ريما طه لـ«هي»: طفل فرط الحركة وتشتت الانتباه ليس مشاغبًا.. بل يحتاج إلى فهم واحتواء
فرط الحركة وتشتت الانتباه عند الأطفال من أكثر الاضطرابات التي قد تُرهق الأم، ليس لأن طفلها كثير الحركة فحسب، بل لأنها قد تجد نفسها يوميًا أمام تحديات لا تعرف كيف تتعامل معها. فمرة يُتهم طفلها بأنه مشاغب، ومرة يُوصف بأنه عنيد أو غير ملتزم، ولكن في حقيقة الأمر، هو ليس كما يظنون، لأنه يواجه صعوبة في ضبط انفعالاته، التحكم في اندفاعه، أو الحفاظ على تركيزه. كما أنه لا يستطيع تنفيذ التعليمات بالشكل المتوقع منه.
ولأن كثيرًا من أعراض هذا الاضطراب تتشابه مع سلوكيات قد تظهر عند الأطفال الطبيعيين، قد تتأخر بعض الأسر في ملاحظة المشكلة أو تلجأ إلى أساليب تربوية غير مناسبة، مثل الصراخ أو العقاب المستمر، مما يزيد من شعور الطفل بالإحباط ويؤثر في ثقته بنفسه.
لذلك، فإن فهم فرط الحركة وتشتت الانتباه عند الأطفال لا يقتصر على معرفة أعراضه فقط، بل يمتد إلى إدراك احتياجات الطفل النفسية والسلوكية، واختيار أساليب التعامل التي تساعده على استثمار طاقته، وتحسين تركيزه، وتنمية ثقته بنفسه.
من أجل ذلك، نقدم اليوم هذه المقابلة الثمينة مع ريما طه، أخصائية الطب الوظيفي والتغذية السريرية، للتعرف إلى حقيقة اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه عند الأطفال، وتقديم أفضل الإرشادات العملية المبنية على الخبرة، التي تساعد كل أم على التعامل مع طفلها بحكمة ووعي، بما يسهم في نجاحه، ويعينه على تجاوز مشاعر الإحباط، وإبراز نقاط قوته.

ما هو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)؟ وهل يعد مرضًا أم أحد اضطرابات النمو العصبي؟
يصنف اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه حالياً على أنه اضطراب في النمو العصبي، إلا أن أسبابه الكامنة لا تزال معقدة. ومن أبرز خصائصه حدوث خلل في إشارات الدوبامين، بحيث لا تنتقل هذه الإشارات أو لا تتفاعل مع مستقبلاتها بالكفاءة المطلوبة. وتشير أبحاث حديثة إلى أن تنشيط الجهاز المناعي، والالتهاب العصبي، والعلاقة بين الأمعاء والدماغ، قد تؤثر في وظائف الدماغ لدى بعض الأشخاص، الأمر الذي يؤكد أن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لا ينجم عن سبب واحد، بل عن مجموعة من العوامل المتداخلة.
ما أبرز المفاهيم الخاطئة الشائعة حول اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه؟
من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً هو الاعتقاد بأن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لا يمكن تحسينه. وعلى الرغم من عدم وجود علاج واحد يقضي على هذا الاضطراب، إلا أنه يمكن في كثير من الحالات السيطرة على أعراض المرض بفاعلية من خلال الاستراتيجيات السلوكية، والدعم الغذائي، والمكملات المناسبة، وتعديل نمط الحياة، إلى جانب معالجة العوامل الصحية الكامنة. كما أن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لا يرتبط بالكسل، أو بأساليب التربية، أو بانخفاض مستوى الذكاء.
هل يعني فرط الحركة أو تشتت الانتباه لدى الطفل أنه مصاب باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه؟ وكيف يمكن التمييز النشاط الطبيعي والاضطراب؟
ليس كل طفل كثير الحركة أو سريع التشتت مصاباً باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. فقد تنجم هذه السلوكيات أيضاً عن قلة النوم، أو القلق، أو نقص بعض العناصر الغذائية، أو الحساسية تجاه بعض الأطعمة، أو التوتر، أو الإفراط في استخدام الشاشات، أو مشكلات صحية أخرى كامنة. لذلك، من الضروري إجراء تقييم شامل لتحديد السبب الأساسي لهذه الأعراض، بدلاً من الاعتماد على الأعراض وحدها عند التشخيص.

ما هي العلامات التي يجب أن تدفع الوالدين إلى طلب تقييم متخصص لطفلهما؟ وهل تختلف هذه العلامات بين الذكور والإناث؟
نعم، فقد تختلف أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بشكل كبير من شخص إلى آخر. بعض الأطفال يظهرون فرطاً واضحاً في الحركة، بينما يظهر آخرون أكثر هدوءً، لكنهم يعانون من تشتت الانتباه أو كثرة النسيان. كما قد تتغير الأعراض مع التقدم في العمر، وغالباً ما تظهر لدى الفتيات بصورة مختلفة عن الفتيان، ما قد يؤدي إلى عدم ملاحظتها أو تأخر تشخيصها. وإذا استمرت هذه السلوكيات وبدأت تؤثر في التحصيل الدراسي، أو الأداء الوظيفي، أو العلاقات الاجتماعية، أو ممارسة الأنشطة اليومية، فمن المستحسن استشارة أحد المختصين لإجراء تقييم شامل.
هل يعني اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه انخفاض مستوى الذكاء أو ضعف القدرات الإدراكية؟
لا. فاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لا يعني انخفاض مستوى الذكاء أو ضعف القدرات الإدراكية. فكثير من المصابين به يتمتعون بمستوى عالٍ من الذكاء، إلا أنهم قد يواجهون صعوبة في توظيف قدراتهم بصورة منتظمة بسبب التحديات المرتبطة بالانتباه، والتنظيم، والوظائف التنفيذية. ومع توفير الدعم المناسب، يستطيع كثير منهم تحقيق النجاح والتفوق على المستويين الأكاديمي والمهني.
كيف يمكننا فهم أنماط الانتباه والتركيز بصورة أعمق؟
لفهم أنماط الانتباه والتركيز بصورة أشمل، من المهم النظر إلى الشخص ككل، بدلاً من التركيز على الأعراض وحدها. ومن منظور الطب الوظيفي، يجري تقييم مجموعة من العوامل، مثل جودة النوم، والتغذية، وصحة الأمعاء، والتوتر، والالتهابات، والتوازن الهرموني، وتشتت العناصر الغذائية، إذ يمكن لكل منها أن يؤثر في وظائف الدماغ وقدرته على الانتباه والتركيز.
شهدنا تطورات في استخدام التقنيات لدعم التركيز وتنظيم الوظائف الإدراكية. ما أبرز هذه التقنيات، وما دورها؟
تعتبر تقنية الارتجاع العصبي (Neurofeedback) من أكثر التقنيات الواعدة، إذ تهدف هذه التقنية لمساعدة الأفراد على تحسين الانتباه وتنظيم الذات من خلال تدريب نشاط الدماغ. كما قد تسهم أدوات أخرى، مثل برامج التدريب الإدراكي والعلاجات الرقمية، في تقديم دعم إضافي لبعض الحالات. ومع ذلك، تحقق هذه التقنيات أفضل النتائج عندما تكون جزءاً من خطة علاجية مخصصة، وليست حلاً مستقلاً بحد ذاتها.
هل توجد علاقة بين التغذية ونمط الحياة والصحة الإدراكية؟
بالتأكيد يوجد علاقة مهمة، إذ تؤدي التغذية ونمط الحياة دوراً مهماً في صحة الدماغ ووظائفه الإدراكية. فاتباع نظام غذائي متوازن، والحصول على قسط كافٍ من النوم، وممارسة النشاط البدني بانتظام، وإدارة التوتر، والحفاظ على توازن صحي للوسط الحيوي أو ما يعرف بميكروبيوم الأمعاء، جميعها عوامل تؤثر في الانتباه والذاكرة والمزاج والأداء الإدراكي بشكل عام. ورغم أن هذه العوامل قد لا تكون السبب الوحيد لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، فإنها قد تؤثر بدرجة كبيرة في طريقة عمل الدماغ.
ما العلاقة بين التغذية واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه؟
تشير الدراسات إلى أن التغذية توفر العناصر الأساسية التي يحتاج إليها الدماغ لأداء وظائفه بكفاءة. فالأحماض الأمينية الموجودة في البروتينات تسهم في إنتاج النواقل العصبية، مثل الدوبامين، بينما تؤدي الفيتامينات والمعادن، مثل الحديد والزنك والمغنيسيوم وفيتامينات B، دور أساسي في هذه العملية. كما أن سوء التغذية، وتقلبات مستويات السكر في الدم، واضطرابات صحة الأمعاء، قد تؤثر جميعها في وظائف الدماغ، وقد تسهم في زيادة صعوبات الانتباه والتركيز والسلوك لدى بعض الأشخاص.

هل توجد أنظمة غذائية قد تساعد على تحسين التركيز أو التخفيف من بعض الأعراض؟ وما العادات اليومية التي قد تؤثر بشكل سلبي على الانتباه، مثل قلة النوم أو الإفراط في استخدام الشاشات؟
قد يسهم اتباع نظام غذائي متوازن يعتمد على الأطعمة الكاملة، ويتميز بخصائص مضادة للالتهابات، وغني بالبروتينات، والدهون الصحية، والألياف، والخضراوات المتنوعة، في دعم وظائف الدماغ وتحسين التركيز. ولا تقل أهمية عن ذلك العادات اليومية الصحية، إذ يمكن أن تؤثر قلة النوم، والتوتر المزمن، والإفراط في استخدام الشاشات سلباً في الانتباه، كما قد تؤدي إلى اضطراب إشارات الدوبامين في الدماغ. لذلك، فإن الحد من وقت استخدام الشاشات والحرص على الحصول على قسطٍ كافٍ من النوم قد يحدثان فرقاً ملحوظاً.
هل يمكن السيطرة على أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه وتحسينها من خلال التدخل المبكر؟
نعم، في كثير من الحالات. قد يسهم التدخل المبكر، من خلال اتباع نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية، واعتماد نمط حياة صحي، والحصول على نوم كافٍ، وممارسة النشاط البدني بانتظام، ودعم صحة الأمعاء، في تحسين وظائف الدماغ والتخفيف من حدة الأعراض. وكلما بدأ التدخل في وقت مبكر، ازدادت فرص دعم النمو السليم وتعزيز الصحة على المدى الطويل.
ما خيارات العلاج المتاحة حالياً؟ وكيف يجري اختيار الخطة العلاجية المناسبة لكل حالة؟
يجب أن يتم تصميم الخطة العلاجية بحيث تتناسب مع احتياجات كل شخص على حدة. وبحسب الحالة، قد يشمل العلاج نهج الطب الوظيفي، الذي يركز على تحديد العوامل الكامنة ومعالجتها، مثل التغذية، وصحة الأمعاء، وجودة النوم، والالتهابات، وتشتت العناصر الغذائية. ويهدف هذا النهج إلى وضع خطة علاجية مخصصة تساعد في السيطرة على الأعراض، مع دعم صحة الدماغ ووظائفه بشكل عام.
كيف يؤثر اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه في الدراسة والعمل والعلاقات الاجتماعية إذا لم يتم تشخصيه أو معالجته؟
إذا لم يتم تشخيص اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ولم يحصل المصاب على الدعم المناسب، فقد يؤثر في جوانب عديدة من حياته، بما في ذلك الدراسة، والعمل، والثقة بالنفس، والعلاقات الاجتماعية. وقد يواجه صعوبة في الحفاظ على التركيز، وتنظيم المهام، وإدارة الوقت، والسيطرة على الاندفاع، وهو ما قد يؤدي إلى تراكم التحديات والشعور بالإحباط مع مرور الوقت. ومع التشخيص الصحيح والدعم المناسب، يستطيع كثير من المصابين اكتساب استراتيجيات تساعدهم على النجاح والاستفادة من نقاط قوتهم.

هل يمكن أن يتزامن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه مع اضطرابات أخرى، مثل القلق أو الاكتئاب أو صعوبات التعلم؟
نعم، قد يتزامن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه مع حالات أخرى، مثل القلق، والاكتئاب، وصعوبات التعلم، واضطرابات تنظيم المشاعر. كما أن بعض أعراض هذه الحالات قد تتشابه مع أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، مما يجعل إجراء تقييم متخصص وشامل أمراً بالغ الأهمية. ويساعد الوصول إلى تشخيص دقيق للحالة على اختيار التدخل المناسب ووضع خطة علاجية مخصصة تلبي احتياجات كل شخص.
هل يؤدي عدم تشخيص اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أو عدم علاجه إلى مضاعفات على المدى الطويل؟
قد يؤدي عدم تشخيص اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أو عدم حصول المصاب على الدعم المناسب إلى تحديات تمتد مع مرور الوقت، مثل صعوبات في الدراسة، والعمل، والعلاقات الاجتماعية، والصحة النفسية، والثقة بالنفس. ومع ذلك، فإن هذا الاضطراب لا يحدد مستقبل الشخص. إن الدعم المناسب، واعتماد نمط حياة صحي، وخطة رعاية مخصصة، يتيح للكثير من المصابين تعلم كيفية إدارة أعراضهم وتحقيق النجاح في مختلف جوانب حياتهم.
ما السؤال الأكثر شيوعاً الذي يطرحه الآباء في العيادات فيما يتعلق باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه؟
من أكثر الأسئلة التي يطرحها الآباء هو هل سيبقى طفلي يعاني من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه طوال حياته، وما الذي يمكنني فعله لمساعدته؟ ويبحث معظمهم عن الطمأنينة بأن هذا الاضطراب لا يحدد مستقبل أطفالهم. ومع التدخل المبكر، والدعم المناسب، والفهم الجيد للحالة، واتباع نهج مخصص يراعي نمط الحياة، والتغذية، والتعلم، والصحة النفسية، يستطيع كثير من الأطفال اكتساب المهارات والاستراتيجيات التي تساعدهم على النجاح وتحقيق إمكاناتهم.
ختامًا، ولكل أم، قد تبدو رحلة التعامل مع طفل فرط الحركة وتشتت الانتباه مليئة بالتحديات، لكنها ليست مستحيلة. فبقليل من الصبر، وكثير من الفهم، واتباع الإرشادات الصحيحة التي يقدمها الخبراء المختصون، يمكنكِ أن تكوني أكبر مصدر دعم لطفلك المصاب باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، بما يعزز ثقته بنفسه، ويساعده على اكتشاف نقاط قوته، وتنمية قدراته، والتقدم خطوة بعد أخرى.