الفنانة تغريد البقشي لـ"هي": معرض "اللومية" يعيد قراءة رمز من ذاكرة الأحساء بمشاركة 11 فنان
يحضر اللومي في الأحساء كأحد ملامح أرضها ومواسمها، وكمذاق ارتبط بذاكرة أهلها وتفاصيل حياتهم اليومية. ومن هذا الارتباط ينطلق المعرض الفني "اللومية"، ليأخذ ثمرة يعرفها المكان جيدًا ويعيد تقديمها من خلال الفن.
ففي مساحة تغريد للفنون، التي أنشأتها الفنانة تغريد البقشي، يجتمع أحد عشر فنانًا وفنانة حول اللومي الحساوي، كلٌّ برؤيته وممارسته الخاصة، في أعمال جديدة أُنتجت خصيصًا للمعرض وتتنقل بين الذاكرة والهوية والطبيعة والحكاية المحلية.
برعاية الأستاذ محمد المطرودي، مدير هيئة التراث بالأحساء يفتتح "اللومية" في 20 أغسطس 2026 ويستمر حتى 5 سبتمبر، ويأتي بالتزامن مع معرض اللومي الحساوي 2026، في توقيت اختارته الفنانة تغريد البقشي ليكون المعرض جزءًا من الحركة التي تشهدها المنطقة خلال هذه الفترة.

أول معرض جماعي في مساحة تغريد للفنون
يمثل معرض "اللومية" أول معرض جماعي تستضيفه مساحة تغريد للفنون. وعن هذه التجربة تقول البقشي لـ"هي": "هذا المعرض الأول الذي يجمع فنانين وشخصيات بتجارب وخلفيات مختلفة ضمن مساحة واحدة".
ويأتي المعرض مع إعادة تفعيل المساحة وتوسيع دورها بعد أن كانت مخصصة لأعمال البقشي الشخصية، إذ توضح: "كانت المساحة في البداية مخصصة لمعرضي الشخصي، واليوم نعيد تفعيلها لتكون مساحة تعرض تجارب فنانين وفنانات نرى أن أعمالهم مميزة وتستحق أن يطلع عليها الجمهور ويتفاعل معها".
كما انعكس موسم اللومي في الأحساء على طبيعة الأعمال المقدمة في المعرض، وتقول البقشي: "يتزامن المعرض مع موسم اللومي الذي تشتهر به منطقة الأحساء، لذلك قدم الفنانون أعمالًا جديدة أُنتجت خصيصًا لمعرض "اللومية".
أحد عشر فنانًا.. ورمز واحد
يجمع معرض "اللومية" أعمال أحد عشر فنانًا وفنانة من تجارب وخلفيات مختلفة، إلى جانب الفنان الرائد عبدالحميد البقشي ضيف شرف المعرض. ورغم انطلاق الأعمال من اللومي الحساوي كموضوع مشترك، يقدم كل فنان قراءته الخاصة من خلال علاقته بالمكان والذاكرة والطبيعة والتراث المحلي. وتقول تغريد البقشي لـ"هي": "قدم الفنانون أعمالًا جديدة أُنتجت خصيصًا لمعرض "اللومية"، وكل عمل في المعرض يحمل قصة خاصة به".

ويشارك الفنان الرائد عبدالحميد البقشي، ضيف شرف المعرض، بعمله "الأحساء" أما الفنانة تغريد البقشي، فتقدم تجربتين مختلفتين في المعرض. في "الحوتة التي أكلت اللومية" تستعيد الحكاية الشعبية القديمة عن الحوت الذي يبتلع القمر، وتستبدل القمر باللومي، لتصبح الثمرة امتدادًا للقمر والضوء، في عمل يجمع الحكاية الشعبية بالذاكرة المحلية وواحة الأحساء.
وتخوض البقشي تجربة مختلفة عن ممارستها المعتادة من خلال "ذاكرة اللومي"، وهو عمل تفاعلي يستلهم ثمار اللومي بوصفها حاملة للذاكرة والحنين. فعند تحريك العمل تصدر الثمار والأوراق أصواتًا متناغمة، ويشارك الزوار بكتابة ذكرى أو كلمة مرتبطة باللومي وتعليقها عليه، لتتراكم المشاركات خلال أيام المعرض وتشكل ذاكرة جماعية.
وتكتسب هذه التجربة خصوصيتها في مسيرة البقشي كونها معروفة بأعمالها ولوحاتها التشكيلية، فيما تخرج هنا من إطار اللوحة لتقدم عملًا يعتمد على تفاعل الجمهور ومشاركته. وهو العمل الذي تشير إليه لـ"هي" بقولها أنه "يضيف بعدًا مختلفًا للتجربة".
ومن خلال عمل "لومي حساوي"، يجمع الفنان أحمد العبد رب النبي بين ثمرة اللومي وعدد من الرموز المحلية، من بينها الكرمك الحساوي المصاغ بخيوط ذهبية والبلبل الحساوي، رابطًا الثمرة ببيئتها ومكانتها بوصفها جزءًا من هوية الأحساء.
كما تعود الفنانة إيمان اللويمي في عملها "من أرضنا" إلى الطفولة وذاكرة الواحة، من خلال طفل يمد يده بثمرة من اللومي الحساوي. وتظهر الثمرة في العمل كرمز للهوية والعطاء، وإرث يرتبط بأرض الأحساء وينتقل بين أجيالها.
أما الفنان جميل البطيان يستحضر في "شاي لومي" عددًا من العناصر المرتبطة بالتراث المحلي، فيضع اللومي إلى جانب السلال والخوص والقهوة العربية والنقوش التقليدية. ومن خلال هذه العناصر، يجمع العمل بين الهوية الزراعية والثقافية للأحساء وما يرتبط بالأرض والإنسان من ذاكرة ووفرة.
وتقدم الفنانة مريم الجمعة عملين بعنوان "حب لومية حساوية"، منفذين بتقنيات المكس ميديا والكولاج والتطريز والأقمشة والألوان. وتنطلق الأعمال من حكاية رمزية عن "لومية ولومي" أنجبا أجيالًا من اللوميات الحساويات، وتمر عبر الحلو والمر والحامض في الحياة، وصولًا إلى إرث ينتقل بين الأجيال ويعاد تقديمه من خلال الفن.
في العمل "هي في عيني"، يدمج د. سعيد الوايل رمزية المرأة واللومي ضمن تكوين تجريدي تتحرك فيه الخطوط والألوان والعناصر النباتية. ويستحضر العمل معاني الخصوبة واستمرارية الإرث الثقافي، ويقدم اللومي كأحد الرموز المرتبطة بهوية الأحساء.
ومن الطبيعة تنطلق الفنانة سلمى الشيخ في "ظل الليمون"، حيث تحتفي بشجرة اللومي ووفرة ثمارها من خلال درجات الأخضر والإضاءة الخلفية، في معالجة تركز على الشجرة والطبيعة والهوية الزراعية للمكان.

كما يقدم د. عبدالعزيز الدقيل في عمله "اللومي الحساوي" الثمرة كأيقونة بصرية مرتبطة بالهوية الثقافية والتراث الزراعي للأحساء. وتتداخل في العمل زخارف مستوحاة من الفن الإسلامي مع ألوان الأرض والأخضر والذهبي، رابطًا بين الذاكرة والانتماء وبين القيمة الحضارية والاقتصادية للومي في المنطقة.
وفي "من طينة واحدة"، تنظر الفنانة مريم بومخسين إلى شجرة اللومي كنظام حي يجمع الطبيعة والثقافة والإنسان. وتتشابك الأغصان مع الزخارف الإسلامية والجسد ومسارات الماء والتفاصيل المعمارية، لتظهر كأجزاء من بنية واحدة ترتبط بالوحدة والنمو والخصوبة في واحة الأحساء.
أما الفنان محمد الفرج فا يتعامل مع اللومي من زاوية مادية مختلفة في عملين صغيرين يحملان عنوان "شبح الفلاح"؛ نُفذ أحدهما بفحم توت الليمون، فيما نُفذ الآخر باستخدام ليمون مشمس. ويظهر ارتباط اللومي هنا من خلال المادة المستخدمة نفسها وأثرها، بما يعيد العمل إلى البيئة الزراعية التي ينطلق منها موضوع المعرض.
يختتم الفنان سامي الحسبن القراءات بعمل "شبكة الذكريات"، محولاً الأغصان المتشابكة إلى شبكة من الذكريات والجذور، وتظهر خلفها ثمار اللومي كأنها قناديل صغيرة. ويربط العمل اللومي بذاكرة الأحساء وكرم أرضها، إلى جانب معاني العمل والصبر والارتباط بالجذور.
من المألوف إلى احتمالات جديدة
تكمن فكرة "اللومية" في بساطة نقطة بدايتها: عنصر يحضر ضمن بيئة الأحساء الزراعية وثقافتهم المحلية. لكن وضعه داخل سياق فني، ومنحه لمجموعة من الفنانين كنقطة انطلاق، يفتح المجال أمام قراءات مختلفة لعنصر اعتاد الناس رؤيته في سياقه اليومي.
وينطلق المعرض من سؤال يطرحه نصه القيمي حول ما يحدث عندما يتوقف الرمز عن تمثيل ذاته ويبدأ في إنتاج معانٍ جديدة تتجاوز المألوف. حيث يشير إلى قدرة الفن على "إعادة تعريف ما نظنه مألوفًا، وإعادة النظر فيما اعتدنا رؤيته، وتحويل التفاصيل البسيطة إلى تجربة بصرية مدهشة، مفتوحة على احتمالات المعنى".
في الأعمال المشاركة تتقاطع الذاكرة مع المادة، والحس مع الشكل، والهوية مع الخيال. ويصف "اللومية" بأنها رمز "يتجذر في الذاكرة ويزهر في الخيال"، لتصبح نقطة البداية واحدة، بينما تختلف القراءات والنتائج بحسب تجربة كل فنان.
ويحافظ المعرض في الوقت نفسه على الصلة المباشرة بين موضوعه والأحساء، فاللومي هنا لا يظهر كعنصر بصري منفصل عن محيطه، وإنما بوصفه جزءًا من بيئة المنطقة وموسمها وذاكرتها المحلية، قبل أن تعيد الأعمال تقديمه داخل سياق فني معاصر.
ويجمع "اللومية" بذلك بين موسم محلي، وتجارب فنية مختلفة، وبداية جديدة لمساحة تغريد للفنون، في معرض ينطلق من عنصر شديد الارتباط بالأحساء ويعيد تقديمه من خلال ممارسات فنية معاصرة.