اكتشاف نقاط قوّتكِ... الخطوة الأولى نحو النجاح
هناك سؤال يبدو في ظاهره بسيطًا، لكنه كثيرًا ما يضعنا أمام حيرة حقيقية حين نسمعه: ما الذي تُجيدينه فعلًا؟ لا يتعلق السؤال بما درستِه، ولا بالمهارات التي دوّنتِها في سيرتكِ الذاتية، وإنما بما تستطيعين القيام به بصورة طبيعية ولافتة، ذلك الشيء الذي قد يبدو لكِ سهلًا وعاديًا، بينما يحتاج الآخرون إلى وقت وجهد أكبر لإنجازه، والذي يلمس من حولكِ أثره قبل أن تنتبهي أنتِ إلى أنه إحدى نقاط قوّتكِ.
وإذا وجدتِ نفسكِ غير قادرة على الإجابة بسرعة، فلا يعني ذلك أنكِ تفتقرين إلى نقاط القوة، بل إنكِ مثل كثيرات منّا ربما قضيتِ سنوات طويلة في العمل وأنتِ تركّزين على ما ينبغي تحسينه أو ما يجب تعلّمه، من دون أن تمنحي نفسكِ فرصة حقيقية للتوقف واكتشاف ما تتقنينه بطبيعتكِ. وهناك فرق عميق بين الشيء الذي تعلّمتِ أداءه مع الوقت، والشيء الذي تمتلكين تجاهه قدرة طبيعية تجعل أداءه أكثر سلاسة بالنسبة إليكِ.
لماذا يصعب علينا معرفة نقاط قوّتنا؟

المشكلة في الغالب ليست أننا لا نملك نقاط قوة، وإنما أن بعض أقوى ما لدينا قد يكون مختبئًا خلف بساطته. فما تؤدينه بسهولة شديدة قد لا يخطر في بالكِ أصلًا أن تعتبرينه ميزة، لأنكِ اعتدتِ عليه إلى درجة جعلتكِ ترينه أمرًا طبيعيًا لا يستحق التوقف عنده.
وتشير الأبحاث إلى أن الإنسان قد لا ينتبه إلى نقاط قوته حين تبدو له المهارة سهلة، إذ إن ما لا يتطلب منه جهدًا كبيرًا قد يفقد في نظره قيمة الموهبة. وربما تجدين نفسكِ تقولين: "أي شخص يستطيع فعل ذلك"، بينما الواقع أن ما يبدو عاديًا بالنسبة إليكِ قد يكون مهارة يصعب على غيركِ امتلاكها أو ممارستها بالمستوى نفسه.
ويزداد الأمر تعقيدًا لأننا تربّينا في كثير من الأحيان على التركيز على جوانب القصور أكثر من التركيز على جوانب القوة. ففي المدرسة يُطلب منا أن نعمل أكثر على المواد التي لا نبرع فيها، وفي بيئات العمل ينصب الاهتمام غالبًا على الجوانب التي تحتاج إلى تطوير، ومع مرور السنوات قد نجد أنفسنا ننفق قدرًا كبيرًا من طاقتنا في محاولة سدّ الفجوات، بينما تظل القدرات التي نمتلكها بالفعل من دون الاستثمار الذي تستحقه.
نقطة القوة ليست بالضرورة ما تُحبّينه
من المهم هنا أن تفرّقي بين ما تحبينه وما تتقنينه، لأن الأمرين قد يلتقيان أحيانًا، لكنهما ليسا الشيء نفسه بالضرورة.
نقطة القوة هي القدرة التي تستطيعين من خلالها تقديم أداء جيد وتحقيق نتائج ملموسة، وبجهد قد يكون أقل مما يحتاجه شخص آخر للوصول إلى النتيجة نفسها. أما ما تحبينه، فقد يكون نقطة قوة بالفعل، لكنه قد يكون مجرد اهتمام تستمتعين به من دون أن تكون لديكِ فيه قدرة استثنائية.
كيف تكتشفين نقاط قوّتكِ فعلًا؟
انتبهي لما يأتيكِ بسهولة

أحيانًا تكون نقطة قوتكِ موجودة أمامكِ كل يوم، لكنكِ لا ترينها لأنكِ اعتدتِ على ممارستها. انتبهي إلى الأشياء التي تنجزينها بسرعة وجودة، بينما تلاحظين أن زميلاتكِ يحتجن إلى وقت أطول أو يجدن صعوبة أكبر في التعامل معها. وليس المقصود أن تنظري إلى الأمر باعتباره مقارنة بينكِ وبين الآخرين، وإنما أن تسألي نفسكِ: ما الذي يبدو لافتًا في سهولته بالنسبة إليّ، بينما يبدو أكثر تعقيدًا لمن حولي؟
راجعي لحظات الفخر الحقيقي
ليس المقصود هنا فقط الإنجازات الكبيرة التي حصلتِ بسببها على إشادة أو تقدير، وإنما تلك اللحظات الهادئة التي شعرتِ فيها من الداخل بأنكِ كنتِ في أفضل حالاتكِ، حتى لو لم ينتبه إليها أحد.
عودي بذاكرتكِ إلى خمس لحظات من مسيرتكِ شعرتِ فيها برضا عميق عن نفسكِ، ثم اسألي نفسكِ لماذا كانت هذه المواقف مختلفة. هل كان السبب أنكِ حللتِ مشكلة معقدة؟ أم أنكِ استطعتِ التواصل مع شخص بطريقة غيّرت شيئًا؟ هل كان التنظيم هو ما جعلكِ تشعرين بهذا الرضا؟ أم الإبداع، أو التعليم والشرح، أو القدرة على جمع الناس، أو الوصول إلى حل لم يكن واضحًا في البداية؟
اسألي من حولكِ
إذا أردتِ الحصول على صورة أكثر واقعية عن نفسكِ، فقد يساعدكِ أن تستمعي إلى الأشخاص الذين يعملون معكِ أو يعرفونكِ جيدًا، لكن طريقة السؤال مهمة جدًا. لا تكتفي بأن تسألي: "ما الذي تعتقدين أنني أجيده؟" لأن الإجابة قد تأتي عامة أو مجاملة ولا تمنحكِ تفاصيل تستطيعين البناء عليها.
بدلًا من ذلك، اسأليهن عن مواقف محددة، مثل: "في أي المواقف ترين أنني أكون في أفضل حالاتي؟" أو "ما الشيء الذي تلجئين إليّ فيه دون تفكير طويل؟" ويمكنكِ أيضًا أن تسألي: "لو احتجتِ إلى شخص يتولى مهمة صعبة في مجال معين، هل سأكون من الأشخاص الذين تفكرين فيهم؟ ولماذا؟"
لاحظي ما يستنزفكِ وما يُحيّيكِ

لا تظهر نقاط القوة فقط في جودة ما تنجزينه، وإنما يمكن أن تكشفها أيضًا الطريقة التي تشعرين بها بعد إنجاز العمل. عندما تمارسين شيئًا يتوافق فعلًا مع قدراتكِ، قد تشعرين بالتعب الجسدي في نهاية اليوم، لكنكِ غالبًا لا تشعرين بذلك الاستنزاف الداخلي العميق الذي يجعلكِ راغبة في الابتعاد عن كل شيء.
في المقابل، قد تكون هناك مهام تتقنينها جيدًا وتؤدينها بكفاءة، لكنها لا تنسجم مع طبيعتكِ، فتترككِ بعدها في حالة من الفراغ أو الإرهاق تتجاوز بكثير مقدار الجهد الذي بذلتِه.
ماذا تفعلين بعد أن تكتشفيها؟
اكتشاف نقاط القوة لا يمثل نهاية الرحلة، وإنما هو اللحظة التي يصبح فيها بإمكانكِ أن تبدئي في استخدامها بوعي. فالمعرفة وحدها لا تغيّر المسار، لكن الطريقة التي تستثمرين بها ما اكتشفتِه يمكن أن تحدث فرقًا حقيقيًا في حياتكِ المهنية.
ضاعفي ما ينجح
تشير الأبحاث إلى أن الأشخاص الذين يوجّهون قدرًا أكبر من اهتمامهم إلى تطوير نقاط قوتهم بدلًا من قضاء معظم طاقتهم في محاولة إصلاح نقاط ضعفهم، يحققون أداءً أفضل ومستويات أعلى من الرضا المهني. وهذا لا يعني أن تتجاهلي ما تحتاجين إلى تحسينه أو أن تتركي نقاط الضعف من دون معالجة، وإنما يعني ألا تحوليها إلى المشروع المهني الوحيد في حياتكِ.
ضعيها في مكانها الصحيح
حتى أقوى نقطة قوة قد تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها إذا وُضعت في بيئة لا تحتاج إليها. فإذا كانت قدرتكِ الأبرز هي بناء العلاقات والتواصل مع الآخرين، بينما تعملين في مكان لا يمنحكِ أي مساحة للاستفادة من هذه المهارة، فمن الطبيعي أن تشعري بأن شيئًا مهمًا فيكِ لا يجد فرصة للظهور.
لذلك ابحثي عن طرق لإدخال نقاط قوتكِ في عملكِ الحالي، حتى لو بدأ الأمر من مساحة صغيرة أو من مهمة جانبية.
وإن لم تجدي جوابًا واضحًا بعد؟

إذا لم تتمكني حتى الآن من تحديد نقاط قوتكِ بدقة، فهذا أمر طبيعي تمامًا. بعض النساء يحتجن إلى وقت أطول حتى تتضح الصورة، وبعضهن يمررن بمرحلة انتقالية في حياتهن المهنية تجعل كل شيء يبدو ضبابيًا لفترة، خصوصًا حين يتغير المجال أو تتبدل الأولويات أو تتراكم تجارب مختلفة لم تتح لهن فرصة فهمها بعد.
في هذه الحالة، لا تنتظري أن يأتيكِ الوضوح من تلقاء نفسه، بل اقتربي منه بالتجربة. امنحي نفسكِ فرصة لتجربة أشياء جديدة، وتطوّعي لمهام تقع خارج نطاق عملكِ المعتاد، وتعلّمي في مجالات تشعرين بالفضول تجاهها، وتحدثي مع أشخاص يعملون في مجالات مختلفة عن مجالكِ الحالي. فبعض نقاط القوة لا تظهر عندما نفكر فيها طويلًا، وإنما تظهر عندما نمنح أنفسناِ فرصة لاختبارها على أرض الواقع.