كيف نتعامل مع عدم اليقين؟ خطوات عملية للسيطرة على الخوف في الأوقات الصعبة
بقلم الدكتورة تانيا بخشّي، خبيرة في مجال صحة المرأة، وطبيبة في الطب التجانسي، والمديرة التنفيذية لمجموعة Bakson
تؤثر فترات عدم اليقين بشكل عميق في جسم الإنسان. فعندما تتغير الظروف بشكل مفاجئ، يستجيب الجهاز العصبي فوراً، وقد يشعر الإنسان باضطراب في نومه، وتسارع في أفكاره، وحتى توتر في جسده. ولا تقتصر حالة عدم اليقين على كونها تجربة نفسية فحسب، بل يمتد أثرها إلى الجسد أيضاً. ومن خلال سنوات من العمل في مجال الصحة الشاملة، تتجلى حقيقة ثابتة مفادها أنه في حين لا يمكننا التحكم في الأحداث، فإننا نستطيع التأثير في الطريقة التي يستجيب بها جسدنا وعقلنا لها.

وفي الأوقات الصعبة، تبرز ثلاثة مبادئ أساسية:
1- تقبّل المواقف يخفّف من حدّة مقاومتنا لها
غالباً ما تؤدي مقاومتنا للمواقف الصعبة إلى زيادة الضغط النفسي. فالتقبّل لا يعني الموافقة، بل يعني إدراك الواقع كما هو. وعندما نتوقف عن استنزاف طاقتنا في محاولة تغيير ما لا يمكن تغييره فوراً، نمنح أنفسنا مساحة ذهنية أوسع لرؤية الأمور بوضوح واتخاذ قرارات متزنة. أما الطريقة التي نستجيب بها، فهي دائماً ضمن نطاق سيطرتنا.
2- التنفّس أداة لتنظيم الجسد والعقل
وفي لحظات الشعور بالضغط الشديد، يمكن أن يساعد التوقف المتعمد لفترة قصيرة - حتى لو كان مجرد نفس واحد يتم أخذه بوعي وتركيز - على إيقاف سلسلة التوتر أو التصاعد السريع للمشاعر السلبية. فالهدوء ليس حالة سلبية؛ بل مهارة تُكتسب بالممارسة. وفي لحظات الضغط الشديد، يمكن أن يساعد التوقف المتعمد — حتى لو كان نفساً واحداً يُؤخذ بوعي وتركيز — على إيقاف سلسلة التوتر المتصاعد. فالتنفس ليس مجرد وظيفة تلقائية، بل هو أداة يمكننا استخدامها بوعي لاستعادة الهدوء والتركيز.
3- الخوف وسيلة للحماية ولكنه لا يتنبّأ دائمًا بما سيحدث
يميل العقل بطبيعته إلى توليد سيناريوهات من نوع "ماذا لو؟" في أوقات الشعور بعدم اليقين، وهذا في الأساس آلية وقائية. ومع ذلك، لا تعكس كل مخاوفنا نتائج حتمية. إن مراقبة الأفكار من دون التفاعل معها فورًا يخلق مسافة بينها وبيننا. وهذه المسافة تتيح قدرًا أكبر من التمييز والوضوح. وفي مفهوم الصحة الشاملة، يبقى التوازن هو الأساس: ليس كبت المشاعر، بل عدم السماح لها بالتحكّم في السلوك. فتعدّ حالة عدم اليقين جزءًا لا مفرّ منه من حياتنا وتغييرها أيضاً. أما المرونة النفسية لا تعني غياب شعور الخوف، بل القدرة على الحفاظ على الهدوء والتوازن على الرغم من وجوده.
يميل العقل بطبيعته إلى توليد سيناريوهات من نوع "ماذا لو"، خاصة في أوقات عدم اليقين. وهذا أمر طبيعي، إذ يُعد الخوف في الأساس آلية وقائية. ومع ذلك، فإن أفكارنا لا تعكس دائماً الواقع. إن مراقبة الأفكار دون التفاعل الفوري معها تخلق مسافة صحية بيننا وبينها، وتمنحنا قدرة أكبر على التمييز والتركيز. فالتوازن لا يعني غياب الخوف، بل يعني القدرة على الاستمرار بهدوء رغم وجوده. وفي الأوقات التي تبدو فيها الأحداث الخارجية غير متوقعة، يصبح الاهتمام بالجسد فعلاً بسيطاً لكنه عميق التأثير. سواء عبر التنفس، أو الراحة، أو التغذية، فإن استعادة هذا التوازن تمنحنا وضوحاً أكبر، وتساعدنا على اتخاذ قرارات أكثر هدوءاً واتزاناً.