توفير الفصل الدراسي الآمن حسيًا  يعمل على تعزيز أمان الأطفال

الفصل الدراسي الآمن حسيًا.. لماذا يحتاج الطفل إلى الأمان قبل التعلم؟

مع العودة إلى المدارس بعد فترات من التحولات الكبيرة في أنماط التعليم، يبرز من جديد الاهتمام بالبيئة التعليمية داخل الفصول الدراسية، ليس فقط من ناحية المناهج أو طرق التدريس، بل أيضًا من حيث تأثير هذه البيئة على راحة الأطفال النفسية والحسية.

فلم يعد التعلم اليوم يعتمد على المعلومات فقط، بل أصبح مرتبطًا بمدى قدرة الطفل على الشعور بالأمان والهدوء داخل الصف، وهو ما فتح المجال أمام مفاهيم تعليمية حديثة تهدف إلى جعل المدرسة مساحة أكثر احتواءً وتفهمًا لاختلافات الطلاب.

ومن هنا ظهر مفهوم "الفصل الدراسي الآمن حسيًا" كأحد أهم الاتجاهات التربوية الحديثة التي تراعي اختلاف طريقة استقبال الأطفال للمثيرات من حولهم، وتساعدهم على التعلم في بيئة أكثر توازنًا وهدوءًا.

لتوضيح الأمر أكثر، تقدم لكم "هي" إجابات كافية ووافية لكل ما يتعلق بـ " "الفصل الدراسي الآمن حسيًا" من شراف شانكار - أخصائي نفسي مرخص من CDA

شراف شانكار - أخصائي نفسي مرخص من CDA
شراف شانكار - أخصائي نفسي مرخص من CDA

ما المقصود بمصطلح "الفصل الدراسي الآمن حسيًا"، ولماذا أصبح مهمًا في المدارس الحديثة؟

بالنسبة للأطفال ذوي التنوع العصبي، قد تُثير بعض التجارب الحسية - كالأضواء الفلورية الساطعة والأصوات الحادة - مشاعر الإرهاق أو القلق أو الانزعاج. وقد تُشير هذه التجارب إلى اختلاف في معالجة المعلومات الحسية. تراعي الفصول الدراسية الآمنة حسيًا هذه الاختلافات، وتسعى إلى توفير بيئة دراسية أكثر ترحيبًا. لا يزال التعليم الحديث مُرهقًا ومُجهدًا بما فيه الكفاية للأطفال؛ لذا فإن إضافة معاناة هذه الاختلافات الحسية قد تُصعّب عليهم التركيز والتعلم والفضول والاهتمام بالتعلم.

من هم الأطفال ذوو التنوع العصبي، وما هي أبرز التحديات الحسية التي يواجهونها في الفصل الدراسي؟

يفهم الطفل ذو التنوع العصبي العالم ويتعلمه ويتفاعل معه بطريقة تختلف عما يُعتبر "نمطيًا". قد يتخذ التنوع العصبي أشكالًا مثل التوحد، واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD)، وصعوبات التعلم كعسر القراءة، بالإضافة إلى حالات نمائية أخرى. ولأن التنوع العصبي يتعلق بالدماغ، فقد يعني ذلك أن الجزء المسؤول عن تنسيق كيفية إدراكنا لما نراه ونشعر به ونتذوقه ونلمسه ونشمه قد يُفرط أو يُقصر في رد فعله تجاه ما يختبره. في الفصل الدراسي، قد يعني هذا الشعور بالألم عند الجلوس تحت أضواء ساطعة جدًا، أو الشعور بالخدر في مجموعات كبيرة أو غرف مزدحمة، أو الشعور بالأرق أو عدم القدرة على التركيز في الحصص الدراسية الطويلة.

قد يكون تدفق الأصوات وكثرة الأحداث المحيطة بهم أمرًا يصعب عليهم استيعابه بوتيرة مريحة، مما قد يؤدي إلى استجابة توتر داخلية. وهذا بدوره قد يُصعّب عليهم التركيز على أي شيء آخر يحدث في الصف، وفي أسوأ الأحوال، قد يؤدي إلى انهيار عصبي أو انطواء.

الأمان قبل التعلم وذلك يتحقق من توفير الفصل الدراسي الآمن حسيًا

ما هي العلامات الرئيسية التي تدل على معاناة الطفل من فرط الحساسية الحسية في البيئة المدرسية؟

من أبرز علامات فرط الحساسية الحسية لدى الأطفال داخل الصف: تجنب مواقف معينة، والتردد في تجربة أنشطة جديدة، والشعور بالقلق أو الفزع بسهولة، وعدم القدرة على التركيز. عمليًا، قد يتجلى ذلك في تجنب الطفل تناول الغداء في الكافتيريا الصاخبة واختياره تناول الطعام في مكان أكثر هدوءًا، أو تردده أو قلقه من اللعب في الملعب لشعوره بعدم الثبات على الألعاب، أو فزعه الشديد من اللمس المفاجئ أو الحركة من حوله.

كيف يُمكن للمعلم الحدّ من الضوضاء والفوضى في الصف بطريقة عملية؟

تشمل بعض الطرق العملية لإدارة الضوضاء والفوضى ما يلي: التوعية بالحساسية الحسية داخل الصف، مع وضع توقعات بشأن مستويات صوت مريحة ومحترمة؛ تركيب ألواح عازلة للصوت في الأماكن التي قد تُصدر فيها أصواتًا عالية؛ توفير أجهزة توليد الضوضاء البيضاء؛ وتحديد وتنظيم المساحات في الصف لتقليل الفوضى البصرية مع تقديم تعليمات واضحة حول كيفية الحفاظ على هذا التنظيم.

ما الأدوات أو الأساليب التي يُمكن استخدامها لجعل الصف أكثر أمانًا حسيًا للأطفال؟

يُمكن لبعض التغييرات البسيطة أن تُساعد في جعل الصفوف الدراسية أكثر أمانًا حسيًا. قد تشمل هذه التغييرات زيادة الإضاءة الطبيعية داخل الصفوف الدراسية، واختيار إضاءة أكثر نعومة ودفئًا بدلًا من الإضاءة الفلورية القوية. يُمكن توفير تسهيلات تسمح باستخدام سدادات الأذن أو سماعات الرأس حسب حاجة الطلاب للتخفيف من حساسيتهم للأصوات. يُمكن تطبيق فترات راحة حسية للسماح للطلاب بالحركة والتمدد لفترات قصيرة خلال اليوم. قد يكون من المفيد أيضًا توفير وسائل تخفيف التوتر أو ألعاب التململ بشكل حرّ ليستخدمها الطلاب عند الحاجة. كما أن اتباع روتين يومي منتظم يُساعد بعض الأطفال على الشعور بمزيد من التركيز والهدوء والاتزان من خلال تقليل حالة عدم اليقين. وإذا أمكن، فإن توفير أماكن أو غرف هادئة يُساعد على توفير بيئة هادئة بين الحصص.

يجب ملاحظة العلامات التي تدل على معاناة الطفل من فرط الحساسية الحسية في البيئة المدرسية

كيف يُمكن دعم الطفل الذي يُعاني من نوبة غضب عاطفية أو حسية في الفصل؟

تحدث نوبات الغضب عندما يُصبح الطفل مُرهقًا عاطفيًا أو غير قادر على تجنّب أو تقليل التحفيز الحسي الزائد، لدرجة قد تُؤدي إلى انهياره أو بكائه أو صراخه للتعبير عن الضيق الذي يُعانيه. قد تكون هذه فترة حساسة ومُخيفة ومُزعجة للغاية للطفل الذي يُعاني من نوبة غضب، لأنها خارجة عن سيطرته. لا ينبغي مُعاقبة الطفل على نوبات الغضب أبدًا، بل يجب منحه الخصوصية والمساحة، ويفضل أن يكون ذلك بعيدًا عن البيئة التي أثارت نوبة الغضب. إذا لم يتوفر مكان كهذا على الفور، فإن تخفيف الإضاءة، وإزالة سبب التوتر الحسي، وتوفير ركن هادئ وبعض الوسائل الحسية المساعدة، كلها أمورٌ مفيدة. كما يُعدّ التواصل مع أقران الطفل جانبًا مهمًا من الدعم، إذ يُساعدهم على فهم نوبات الغضب، وتقديم الدعم له عندما يشعر بالاستعداد للعودة إلى الصف.

ما هو دور المدرسة في تصميم بيئة تعليمية تراعي الاختلافات الحسية بين الأطفال؟

تتفاوت حالات التنوع العصبي، وتؤثر على الأطفال بدرجات متفاوتة، ما يعني أنه لا يوجد طفلان لديهما نفس الاختلافات الحسية تمامًا. ونظرًا لأن هذه الاختلافات قد تؤثر على قدرة الطفل على التفاعل مع التعلم واللعب والتواصل الاجتماعي والنمو، فإن للمدارس دورًا داعمًا حيويًا. إن مراعاة الاختلافات الحسية عند تخطيط أماكن التعلم، والفعاليات المدرسية، وتدريبات الإخلاء أو الطوارئ، والرحلات الميدانية، والمساحات المشتركة، يُحسّن البيئة التعليمية. إضافةً إلى ذلك، يُمكن لدعم تعلم الكادر التعليمي، وتنظيم ورش عمل أو مجموعات تعليمية مع أخصائيي العلاج الوظيفي وأخصائيي علاج الأطفال، أن يُسهم في زيادة الوعي والمعرفة العملية داخل المدارس.

كيف يمكن للوالدين التعاون مع المعلمين لدعم الطفل ذي الحساسية الحسية؟

يُعد التعاون بين الوالدين والمعلمين داعمًا جدًا للأطفال، إذ يُساعد على فهم احتياجاتهم الحسية المتغيرة بين المنزل والمدرسة. كما يُساعد تحديد الحساسية المحتملة ومناقشة أفضل السبل للتعامل معها المعلمين على تخطيط التسهيلات اللازمة في المدرسة. ويمكن للوالدين أيضًا إطلاع المعلمين على الاستراتيجيات التي قد تُساعد طفلهم على أفضل وجه أثناء نوبات الغضب، أو كيفية التعامل مع الشعور بالإرهاق لتجنب هذه النوبات. وبالمثل، يُمكن للمعلمين إبلاغ الوالدين بالأيام الصعبة التي يمر بها الطفل أو ملاحظاتهم حول احتياجاته للدعم الحسي، حتى يستمر الطفل في تلقي الدعم في المنزل. فالعمل المشترك يُؤدي إلى نتائج إيجابية للطفل ذي الحساسية الحسية.

توفير الفصل الدراسي الآمن حسيًا  يعمل على تعزيز أمان الأطفال

ختامًا، إن بناء فصل دراسي آمن حسيًا لم يعد خيارًا إضافيًا، بل أصبح ضرورة تربوية تعكس فهمًا أعمق لاحتياجات الأطفال المختلفة. فكلما كانت البيئة التعليمية أكثر مرونة واحتواءً، زادت قدرة الأطفال على التعلم والنمو بثقة وراحة.

كاتبة محتوى متخصصة في الصحة ومواضيع الأم والطفل والعلاقات.