شعور الذنب كأم عاملة لا يعني أنكِ مقصرة حقًا

شعور الذنب يلاحقكِ كأم عاملة؟..إليكِ الدليل العملي للتصالح مع ذاتك

ريهام كامل

كأي أم عاملة، قد تشعرين بالذنب تجاه أطفالك في بعض المواقف الحياتية التي تتطلب حضورك بشكل دائم معهم، خصوصًا أثناء المرض. هذا الشعور بالذنب يعصف بمشاعرك، ويربك أهدافك التي تسعين إلى تحقيقها ليس من أجل ذاتك فقط، ولكن من أجل أطفالك أيضًا. فبين مسؤوليات الوظيفة ومتطلباتها وبين احتياجات أطفالك تبدأ حيرتك، وتبدأين في طرح أسئلة عديدة مثل: هل قصرت في حق أطفالي؟ هل اختياري للعمل كان على حساب أمومتي؟ هذه الأسئلة المتكررة قد تستنزف طاقتك النفسية وتُضعف ثقتك بنفسك، رغم أنكِ تبذلين أقصى ما لديكِ.

لا داعي لتأنيب نفسك أو جلد ذاتك، ساخبركِ، كيف تتخطين شعور الذنب كأم عاملة ليكون دليلًا شاملًا لكِ في رحلة التخلص من الشعور بالذنب وجلد الذات مع توصيات فعالة لـ "أميرة داوود" كتورة علاج شعوري وعلاج بالطاقة الحيوية، دكتوراه صحة نفسية جامعة سيلينس إنجلترا.

شعور الذنب كأم عاملة ليس قدرًا محتومًا عليكِ
شعور الذنب كأم عاملة ليس قدرًا محتومًا عليكِ

ما هو شعور الذنب الذي تشعر به الأم العاملة؟

تقول د. أميرة داوود: "إن شعور الذنب هو حالة نفسية تنشأ عندما تعتقد الأم أنها لا تقوم بدورها كما يجب بسبب انشغالها بالعمل، أو عدم قدرتها على التواجد الدائم مع أطفالها. قد يظهر هذا الشعور في صورة تأنيب ضمير، أو قلق مستمر، أو إحساس بعدم الرضا مهما بذلت من جهد. كل هذه المشاعر السلبية تؤدي بالأم إلى الإصابة باضطرابات نفسية، وقد يصل بها الأمر إلى ما يُعرف بالاحتراق النفسي عند الاستسلام لشعور الذنب".

كما أن شعور الذنب كأم عاملة تجاه أطفالها قد ينشأ بسبب انعدام القدرة على تحقيق التوازن بين العمل والأسرة. هذا الشعور قد يكون بمثابة عقاب من الأم لنفسها للهروب من تأنيب الضمير.

ما هي أسباب شعور الذنب الذي يتملك الأم العاملة؟

تؤكد د. أميرة أن شعور الذنب الذي يتملك الأم العاملة له أسباب عديدة وقاسية تدفعها لهذا الشعور دفعًا قويًا، أبرزها ما يلي:

  • الصورة المثالية للأم في المجتمع

تتعرض الأمهات العاملات لهجمات شرسة من المحيطين بهن، على الرغم من جهدهن المبذول في تلبية احتياجات أطفالهن، والسبب في ذلك الصورة المثالية التي رسمها المجتمع حول الأم المثالية التي تكرّس كل وقتها وطاقتها لمنزلها وأسرتها. هذه الصورة غير الواقعية تضع الأم العاملة تحت ضغط دائم، وتجعلها تشعر بأنها أقل من الأم غير العاملة، التي يجد من يحكم لصالحها دون موضوعية، بغض النظر عن النتائج أو ما يحدث فعليًا.

  • المقارنة غير العادلة

توجد مقارنات غير عادلة تضع الأم غير العاملة في درجة أعلى من العاملة دون وجه حق، ويزداد الترويج لهذه المقارنات من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. النتيجة هي تضليل الحقائق، وظلم بيّن للأم العاملة التي قد تكون أكثر جهدًا وحرصًا على أطفالها من أم تجلس أمام الشاشات وقتًا طويلًا.

  • تعدد الأدوار والإرهاق

العمل خارج المنزل لا يُلغي مسؤوليات الأم داخل البيت، بل يضيف عبئًا جديدًا عليها. هذا الأمر ينطبق على جميع الأمهات العاملات اللواتي يواجهن أعباءهن وحدهن بلا داعم، ما يؤدي إلى شعورهن بالإرهاق النفسي والجسدي، الذي يظهر لاحقًا في صورة الشعور بالذنب وعدم الكفاية، بحسب د. أميرة.

  • الخوف على الأطفال من الغياب

قد تشعر الأم العاملة بالذنب وتقوم بجلد ذاتها بسبب أفكار سلبية عديدة تراودها تجاه سلامة أطفالها أثناء تواجدها في العمل. لذا يُعد الخوف على الأطفال والقلق بشأن سلامتهم أحد أهم الأسباب التي تؤدي إلى شعورها بالذنب. ولا يتوقف الأمر على ذلك فقط، بل يمتد ليشمل قلق الأم على نفسية أطفالها وعدم تواجدها لفترة ليست قليلة خارج المنزل.

اعرفي كيف تتخطين شعور الذنب كأم عاملة
اعرفي كيف تتخطين شعور الذنب كأم عاملة 

هل شعور الذنب دليل على التقصير فعلًا؟

الحقيقة التي يجب التوقف عندها هي أن شعور الذنب الذي يتملك الأم العاملة لا يعني بالضرورة أنها مقصّرة تجاه أطفالها، إذ ليس هذا هو الحال في كثير من الحالات، فقد يكون شعور الذنب انعكاسًا لحرص الأم الشديد على أطفالها. الأم غير المُبالية هي من لا تسأل نفسها ولا تراجعها في أي أمر سلبي يتعرض له أطفالها بحجة تفرغها الكامل لهم.

ما يتعين عليكِ فعله كأم عاملة هو التمييز بين الذنب الصحي الذي يزيد من تركيزك وسعيك نحو تحقيق التوازن بين العمل والأسرة، وعدم السماح للذنب غير الصحي باستهلاك طاقتك وتهديد سلامتك النفسية والجسدية.

والخبر الجيد أن شعور الذنب ليس قدرًا محتومًا على الأم العاملة، بل هو إحساس يمكن فهمه والتعامل معه بوعي، بل وتحويله إلى دافع صحي يعزز توازنك النفسي ويقوي علاقتك بأطفالك.

لعلكِ تتساءلين الآن: كيف أتخطى شعور الذنب تجاه أطفالي؟

إليكِ توصيات د. أميرة داوود حول كيف تتخطّين شعور الذنب كأم عاملة:

  • حدثي معلوماتك عن الأم الجيدة

الأم الجيدة ليست تلك التي تقضي كل وقتها مع أطفالها، بل التي تُقدّم لهم حبًا حقيقيًا وأمانًا عاطفيًا، وتحاول جاهدة تحقيق التوازن بين عملها وأطفالها. كما يجب أن تنظر الأم العاملة إلى الإيجابيات، حيث إن غياب الأم بعض الوقت مفيد جدًا في تعليم الأطفال الاستقلالية وتحقيق الذات.

  • ركزي على الجودة فقط

صحيح أنه قد لا يكون لديكِ وقت طويل مع أطفالكِ، لكن يمكنكِ جعل الوقت المتاح وقتًا قيّمًا ومفيدًا، وذلك من خلال خلق لحظات بسيطة ممتعة، واللعب، والحديث الصادق، والإصغاء الجيد لهم. هذه الأمور تترك آثارًا نفسية إيجابية أعمق.

  • لا للمقارنات

توقفي عن مقارنة نفسكِ بالآخرين، وركّزي على ما يلائم ظروفك ويناسب أطفالكِ. المقارنة تُغذّي شعور الذنب كأم عاملة، لذا حاربيها بترك المقارنة والتركيز على عملك وأسرتك.

  • لا تترددي في طلب الدعم أبدًا

تحدّثي مع شريك حياتك أو صديقتك المقربة عن شعور الذنب الذي يتملكك كأم عاملة، فذلك يساعد على تفريغ الضغط النفسي ورؤية الأمور بوضوح أكبر. تذكّري دائمًا أن كتمان المشاعر وعدم البوح بما يضيق به صدركِ يُضاعف حدتها ويعرّضك للاحتراق النفسي.

  • حدثي أطفالك عن طبيعة عملك

فهم أطفالك لطبيعة عملك خطوة جيدة في تخطي شعور الذنب الذي يتملكك، شريطة أن يكونوا على دراية وفهم بما تقولين. قد يكون ذلك مناسبًا للأعمار الأكبر، وليس للأطفال الصغار الذين ما زالوا بحاجة إلى صبر ونمو لفهم كثير من الحقائق.

وبطريقة أخرى، لا تجعلي غيابك عن عالمهم لبعض الوقت أمرًا غامضًا، لذا من الأفضل أن يكونوا على علم بسبب تأخرك في العمل.

  • تحرري من وهم الكمال

لا توجد أم مثالية، نحن كأمهات نخطئ ونتعلم. يجب أن تعلمي أن تقبلكِ لأخطائكِ جزء من أمومتك، وهو أمر ضروري لتخطي شعور الذنب.

تخطي شعور الذنب كأم عاملة واسعدي بأمومتك مع أطفالكِ
تخطي شعور الذنب كأم عاملة واسعدي بأمومتك مع أطفالكِ

صحتك النفسية جزء من أمومتك

العناية بنفسكِ ليست رفاهية بل ضرورة. فالأم صاحبة النفسية الجيدة قادرة على العطاء، لذا اهتمي بصحتك وذاتك واجعليها أولوية، واعلمي أن ذلك ليس أنانية.

وختامًا، شعور الذنب كأم عاملة تجربة شائعة تعيشها الأمهات العاملات، ومع ذلك فإن هذا لا يعني أنهن مقصّرات، بل إن كثيرًا من الدراسات التربوية تؤكد أن الأطفال الذين ينشأون مع أم واعية ومتوازنة نفسيًا، حتى وإن كانت عاملة، يتمتعون بمرونة نفسية أعلى وشعور أكبر بالأمان. لذا، على كل أم عاملة إعادة النظر في التوقعات، واتخاذ خطوات عملية واقعية تمكّنها من تخفيف هذا العبء النفسي والعيش بتوازن أكبر.

تذكري دائمًا: أمومتكِ لا تُقاس بعدد الساعات المنقضية مع أطفالك، بل بكِبر الحب في قلبك، والدفء في احتضانك لهم، والإصغاء إليهم، ومنحهم الوقت الكافي للتعبير عمّا بداخلهم بحرية.

استمري، أمومتكِ غالية وجميلة، لا تستمعي لمن يحاول تشويهها أو التقليل من دورك. أنتِ أعظم أم، فقط تعلمي كيف تتخطين شعور الذنب كأم عاملة.

 

مع تمنياتي لكِ ولكل أم عاملة بكل الأمنيات الطيبة على المستوى الشخصي والعملي.