إجراءٌ طبي مبتكر يُعيد الأمل لمرضى الذبحة الصدرية المقاومة للعلاج.. إليكِ التفاصيل
على الرغم من أن الذبحة الصدرية بحد ذاتها ليست مميتة عادةً، لكنها علامة خطرٍ شديدة؛ وقد تتطور إلى نوبةٍ قلبية أو سكتة قلبية، وهي حالاتٌ تُهدَد الحياة وتحدث نتيجة انسدادٍ كامل للشرايين، مما يؤدي لموت جزءٍ من عضلة القلب، ما يتطلب علاجاً طارئاً فورياً لتجنب الوفاة. وينبغي التعامل مع أي نوبةٍ صدرية كحالة طوارئ طبية والتوجه إلى المستشفى فوراً.
ووفقًا لتقريرٍ أحصائي حديث، فإن 63 مليون شخص حول العالم يعانون من الذبحة الصدرية؛ وتُعدَ الذبحة الصدرية من أكثر أعراض مرض الشريان التاجي شيوعًا، وهو السبب الأول للوفاة عالميًا بحسب تقارير أمراض القلب والأوعية الدموية.
بالإمكان علاج الذبحة الصدرية والسيطرة عليها بدرجةٍ كبيرة؛ لكن نوع العلاج يعتمد على نوع الذبحة (مستقرة أو غير مستقرة)، بالإضافة إلى سببها وشدة انسداد الشرايين. فيما تؤكد المصادر الطبية الحديثة أن العلاج يجمع بين تغيير نمط الحياة، الأدوية، وأحيانًا الإجراءات التداخلية مثل القسطرة والدعامات.
من أنواع الذبحة الصدرية التي تحوز اهتمام العديد من الأطباء عالميًا كونها تُمثَل تحديًا علاجيًا حقيقيًا، الذبحة الصدرية المقاوِمة للعلاج، والتي تُعدَ من أكثر الحالات القلبية تعقيدًا. وبحسب جمعية القلب الأمريكية، هي ألمٌ صدري مزمن يستمر لأكثر من 3 أشهر ولا يتحسن رغم استخدام الأدوية، القسطرة، أو جراحة الشرايين. أي بمعنى آخر أن المريض جرّب كل العلاجات التقليدية، وما زال الألم موجودًا.
في هذه الحالة، يصبح العلاج تحسينيًا وتلطيفيًا، ويشمل العلاج الدوائي المتقدم؛ العلاجات التداخلية الحديثة، والعلاج السلوكي لتحسين حياة المرضى وإطالة عمرهم قدر الإمكان. إلا أن التحديات الكبرى التي يفرضها هذا المرض، لم تثنِ العلماء عن البحث عن وسائل جديدة لعلاج هذه الحالة، منها ما جرى تنفيذه مؤخرًا في العاصمة الإماراتية أبوظبي، في مستشفى كليفلاند كلينك؛ من خلال زرع جهاز تقليص الجيب التاجي (CSR)، وهو إجراءٌ طبي مبتكر وطفيف التوغّل، يبعث الأمل من جديد لدى المرضى الذين يعانون من الذبحة الصدرية المقاومة للعلاج.
ويُمثّل هذا الإنجاز إضافةً علاجية آمنة ومُثبتة للمرضى الذين كانت خياراتهم محدودة سابقاً، وقد نفّذه فريق معهد القلب والأوعية الدموية والصدرية في مستشفى كليفلاند كلينك أبوظبي بالتعاون مع البروفيسور تومازو غوري، أحد أبرز الخبراء الأوروبيين في زراعة جهاز تقليص الجيب التاجي. كما يُعزّز هذا التطور مكانة أبوظبي كمركزٍ رائد في رعاية أمراض القلب المعقّدة، في ظل ارتفاع معدلات الإصابة بأمراض القلب في الدولة.

للحديث أكثر عن هذه التقنية، والمزايا التي تتمتع بها؛ كان ل "هي" لقاءٌ شيق مع الدكتور روني شنتوف، استشاري طب القلب والأوعية الدموية في معهد القلب والأوعية الدموية والصدرية.
من هم المرضى المؤهّلون لإجراء زرع جهاز تضييق الجيب التاجي، وما هي فئات مرضى القلب التي تستفيد أكثر من هذا الابتكار؟
يُعدّ زرع جهاز تضييق الجيب التاجي CSR إجراءً مُصمّماً للمرضى الذين يعانون من الذبحة الصدرية المقاومة للعلاج؛ أي أولئك الذين يعانون من نوبات ألمٍ صدرية مزمنة رغم تلقَيهم أفضل علاج طبي، وهم غير مؤهلين لإجراءات إعادة التروية التقليدية مثل القسطرة التوسعية، أو جراحة تحويل مجازة الشريان التاجي.
وغالباً ما يعاني هؤلاء المرضى من تضيَق الشريان التاجي المنتشر، أو من فشل جراحة مجازة الشريان التاجي، أو لديهم موانع تشريحية تمنع زراعة دعامات إضافية. يتيح إجراء تضييق الجيب التاجي لهؤلاء المرضى، خياراً علاجياً حيوياً حين لا تتوافر أي بدائل تدخلية أو جراحية.
هل يمكنك شرح الميزة التي تجعل هذا الإجراء تغَيراً جوهرياً في حياة مرضى الذبحة الصدرية المقاومة للعلاج؟
تُعدّ الذبحة الصدرية المقاومة للعلاج حالةٌ يصعب معها إدارة الألم؛ إذ قد يعاني المرضى من ألمٍ في الصدر حتى عند أقل نشاط أو أثناء الراحة، ما يُقيّد حياتهم اليومية ويُرهقهم جسدياً ونفسياً.
يعالج الجهاز هذه الحالة عبر إجراء تضييقٍ منتَظم للجيب التاجي، الأمر الذي يرفع الضغط الوريدي ويساعد في إعادة توجيه الدم الغني بالأكسجين نحو مناطق في عضلة القلب تعاني من نقص التروية؛ وهذا بدوره قد يُخفّض ألم الصدر، يُحسّن قدرة المرضى على ممارسة الأنشطة البدنية، ويُعزّز جودة حياتهم.
وبعد الإجراء، يجد الكثيرون من المرضى تحسناً ملموساً في الأعراض، ما يمنحهم الفرصة للعودة لممارسة أنشطة يومية، مثل المشي أو صعود الدرج والتفاعل الاجتماعي، والتي كانت مستحيلة في السابق.
ما المدة المتوقّعة للتعافي، وما النتائج التي يُمكن أن يتوقعها المرضى بعد إجراء تضييق الجيب التاجي؟
يتم إجراء تضييق الجيب التاجي من خلال تدخلٍ جراحي محدود، ويُجرى عادةً تحت التخدير الموضعي، وغالباً عبر قسطرة من خلال الوريد الوداجي.
• الإقامة في المستشفى: غالبًا ما تكون لمدة ليلةٍ واحدة من أجل المراقبة.
• التعافي: يستطيع معظم المرضى استئناف أنشطةٍ خفيفة خلال أيامٍ قليلة بعد الإجراء.
• النتائج: تُظهر الدراسات السريرية أن نسبة تتراوح بين 70–80% من المرضى يشعرون بانخفاضٍ كبير في حدّة الأعراض، مع تحسّنٍ بمقدار درجة واحدة على الأقل ضمن مقياس الذبحة الصدرية لجمعية القلب والأوعية الدموية الكندية.
• إضافةً إلى ذلك، تقلّ زيارات الكثير من المرضى إلى المستشفى، كما يُبلغون عن تحسّنٍ ملحوظ في شعورهم العام خلال الأسابيع التي تلي الإجراء.
كيف يساعد هذا الإجراء المرضى الذين استنفدوا العلاجات التقليدية مثل الدعامات أو جراحة المجازة؟
يتيح إجراء تضييق الجيب التاجي نهجاً وظيفياً حيوياً جديداً لتحسين تدفّق الدم إلى عضلة القلب، حيث تصعب إعادة التروية التقليدية؛ ومن خلال زيادة الضغط في الجهاز الوريدي التاجي، يُمكن لهذا الإجراء أن يُعيد توزيع تدفّق الدم عبر المناطق المصابة بنقص التروية والمناطق السليمة في القلب.
يتيح ذلك تخفيف أعراض الذبحة الصدرية وتحسين الدورة الدقيقة للدم داخل القلب لدى المرضى الذين اعتُبرت حالتهم سابقاً غير قابلة للعلاج، ويمنحهم فرصةً لاستعادة الوظائف الحيوية وتخفيف الأعراض.

ما أهمية إدخال هذا الإجراء إلى دولة الإمارات من أجل رعاية أمراض القلب على مستوى المنطقة؟
يُمثَل إدخال تقنية تضييق الجيب التاجي إلى الإمارات قفزةً نوعية في رعاية أمراض القلب على مستوى الدولة والمنطقة؛ إذ:
• يُتيح هذا الإجراء للمرضى في دولة الإمارات ومختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط، الوصول إلى علاجٍ مُثبت وذو اعترافٍ دولي، دون الحاجة للسفر إلى الخارج.
• يُعزّز الإجراء مكانة مستشفى كليفلاند كلينك أبوظبي بوصفه مركزاً رائداً على مستوى المنطقة في الرعاية القلبية الوعائية المبتكرة والمتحورة حول المريض، وذلك من خلال توفير العلاجات المتقدمة نفسها المتوفّرة في أفضل المراكز العالمية في أوروبا وأمريكا الشمالية.