمرضيات تاو والتنكس العصبي زياداتٍ أكثر وضوحًا. في السياق نفسه، تُظهر العديد من مؤشرات الدم، بما في ذلك GFAP و NfL و p-tau في البلازما، تغيَراتٍ أكثر حدة تظهر في الفترة العمرية من 68 إلى 72 عامًا، إلى جانب ضمورٍ دماغي أكثر وضوحًا، لا سيما في المناطق المتعلقة بالذاكرة. وبناءً على ما سبق، برزت مرحلتان زمنيتان واسعتان، الأولى في أوائل الستينات تتعلق بالإدراك والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني للأميلويد؛ والثانية في أواخر الستينات إلى أوائل السبعينات شملت العديد من مؤشرات الدم والتنكس العصبي، ما يُسلّط الضوء على هذه المراحل الانتقالية المهمة في مسار التقدّم بالعمر.

الاتجاه نحو الكشف المبكر
إن فهم المسار الزمني لتقدَم داء الزهايمر، قد يكون أمرًا بالغ الأهمية، لتحويل الرعاية من علاج المراحل المتأخرة إلى الكشف المبكر والوقاية. ويشير الباحثون إلى أن النتائج تعكس توجهاتٍ عامة على مستوى السكان، ولا تُمثّل تنبؤاتٍ دقيقة لحالة أي فردٍ بعينه، ولكنها في الوقت ذاته تُوفّر مساراتٍ إرشادية للبحوث المستقبلية؛ بما في ذلك دراسة ما إذا كانت "نقاط التحول" هذه بإمكانها التنبؤ بالانحدار الإدراكي، وتأكيد النتائج ضمن مجموعاتٍ سكانية أكثر تنوعًا، ومتابعة الأفراد على مدار الوقت لفهم طريقة تقدم المرض.
كما تُعزَز هذه النتائج الأهمية المتنامية لاختبارات الدم في مجال أبحاث ورعاية داء الزهايمر. فقد أظهرت هذه الاختبارات أنماطًا مماثلة للتصوير الدماغي، ما يشير لإمكانية الاستفادة منها في متابعة التغيَرات المرتبطة بالمرض على مدار الوقت وتحديد الأشخاص الأكثر عرضةً لخطر الإصابة.
يُعلَق الدكتور غراف-رادفورد قائلًا: "عند التفكير في الفحص السكاني، يكون العامل الحاسم هو التوقيت. فلا ينبغي البدء مبكرًا جدًا، قبل أن تطرأ التغيّرات على المؤشرات الحيوية. لذلك، يقدّم هذا العمل مسارًا يساعد على البدء في معالجة هذه المسألة".
الربط بين بروتين باركنسون وتسارع تقدّم داء الزهايمر لدى النساء
من ناحيةٍ أخرى؛ أظهرت دراسةٌ أجرتها مايو كلينك ونُشرت في JAMA Network Open أن التغيَرات الدماغية المرتبطة بداء الزهايمر، تقدّمت بوتيرةٍ أسرع بما يصل إلى 20 مرة لدى النساء اللاتي كانت لديهنَ أيضًا مستوياتٌ غير طبيعية من بروتين مرتبط بداء باركينسون؛ ولم يُلاحظ النمط نفسه لدى الرجال.
تشير النتائج إلى أنه عندما يتراكم بروتين ألفا-سينوكلين — وهو بروتين مرتبط بداء باركينسون — إلى جانب الاعتلالات المرضية المرتبطة بداء الزهايمر، فقد يدفع ذلك إلى تسارع تقدّم المرض لدى النساء. وقد يساعد هذا التفاعل في تفسير تفاوتٍ قائم منذ فترة طويلة، إذ تُشكّل النساء ما يقرب من ثلثي الأشخاص المتعايشين مع داء الزهايمر في الولايات المتحدة.
تستخدم كيجال كانتارسي، دكتورة في الطب، اختصاصية الأشعة العصبية في مايو كلينك والمؤلفة الأقدم للدراسة، تقنيات تصوير دماغي متقدمة لتتبّع تقدّم داء الزهايمر. وتقول في هذا الصدد: "إن إدراك هذه الاختلافات الخاصة بكلٍّ من الجنسين قد يساعدنا على تصميم تجارب سريرية أكثر استهدافًا، والوصول في نهاية المطاف إلى استراتيجياتٍ علاجية أكثر تخصيصًا". وتضيف: "عندما نرى التغيَرات المرتبطة بالمرض تتطور بمعدلاتٍ مختلفة بصورة ملحوظة، لا يمكننا الاستمرار في التعامل مع داء الزهايمر كما لو أنه يتصرف بالطريقة نفسها تمامًا لدى الجميع. وقد تؤثر العمليات المرضية المتزامنة في مسار المرض."
يتسم داء الزهايمر بتراكم بروتين تاو في الدماغ؛ ويُصاب العديد من الأشخاص بجانب التقدم التدريجي لداء الزهايمر، بتكتل غير طبيعي لبروتين ألفا-سينوكلين، وهو البروتين المرتبط بأمراض أجسام ليوي مثل داء باركينسون والخَرَف المصاحب لأجسام ليوي.
بروتينا تاو و ألفا-سينوكلين موجودان بشكلٍ طبيعي في الدماغ. ولكن في حال الإصابة بالأمراض التنكسية العصبية، يمكن أن يحدث خللٌ في طريقة طي البروتينات، ما يجعلها تتكتل وتحدث ترسّباتٌ غير طبيعية. ويعرقل هذا التراكم المرضي، التواصل بين خلايا الدماغ كما يساهم في الانحدار الإدراكي.

لذلك، شرع الباحثون في استكشاف ما إذا كان وجود كلا النوعين من التراكمات البروتينية غير الطبيعية، يُغيَر من كيفية تقدم المرض، وما إذا كان أثره يتباين بين النساء والرجال. وفي سبيل التحري عن ذلك، حلَل الباحثون بياناتٍ من 415 مشاركًا في مبادرة الاختبارات التصويرية العصبية لداء الزهايمر، وهو اتحادٌ بحثي وطني يتَتبع التغيَرات الدماغية بمرور الوقت. وخضع المشاركون في هذه المبادرة لاختبارات السائل الدماغي النخاعي، للكشف عن وجود بروتين ألفا-سينوكلين الشاذ، بالإضافة إلى الاختبارات التصويرية للدماغ لقياس التغيَرات في تراكم بروتين تاو. وقد أظهر 17% من المشاركين أدلةً على وجود بروتين ألفا-سينوكلين الشاذ.
من بين المشاركين المصابين باعتلالات مرتبطة بداء الزهايمر وتشوهات ألفا-سينوكلين، تراكمت بروتينات تاو لدى النساء بشكلٍ أسرع بكثير من الرجال المصابين بنفس التغيَرات البروتينية المصاحبة. ويدرس إيلايجا ماك، حاصل على الدكتوراه، المؤلف الأول والباحث في مجال التصوير العصبي في مايو كلينك، كيفية تفاعل الأمراض الدماغية المتعددة ودورها في تقدّم المرض.
ويقول الدكتور ماك: "يفتح هذا آفاقاً جديدة تماماً لفهم سبب تحمَل النساء عبئاً غير متناسب من الخرف. إذا استطعنا كشف لغز الآليات الكامنة وراء هذه القابلية للإصابة بالمرض، فقد نكتشف أهدافاً علاجية لم نكن قد فكرنا بها من قبل."
في الخلاصة؛ فإن الزهايمر يُعدَ مرضًا تدريجيًا، يبدأ بصمت داخل الدماغ قبل سنواتٍ من ظهور الأعراض، ويتطور ليؤثر على الذاكرة، التفكير، والسلوك. ورغم عدم وجود علاج نهائي، فإن التشخيص المبكر والدعم الطبي يمكن أن يُحسّن جودة الحياة للمريض ومقدّمي الرعاية.
كما أن البحث في تغيَرات البروتينات المسببة لهذا المرض، يُتيح للمصابين به، خصوصًا النساء؛ التمتع بصحةٍ أفضل مع إمكانية وضع خطةٍ علاجية تؤمن ما يلزمهم من عناية طبية.