داليا ياموت خبيرة علاج نفسي فردية للبالغين

داليا ياموت لـ"هي": العناية الذاتية خط الدفاع الأول ضد الاحتراق النفسي لدى الأمهات

قد تستيقظين كل صباح، تُعدين وجبات أسرتكِ، وتتابعين دراسة أطفالكِ، وتنجزين عملكِ خارج المنزل وداخله، وتلبين احتياجات الجميع دون تقصير وبنفس الاتقان. لكن الحقيقة أن استمراركِ في أداء كل هذه المسؤوليات لا يعني بالضرورة أن صحتكِ النفسية بخير. فقد تكونين من الأمهات اللاتي يعانين الاحتراق النفسي بصمت، دون أن يلاحظ أحد ذلك، وربما دون أن تلاحظيه أنتِ أيضًا. لذلك، من الضروري أن تعرفي أسباب الاحتراق النفسي لدى الأمهات، وعلاماته التي تستحق التوقف عندها، تجنبًا لاستنزاق طاقتك، ولحماية صحتك النفسية.

وبماسبة اليوم العالمي للعناية الذاتية الموافق 24 يوليو القادم، أقدم لكِ ولكل أم تبدع في العطاء وتمنح بسخاء، هذا الموضوع المهم من خلال لقاء ممتع وثري بالمعلومات المهمة مع داليا ياموت خبيرة علاج نفسي فردية للبالغين بمركز ثرايف للصحة النفسية.

الاحتراق النفسي لدى الأمهات وأثر العناية الذاتية

ما المقصود بالاحتراق النفسي عالي الأداء، وكيف يختلف عن الاحتراق النفسي التقليدي؟

يشير الاحتراق النفسي عالي الأداء إلى حالة يواصل فيها الشخص الوفاء بمسؤولياته والظهور بمظهر المنتج والناجح، رغم شعوره بالاستنزاف العاطفي والذهني والجسدي. وعلى عكس الاحتراق النفسي التقليدي، الذي غالبًا ما يؤدي إلى تراجع واضح في الأداء، قد يستمر الأشخاص الذين يعانون من الاحتراق النفسي عالي الأداء في التفوق في عملهم، ورعاية الآخرين، والالتزام بمهامهم اليومية. إلا أن معاناتهم تكون داخلية إلى حد كبير، حيث يواصلون العمل رغم الإرهاق، ويتجاهلون احتياجاتهم الشخصية، ويحافظون على صورة توحي بأن كل شيء تحت السيطرة. ونظرًا لاستمرار إنجازاتهم، قد يغفلون هم ومن حولهم عن العلامات التحذيرية إلى أن تصبح الحالة أكثر حدة.

لماذا يكون الأشخاص الذين يبدون الأكثر قدرة على تحمل المسؤولية هم الأكثر عرضة للاحتراق النفسي الصامت؟

 غالبًا ما يكون الأشخاص الأكثر كفاءة هم من يعتمد عليهم الآخرون باستمرار. وقد يبنون هويتهم على كونهم أشخاصًا يمكن الاعتماد عليهم، يتمتعون بالمرونة والقدرة على التعامل مع المواقف الصعبة. ومع مرور الوقت، قد يفقدون الاتصال بحدود طاقتهم، ويعتقدون أنهم مطالبون دائمًا بالتواجد وتقديم أفضل أداء. كما يجد كثير منهم صعوبة في طلب الدعم خوفًا من خذلان الآخرين أو الظهور بمظهر غير القادر. ويؤدي هذا الضغط المستمر للاستمرار في الأداء إلى تجاهل احتياجاتهم النفسية والجسدية، وهذا يفسر أحد أسباب الاحتراق النفسي الذي يتطور بصمت مع مرور الوقت.

  ما أبرز العلامات المبكرة التي تشير إلى أن الأم تعاني من احتراق نفسي، رغم استمرارها في أداء مهامه اليومية بكفاءة؟

 غالبًا ما يبدأ الاحتراق النفسي بتغيرات بسيطة، وليس بانهيار كامل في القدرة على أداء المهام. فقد تشعر الأم بإرهاق دائم رغم حصولها على قسط كافٍ من النوم، أو تصبح أكثر انفصالًا عن مشاعرها، أو تفقد الاستمتاع بالأنشطة التي كان يحبها، أو يزداد شعورها بالانزعاج وسرعة الاستثارة. كما قد تلاحظ صعوبة في التركيز، أو تشعر بأنه يؤدي مهامه بشكل آلي، أو يجد أن المهام التي كانت سهلة سابقًا أصبحت مرهقة. وقد تظهر أيضًا أعراض جسدية مثل الصداع، وتشنج العضلات، واضطرابات الجهاز الهضمي، أو اضطرابات النوم. ولأن الأم تواصل تلبية توقعات الآخرين، غالبًا ما تُفسَّر هذه العلامات على أنها ضغوط مؤقتة، بدلًا من اعتبارها مؤشرات مهمة تستدعي التوقف والتعافي.

العناية الذاتية للأمهات تحمي صحتهن النفسية وتزيد قدرتهن على العطاء

كيف يؤثر الاستمرار في إخفاء الضغوط النفسية وعدم طلب المساعدة على الصحة النفسية والجسدية على المدى الطويل؟

 إن كبت الضغوط النفسية لا يجعلها تختفي، بل يؤدي إلى تعريض العقل والجسم لضغط مستمر. ومع مرور الوقت، قد يزيد التوتر المزمن من خطر الإصابة بالقلق والاكتئاب، واضطرابات النوم، والإرهاق العاطفي، وضعف التركيز والذاكرة. وعلى المستوى الجسدي، قد يسهم في ظهور الصداع، ومشكلات الجهاز الهضمي، والآلام المزمنة، وضعف المناعة، وأمراض القلب والأوعية الدموية. أما على المستوى النفسي، فقد تبدأ الأم بالشعور بالانفصال عن ذاته وعن من حولها. إن طلب الدعم في وقت مبكر لا يعني الاعتراف بالفشل، بل هو خطوة مهمة للحد من تفاقم الضغوط وتحولها إلى مشكلة نفسية وجسدية أكثر تعقيدًا.

 ما الدور الذي تلعبه العناية بالذات ووضع الحدود الصحية في الوقاية من الاحتراق النفس؟ 

العناية بالذات لا تقتصر على الاسترخاء أو تدليل النفس بين الحين والآخر، بل تعني الاستجابة المستمرة للاحتياجات الجسدية والنفسية قبل الوصول إلى مرحلة الاستنزاف. كما تساعد الحدود الصحية على حماية الوقت والطاقة والقدرة العاطفية، من خلال تمكين الأم من إدراك ما تستطيع تقديمه بشكل واقعي دون أن يكون ذلك على حساب صحتها ورفاهيته. ويكتسب هذا أهمية خاصة بالنسبة للأمهات وأيضًا الآباء، العاملين، ومقدمي الرعاية، الذين يقضون جزءًا كبيرًا من وقتهم في دعم الآخرين. فعندما يعتني الإنسان بنفسه باستمرار، يصبح أكثر قدرة على الحضور الذهني، والتعاطف، وأداء أدواره المختلفة بكفاءة واستدامة.

 في ظل الضغوط المتزايدة في بيئات العمل والحياة اليومية، ما النصائح العملية التي يمكن لأي أم عاملة تطبيقها للحفاظ على توازنها النفسي دون الشعور بالذنب؟

غالبًا ما يُبنى الحفاظ على الصحة النفسية من خلال عادات صغيرة ومستدامة، وليس عبر تغييرات جذرية. فالحصول على فترات راحة منتظمة خلال اليوم، والنوم الكافي، وممارسة الحركة، والحفاظ على العلاقات الاجتماعية الداعمة، وتخصيص وقت للراحة الحقيقية، كلها عوامل تعزز القدرة على التكيف مع الضغوط. ومن المهم أيضًا الانتباه إلى الميل لربط قيمة الإنسان بإنتاجيته. فالراحة ليست مكافأة تُمنح بعد الوصول إلى مرحلة الإنهاك، بل هي جزء أساسي من الحفاظ على الصحة. كما أن تعلم قول "لا" عند الحاجة، وطلب الدعم عند الشعور بالإرهاق، وإفساح المجال للأنشطة التي تمنح السعادة، ليست تصرفات أنانية، بل استثمارات حقيقية في الصحة النفسية على المدى الطويل. وهذا ما يجب أن تعلمه كل الأمهات جيدًا.

 بمناسبة اليوم العالمي للعناية الذاتية، ما الرسالة التي تودين توجيهها للأمهاتي اللاتي يعتقدن أن طلب المساعدة أو أخذ قسط من الراحة يُعد علامة على  الضعف؟

القوة لا تُقاس بقدرتنا على تحمل كل شيء بمفردنا، بل بقدرتنا على إدراك اللحظة التي نحتاج فيها إلى الدعم، وأن نعامل أنفسنا بنفس اللطف والرعاية التي نقدمها لمن نحب. فالراحة ليست نقيضًا للإنتاجية، بل هي ما يمنحنا القدرة على الاستمرار بوضوح وتعاطف ومرونة. وطلب المساعدة يعكس الوعي بالذات، وليس الضعف. وفي اليوم العالمي للعناية بالذات، أود أن أذكّر الجميع بأن الاهتمام بأنفسنا لا ينتقص من اهتمامنا بالآخرين، بل هو من أكثر الأمور مسؤولية التي يمكننا القيام بها.

كاتبة محتوى متخصصة في الصحة ومواضيع الأم والطفل والعلاقات.