تحذيرٌ طبي جديد: قلة النوم قد تُسرَع شيخوخة الدماغ
الشيخوخة لا تعني التجاعيد التي تظهر على الوجه والجسم فقط، بل تمتد إلى عناصر ومناطق أخرى في الجسم، لبعضها أهميةٌ كبيرة، مثل الدماغ. ومثلما نعتني بجمالنا الخارجي ونحرصُ على الاهتمام ببشرتنا ومنع شيخوختها المبكرة، علينا إيلاء الاهتمام ذاته للدماغ الذي يُعدَ نظام القيادة للجسد والعقل معًا.
وفيما أثبتت دراسةٌ جديدة نُشرت في مجلة Clinical Nutrition أن النظام الغذائي المتوسطي (حمية البحر الأبيض المتوسط) يُساعد بشكلٍ كبير في إبطاء شيخوخة الدماغ؛ يؤكد خبراء عديدون على أن التوتر وقلة النوم قد يُشكَلان خطرًا على صحة الدماغ، وتسريع شيخوخته المبكرة.
قلة النوم هي مشكلةٌ شائعة بين ملايين الناس حول العالم، ولا تطال فئةً بعينها، بل باتت هاجسًا يقضَ مضجع حتى المراهقين من جيل زد وغيرهم. ولأن النوم ليس مجرد "راحة" للجسم فحسب، بل هو عملية صيانة عميقة لكافة أجهزته، وعلى رأسها الدماغ؛ من الضروري البحث عن الوسائل الفعالة التي تُحسَن من "جودة" نومنا، كي ينعم دماغنا بالشباب والعافية، ولا تزحف إليه الشيخوخة المبكرة.
في مقالة اليوم، نتعرف على تفاصيل الدراسة التي دقت ناقوس الخطر فيما يخص شيخوخة الدماغ المبكرة بسبب قلة النوم؛ ثم نستكشف أبرز النصائح لتعزيز صحة وشباب أدمغتنا.

دراسة جديدة: قلة النوم قد تُسرّع شيخوخة الدماغ
في تقرير نشرته صحيفة "إندبندنت" البريطانية، وتناقلته مواقع عدة منها موقع "العربية.نت"؛ فقد خلص باحثون من معهد كارولينسكا في السويد في دراسة جديدة أجروها على مجموعةٍ كبيرة من البالغين، إلى أن قلة النوم تُسرّع شيخوخة الدماغ وتجعله يبدو أكبر من عمره الحقيقي. وبحسب العلماء، فإن النوم لا يُريح الجسم فقط، بل هو بمثابة تجديدٍ للجسد وحمايةٍ للدماغ؛ وأي اضطراب يصيب دورة النوم الطبيعية للإنسان كل ليلة، يترتب عليه عواقب سلبية يشعر بها الدماغ. وتربط الأبحاث بين شيخوخة الدماغ والتدهور المعرفي وزيادة خطر الإصابة بالخرف، جراء قلة النوم.
وكانت دراساتٌ مماثلة سابقة، قد ربطت بين قلة النوم والخرف، إلا أن الخبراء لا يمكنهم الجزم تمامًا فيما إذا كانت عادات النوم غير الصحية تُساهم في تطوَر الخرف، أم أنها مجرد عرضٍ مبكر لمشكلة تنكَس الدماغ.
تفاصيل الدراسة
قام الباحثون من معهد كارولينسكا، بدراسة سلوك النوم ومراجعة صور الرنين المغناطيسي لأكثر من 27 ألف بالغ بريطاني، تتفاوت أعمارهم بين 40 و70 عاماً؛ وخلصوا إلى أن المشاركين الذين يعانون من قلة النوم، لديهم أدمغة تبدو أكبر بكثير من أعمارهم الحقيقية. هذا وعمد الباحثون إلى تقنية التعلّم الآلي على صورٍ دماغية لأشخاص يتمتعون بصحةٍ جيدة ولا يعانون من أمراض خطيرة؛ وما أن فهم النموذج ملامح الشيخوخة الطبيعية، تمَ تطبيقه على البيانات.
اعتمد تقييم جودة نوم المشاركين على 5 عوامل أبلغوا عنها بأنفسهم:
1. النمط الزمني (النشاط الصباحي/المسائي).
2. مدة النوم.
3. الأرق.
4. الشخير.
5. النعاس أثناء النهار.
بعدها جرى تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات حسب درجاتهم: نوم صحي (أكثر من 4 نقاط)، نوم متوسط (2-3 نقاط)، ونوم رديء (أقل من 1 نقطة). ووفقًا للدكتورة أبيجيل دوف، الباحثة في قسم علم الأحياء العصبية وعلوم الرعاية والمجتمع في معهد كارولينسكا، والتي قادت الدراسة: "اتسعت الفجوة بين عمر الدماغ والعمر الزمني بحوالي ستة أشهر لكل انخفاضٍ بمقدار نقطة واحدة في درجة جودة النوم. وكان لدى الأشخاص الذين يعانون من قلة النوم أدمغةً تبدو، في المتوسط، أكبر بسنة واحدة من عمرهم الحقيقي."
بحسب الباحثين، فإن هذا التفاوت في عمر الدماغ الفعلي والمُسجَل، مرده في المقام الأول إلى ارتفاع مستويات الالتهاب (إذ كشفت عينات الدم التي أُخذت في بداية الدراسة أن مستويات الالتهاب تُفسر 10% من العلاقة بين النوم وشيخوخة الدماغ). وهناك أدلةٌ عديدة متزايدة تشير إلى أن قلة النوم تزيد من الالتهاب في الجسم، مما قد يضر بالدماغ عن طريق إتلاف الأوعية الدموية، تحفيز تراكم البروتينات السامة، وتسريع موت خلايا الدماغ.
وتؤكد الدكتورة دوف على هذه الخلاصة بالقول: "تُقدم نتائجنا دليلاً على أن قلة النوم قد تُساهم في تسريع شيخوخة الدماغ، وتُشير إلى الالتهاب كأحد الآليات الكامنة وراء ذلك. وبما أن النوم قابلٌ للتعديل، فقد يكون من الممكن الوقاية من تسارع شيخوخة الدماغ، وربما حتى التدهور المعرفي، من خلال نومٍ صحي."
وبسبب قلة النوم المستمرة، فإن ثمة تأثيراتٍ سلبية جمة يُخلَفها الأرق على نظام إزالة الفضلات الطبيعي في الدماغ، بحسب العلماء؛ والذي يشهد نشاطًا كبيرة خلال النوم، وبالتالي فإن اضطراب النوم أو عدم كفايته للشخص، يمكن أن يؤديا إلى تعطيل عمل هذا النظام بشكلٍ صحيح، وهو ما قد يؤدي إلى تراكم المواد الضارة في الدماغ، التي تتسبب في نهاية المطاف بالشيخوخة المبكرة. كما تطرق الباحثون إلى تأثير قلة النوم السلبي على صحة القلب والأوعية الدموية بنفس الدرجة، ما قد يؤثر سلبًا على صحة الدماغ؛ إذ أن ضعف تدفق الدم قد يحرم خلايا الدماغ من الأكسجين والمُغذيات التي يحتاجها للبقاء نشطًا وشابًا.

نصائح لتعزيز صحة وشباب الدماغ
إذن، لا بدَ لنا عزيزتي من الحرص على أخذ قسطٍ كافٍ من النوم كل ليلة (والمعدل الطبيعي للنساء يتراوح بين 7 – 9 ساعات يوميًا)، لضمان صحة وشباب أدمغتنا.
كما ينصح الخبراء باتباع النصائح التالية لتعزيز صحة وشباب الدماغ:
1. الحركة اليومية: لضمان تدفق الدم للدماغ، نمو خلايا عصبية جديدة، تحسين المزاج والقدرة على التركيز.
2. تغذية الدماغ: بالتركيز على أطعمة تحوي أحماض أوميغا 3 الدهنية مثل الأسماك؛ بالإضافة إلى زيت الزيتون، المكسرات، الخضار الورقية والشوكولاته الداكنة.
3. شرب الماء: فالجفاف، حتى الخفيف، قد يؤثر على التركيز والذاكرة، والدماغ بحاجة للترطيب المستمر ليعمل بكفاءة.
4. التعرض للشمس صباحًا: يُساعد على تنظيم الساعة البيولوجية، تحسين جودة النوم ورفع معدلات السيروتونين (هرمون المزاج).
5. تقليل السموم الدماغية: من خلال خفض استهلاك السكر، تجنب السهر لوقتٍ طويل، الحدَ من التوتر وتقليل الشاشات قبل النوم. هذه العوامل قد تُسرع شيخوخة الدماغ، في حال تراكمت.
6. إدارة التوتر: الذي يُسرَع شيخوخة الدماغ؛ ويمكن تهدئته عبر التنفس العميق؛ التأمل، المشي في الطبيعة، وتقليل الضوضاء الرقمية (الهواتف الذكية وغيرها).
7. تدريب الدماغ على التحديات: فالدماغ يحب كل جديد؛ جرَبي تعلَم لغة جديدة، القراءة اليومية، ألعاب التفكير أو تعلَم مهارة جديدة. كل مهارة جديدة تبني شبكة عصبية جديدة.
8. بناء علاقاتٍ اجتماعية مثمرة: فالتواصل الإنساني يحفّز مناطق الدماغ المسؤولة عن الذاكرة، العاطفة واتخاذ القرارات. وجلسة صادقة مع صديقة عزيزة قد تكون "فيتامينًا عصبيًا" أنتِ بحاجة إليه!
9. الحفاظ على هدفٍ وشغف: لا شيء يقتل الدماغ أو يتسبب بشيخوخته وضعفه مثل فقدان الشغف وعدم وجود أهدافٍ في الحياة؛ فالدماغ يزدهر عندما يشعرُ الإنسان بأنه جزءٌ من شيء أكبر. ركَزي على المشاريع الإبداعية التي تحمل الكثير من الشغف والهدف، كلها تُغذَي الدماغ عاطفيًا ومعرفيًا.
خلاصة القول؛ أن قلة النوم قد تُسرع شيخوخة الدماغ، وهذا كلامٌ علمي تُثبته الدراسات كل يوم. وبما أن الغذاء هو وقود الجسم، فإن النوم الصحي والجيد هو الغذاء الأساسي لعمل الدماغ وبقائه شابًا؛ لذا احرصي عزيزتي على تغذية دماغكِ بالنوم الجيد كل ليلة، بجانب التركيز على الأطعمة التي تُحارب الالتهاب، إدارة التوتر الذي يُضعف صحة الدماغ والحفاظ على الشغف والعلاقات الاجتماعية التي تمنحكِ جرعةٍ إضافية من التفاؤل كل يوم، تنعكس إيجابًا على صحة ورفاه دماغكِ.