د. جين هالسال تشارك "هي" استراتيجيات علمية لإحتواء القلق في زمن التوتر
يعيش كثيرون اليوم حالة قلقٍ صامتة، لكنها تُستشعر في الجسد والنوم وطريقة التفكير. التوتر الإقليمي، وعدم اليقين العالمي، لا يبقيان في العناوين الرئيسية فحسب، بل يتسللان إلى تفاصيل حياتنا اليومية، ويؤثران في جهازنا العصبي قبل أن ندرك ذلك.
من لندن إلى دبي، تنقل الدكتورة جين هالسال Jane Halsall خبرة سريرية تمتد لأكثر من عشرين عاماً في علم النفس الإكلينيكي، لتضع بين أيدينا فهماً أعمق لما يحدث داخلنا في أوقات الغموض، واستراتيجيات عملية قائمة على الأدلة العلمية لإدارة القلق وفرط اليقظة، وبناء مرونة نفسية مستدامة. في هذا المقال، تشرح د. جين لـ"هي" كيف يمكننا تهدئة الجهاز العصبي، واستعادة الإحساس بالأمان، والتعامل مع عدم اليقين دون أن نسمح له بالتحكم في حياتنا.

أولاً: كيف ندير القلق وفرط اليقظة؟
لفهم كيفية التعامل مع القلق وفرط اليقظة، من الضروري التمييز بينهما. القلق هو شعور داخلي بالتوجّس تجاه تهديد متوقَّع، سواء كان حقيقياً أم متخيلاً. أما فرط اليقظة فهو حالة من التأهّب المفرط والترقّب المستمر لأي خطر محتمل في البيئة المحيطة.
قد تتشابه الأعراض، لكن الفرق الجوهري أن القلق غالباً ما يتمحور حول سيناريوهات "ماذا لو"، بينما يعيش الشخص الذي يعاني من فرط اليقظة في حالة مسح دائم للبيئة بحثاً عن تهديد آني.
هذه الاستجابة ليست ضعفاً، بل آلية بقاء بيولوجية. فعندما يستشعر الدماغ خطراً، تنشّط اللوزة الدماغية جهاز الاستجابة للضغط، ويُفرز الكورتيزول والأدرينالين. وقد تظهر أعراض جسدية مثل تسارع ضربات القلب، شدّ العضلات، اضطراب النوم، وتضييق نطاق الانتباه للبحث عن المخاطر.
الهدف العلاجي ليس إلغاء اليقظة، بل إعادة تنظيم الجهاز العصبي ليصبح مستجيباً عند الحاجة، لا في حالة استعداد دائم.
استراتيجيات عملية لتهدئة الجهاز العصبي
ابدئي بتنظيم الجسد أولاً. من التقنيات المدعومة علمياً:
تمارين التنفّس المنظّم: الشهيق لمدة 6 ثوانٍ، والزفير لمدة 8–10 ثوانٍ، وتكرار ذلك ثلاث مرات. الزفير الأطول ينشّط العصب الحائر ويرسل إشارات أمان إلى الجسم.
الماء البارد: تمريره على الوجه أو المعصمين يفعّل ما يُعرف بـ"منعكس الغوص"، مما يساهم في خفض الاستثارة العصبية الحادة.
تقنيات الضغط أو التربيت الخفيف: على نقاط محددة في الوجه أو الجسم للمساعدة في تهدئة الاستجابة العصبية.
كما يُنصح بالحد من سلوكيات المراقبة المستمرة، مثل التحقق المتكرر من الأخبار أو تصفح وسائل التواصل بحثاً عن مستجدات. فالدماغ يفسّر المتابعة المتواصلة كدليل على استمرار الخطر.
إحدى الاستراتيجيات الفعّالة هي تخصيص أوقات محددة لمتابعة الأخبار، كمرتين يومياً لمدة 15 دقيقة، مع الامتناع عن المتابعة خارج هذه الفترات. هذا النهج يعيد الإحساس بالتحكم، وينقل الفرد من حالة الترقّب التفاعلي إلى التفاعل الواعي.
الحفاظ على روتين يومي منتظم يعزز الشعور بالثبات، ويخلق ما يُعرف بـ"الاحتواء النفسي" حين يبدو العالم الخارجي غير قابل للتنبؤ.
وأخيراً، راقبي أفكارك. التفكير القائم على "ماذا لو" يغذي القلق الاستباقي.
اسألي نفسك:
ما الذي يحدث الآن فعلاً؟
وما الذي يمكنني التحكم به في هذه اللحظة؟
التركيز على ما يمكن إدارته يمنح إحساساً أكثر رسوخاً بالأمان.
ثانياً: التأثير النفسي لعدم اليقين
يُعدّ عدم اليقين من أقوى مصادر الضغط النفسي، لأن الدماغ مبرمج بطبيعته على التنبؤ وتنظيم المعلومات. وعندما تكون النتائج غامضة، ينشط نظام كشف التهديد بدرجة أكبر.
تشير الدراسات إلى أن الإنسان يجد عدم اليقين أكثر إزعاجاً من النتائج السلبية المؤكدة. فحتى اليقين غير المريح يمنح العقل إطاراً تنظيمياً، بينما يبقي الغموض الجهاز العصبي في حالة استعداد دائم.
من الآثار النفسية لعدم اليقين الممتد:
-ارتفاع مستويات القلق
-سرعة الانفعال وضعف تحمّل الإحباط
-اضطرابات النوم
-صعوبة التركيز
-البحث المتكرر عن الطمأنينة
-تفاعلات عاطفية حادة
-شعور بفقدان السيطرة
-أما لدى الأشخاص الذين مرّوا سابقاً بتجارب عدم استقرار أو صدمات أو نزوح، فقد يعيد عدم اليقين تنشيط مشاعر العجز القديمة.
استراتيجيات للتعامل مع عدم اليقين
1. الانتقال من التحكم في النتائج إلى التحكم في المسار
لا يمكننا السيطرة على التطورات الجيوسياسية أو التحولات الاقتصادية، لكن يمكننا تنظيم روتيننا اليومي، وطريقة تواصلنا، وسلوكياتنا. التركيز على ما يمكن فعله يقلل الشعور بالعجز.
2. التمييز بين الخطر الفعلي والخطر الافتراضي
اسألي نفسك: هل يحدث هذا الآن فعلاً، أم أنه احتمال مستقبلي أخشاه؟
إعادة الانتباه إلى الأمان في اللحظة الراهنة تخفف القلق الاستباقي.
3. الحد من التعرض للمعلومات غير المؤكدة
التكهنات والتحليلات غير الموثوقة تزيد من حدة التوتر. الاعتدال في استهلاك الأخبار نهج مدعوم علمياً للحفاظ على التوازن النفسي.
4. بناء المرونة النفسية
القبول لا يعني الاستسلام، بل القدرة على تحمّل مشاعر عدم الارتياح دون الهروب منها. التدرّب على التعايش مع الغموض يعزز الصلابة النفسية مع مرور الوقت.
5. أولوية التواصل
الجهاز العصبي ينظّم نفسه من خلال العلاقات. التفاعل مع أشخاص هادئين ومتزنين يرسل إشارات أمان على المستوى الفسيولوجي، بينما تزيد العزلة من حدة الضغط المرتبط بعدم اليقين.
في أوقات الغموض، قد تكون أبسط التدخلات هي الأكثر فاعلية: تنظيم الجسد، ضبط تدفق المعلومات، الحفاظ على الروتين، استعادة الإحساس بالتحكم، والتمسك بالعلاقات الداعمة.
فالمرونة النفسية لا تعني غياب القلق، بل القدرة على العيش معه دون أن يسيطر علينا.