خلال أوقات الأزمات: لماذا يدفع عدم اليقين الجسم إلى "وضعية القتال"؟
"يحتفظُ الجسد بكل شيء"؛ هذه الفكرة البسيطة والقوية من الطبيب النفسي وباحث الصدمات بيسل فان دير كولك، مؤلف كتاب The Body Keeps the Score، تُذكَرنا بأن تجاربنا لا تُخزَّن في الذاكرة فقط، بل تُسجَّل أيضًا في فسيولوجيا الجسم.
معظمنا يعرف شعور عدم اليقين: قد يظهر بهدوء أثناء انتظار نتائج طبية، أو عند مواجهة قراراتٍ صعبة، أو خلال فتراتٍ من التوتر، عدم الاستقرار والصراعات العالمية التي تتسلل إلى حياتنا اليومية عبر الأخبار والحوارات. ظاهريًا، يبدو عدم اليقين حالةً ذهنية، لكن الكثيرين يلاحظون أنه يتحول سريعًا إلى حالةٍ جسدية. يصبحُ النوم أخف، تشعرُ العضلات بالتوتر، ينبضُ القلب بشكلٍ أسرع قليلًا، ويصعبُ على الذهن أن يهدأ.
ما نختبرهُ في تلك اللحظات ليس مجرد قلق، بل هو علم الأحياء.. تؤكد الدكتورة ريان محمد، طبيبة عامة في مركز فاليو الصحي.
لقد تطوَر الجهاز العصبي البشري ليحافظ على سلامتنا، في عالمٍ كان البقاء فيه يعتمدُ غالبًا على الاستجابة السريعة للخطر. فعندما يدركُ الدماغ وجود تهديد، تُرسل بنيةٌ صغيرة تُسمى اللوزة الدماغية إشارةً تنشّط الجهاز العصبي الودي؛ وخلال ثوانٍ، تبدأ هرمونات التوتر مثل الأدرينالين والكورتيزول، بالدوران في الجسم.
نتعرفُ في مقالتنا اليوم مع الدكتورة ريان، حول عدم اليقين المصاحب لأوقات الأزمات، والذي قد يدفع بأجسامنا نحو وضعية القتال دون هوادة، بالإضافة إلى طرق ونصائح فعالة لتجنَب هذه الحالة وعلاجها قدر الإمكان.
الجسم ووضعية القتال في أوقات الأزمات

في حالات الطوارئ الحقيقية، تكونُ استجابة الجسم للتهديد فعالةً للغاية: يرتفعُ معدل ضربات القلب، يتسارعُ التنفس، ويتجه تدفق الدم نحو العضلات. يزداد التركيز؛ ويستعدُ الجسم إما لمواجهة التهديد أو للهروب منه، وهو ما نُسميه عادةً استجابة "القتال أو الهروب"، بحسب الدكتورة ريان.
لكن لدى الدماغ البشري خاصية مثيرة للاهتمام، إذ غالبًا ما يستجيبُ لعدم اليقين كما لو كان خطرًا. وعلى عكس التهديدات المباشرة التي تمرُ سريعًا، فإن عدم اليقين يستمر. يحاولُ العقل ملء فجوات المعلومات عبر توقع النتائج، تحليل الاحتمالات، والبحث عن السيطرة. هذا الترقب المستمر يُبقي الجهاز العصبي في حالة يقظةٍ هادئة.
ومع مرور الوقت، يبدأ الجسم في التصرف كما لو أن التهديد لم ينتهِ أبدًا.
لهذا السبب، يمكن أن تؤدي فترات عدم اليقين الطويلة إلى مجموعةٍ واسعة من الأعراض الجسدية. قد يشعر البعض بإرهاقٍ لا يتحسنُ بالراحة، أو صداع، أو توتر عضلي، أو اضطرابات هضمية، أو صعوبة في النوم. وقد يلاحظ آخرون زيادةً في القلق أو شعورًا دائمًا بعدم الارتياح.
يرتبطُ جزءٌ كبير من هذه الاستجابة بهرمون الكورتيزول، وهو الهرمون الرئيسي للتوتر في الجسم. الكورتيزول ضروري للبقاء، إذ يُنظَم عملية الأيض، مستويات الطاقة، الالتهابات ووظائف الجهاز المناعي. لكن عندما يظل مرتفعًا لفتراتٍ طويلة، قد تبدأُ الأنظمة التي يدعمها في فقدان توازنها.
قد يضطربُ النوم، تتغير الشهية وتنظيم السكر في الدم، ويصبح الجهاز المناعي أقل مقاومة؛ وكأن الجسم يبقى في حالة استعدادٍ دائم لتهديد قد لا يحدث أبدًا.
ومع ذلك، فإن عدم اليقين ليس العدو.
في كثيرٍ من الأحيان، يكون عدم اليقين جزءًا لا يتجزأ من النمو. فهو المساحة التي تنشأ فيها التغييرات، الإبداع والفرص الجديدة. تكمنُ المشكلة عندما يفسرُ الجهاز العصبي عدم اليقين على أنه خطرٌ، بدلًا من كونه مساحةً مفتوحة.
الخبر الجيد أن الجهاز العصبي يتمتعُ بقدرة عالية على التكيف، تؤكد الدكتورة ريان. وبالإشارات الصحيحة، يمكنهُ الخروج من "وضعية القتال" والعودة إلى التوازن؛ إنما الأهم هو الاستمرارية والبساطة.
دعم الجسم خلال فترات عدم اليقين

هناك عدة طرق مباشرة وفعالة لدعم الجسم خلال فترات عدم اليقين، تستعرضها لنا الدكتورة ريان في النقاط التالية:
1. تنظيم الجسم عبر التنفس والحركة
التنفس البطيء والمتحكم فيه، حتى لبضع دقائق، يمكن أن يرسل إشارات أمان إلى الدماغ. كما أن الحركة البدنية المنتظمة، مثل المشي أو تمارين القوة أو التمدد، تساعد على تفريغ التوتر المتراكم وتقليل ضغط الجهاز العصبي.
2. تثبيت مستويات السكر في الدم والتغذية
يشعرُ الجسم بعدم الاستقرار الداخلي كما يشعر به خارجيًا، وتخطي الوجبات أو الإفراط في السكر أو عدم انتظام الأكل، يمكن أن يزيد من استجابات التوتر. لذا فإن الوجبات المتوازنة التي تحتوي على البروتين، الدهون الصحية والألياف، تدعمُ طاقة ومزاجًا أكثر استقرارًا، فضلًا عن تغذية الجسم وتقويته.
3. دعم الجهاز العصبي بالعناصر الغذائية الأساسية
بعض المكملات قد تساعد في تنظيم فسيولوجيا التوتر. المغنيسيوم مثلًا، يدعم استرخاء العضلات وجودة النوم؛ أحماض أوميغا-3 تُقلَل الالتهاب وتدعم وظائف الدماغ. في حين أن الأعشاب المتكيفة مثل الأشواغاندا، قد تساعد في تنظيم مستويات الكورتيزول وتعزيز القدرة على التكيف مع التوتر.
4. إعطاء الأولوية للنوم
النوم هو الوقتُ الذي يُعيد فيه الجهاز العصبي ضبط نفسه. وبالتالي فإن حفاظكِ على جدول نوم منتظم، تقليل التعرض للشاشات قبل النوم، وخلق روتين هادئ ليلي، يمكن أن يُحسَن بشكلٍ كبير قدرة جسمكِ على التعافي من التوتر.
5. النظر في الفحوصات المتخصصة عند استمرار الأعراض
إذا استمرت أعراض مثل الإرهاق أو القلق أو ضعف النوم أو اختلال الهرمونات، فقد يكون من المفيد إجراء تقييمٍ أعمق. الفحوصات الوظيفية مثل قياس إيقاع الكورتيزول، مستويات المُغذيات الدقيقة، والمؤشرات الأيضية، يمكن أن تُوضح كيفية استجابة الجسم للتوتر المزمن وتُوجَه نحو تدخلاتٍ أكثر تخصيصًا.
6. إعادة تأطير تجربة عدم اليقين
في حين لا يمكننا دائمًا التحكم بالأحداث الخارجية، إلا أنه بالإمكان التأثير في كيفية تفسير الجسم لها. لذا فالانتقال من حالة الترقب المستمر إلى حالة الحضور الواعي، يُقلَل العبء الفسيولوجي للتوتر.
في النهاية، استجابة القتال أو الهروب ليست خللًا في الجسم البشري، بل هي نظامٌ وقائي ساعد البشر على البقاء لآلاف السنين. الهدف ليس إلغاء هذه الاستجابة، بل التأكد من أنها تنشط عند الحاجة الحقيقية فقط، وأن الجسم قادرٌ على العودة إلى التوازن بعد زوال الخطر.
في عالمٍ أصبح فيه عدم اليقين جزءًا لا يمكن تجنَبه من الحياة الحديثة، فإن تعلَم كيفية تهدئة الجهاز العصبي قد يكون من أقوى الطرق لحماية صحتنا الجسدية ورفاهنا النفسي.
دمتنَ بخير..