من قلب العُلا إلى بوابات اليونسكو.. معرض "أنا راوي" ينقل سحر العُلا وذاكرة أهلها إلى باريس

من قلب العُلا إلى بوابات اليونسكو.. معرض "أنا راوي" ينقل سحر العُلا وذاكرة أهلها إلى باريس

2 يوليو 2026

في قلب باريس، وعلى البوابات الخارجية الأيقونية لمقر منظمة اليونسكو، تحضر العُلا هذه المرة لا كوجهة أثرية فحسب، بل كحكاية إنسانية ترويها الوجوه والأصوات والذاكرة. فمن خلال معرض التصوير العام "«أنا راوي: مشاركة القصص من العُلا»"، تنفتح نافذة بصرية وثقافية على واحدة من أكثر الوجهات السعودية ثراءً بالتاريخ، حيث تمتد الحكايات من صخور الحجر وجبل عكمة ودادان إلى جمهور عالمي يمر يوميًا أمام مقر اليونسكو في العاصمة الفرنسية.

جولة إرشادية ضمن معرض «أنا راوي» في مقر اليونسكو بباريس، حيث تنقل الصور حكايات العُلا إلى جمهور عالمي.
جولة إرشادية ضمن معرض «أنا راوي» في مقر اليونسكو بباريس، حيث تنقل الصور حكايات العُلا إلى جمهور عالمي.

ويستمر المعرض حتى "31 أغسطس 2026"، مقدمًا تجربة مجانية ومفتوحة للجمهور، تسلط الضوء على التراث الثقافي للعُلا من خلال عدسة «الرواة»، وهم أبناء وبنات من المجتمع المحلي يتولون دورًا محوريًا في تعريف الزوار بتاريخ هذه الواحة القديمة، ليس بوصفهم مرشدين تقليديين فقط، بل كسفراء ثقافيين يفتحون أمام الزائر بابًا أعمق لفهم المكان والإنسان والذاكرة.

العُلا على أبواب اليونسكو

افتُتح معرض "أنا راوي: مشاركة القصص من العُلا" الأسبوع الماضي على البوابات الخارجية لمقر اليونسكو في باريس، في موقع يعبره مئات الآلاف من الزوار والمارة، ليصبح المعرض مساحة عامة للحوار البصري بين العُلا والعالم. ومنذ أسبوعه الأول، جذب المعرض اهتمام جمهور دولي ضم دبلوماسيين، ومهنيين في المجال الثقافي، وطلابًا، وممثلين عن اليونسكو، إلى جانب الزوار من مختلف الخلفيات.

سحر التاريخ الأصيل في أحضان ليل العلا الساحر
سحر التاريخ الأصيل في أحضان ليل العلا الساحر

ولم يكن افتتاح المعرض مجرد عرض فوتوغرافي، بل ترافق مع برنامج خاص بعنوان "Rawi in Residence" داخل مقر اليونسكو، حيث قاد الراويان "عادل" و"أمل" تسع جولات إرشادية في المعرض، شارك فيها ما يقارب 100 شخص من 14 جنسية على الأقل. ومن خلال هذه الجولات، لم تكن الصور وحدها هي التي تتحدث، بل تحولت كل صورة إلى مدخل لحكاية، وكل موقع أثري إلى مساحة للتأمل في تاريخ طويل من الهجرة، والاستقرار، والإيمان، والتبادل الثقافي.

الرواة.. حين يصبح أهل المكان سفراء لذاكرته

في تجربة العُلا الثقافية، يحتل «الرواة» مكانة خاصة. فكلمة «راوي» في العربية تشير إلى من يحمل الحكاية وينقلها، وفي سياق العُلا تعني أبناء وبنات من السعودية، معظمهم من العُلا، تلقوا تدريبًا مكثفًا ليصبحوا خبراء في السرد الثقافي والتاريخي. ومنذ انفتاح العُلا على السياحة عام 2020، رافق الرواة الزوار في أبرز المواقع التراثية والأثرية في المنطقة، ومنها "الحِجر"، و"دادان"، و"جبل عكمة"، و"البلدة القديمة في العُلا".

راوي من العُلا يشرح للحضور إحدى اللوحات في باريس، في مشهد يجسد دور الحكاية في مدّ جسور الحوار بين الثقافات.
راوي من العُلا يشرح للحضور إحدى اللوحات في باريس، في مشهد يجسد دور الحكاية في مدّ جسور الحوار بين الثقافات.

ما يميز تجربة الراوي أنها لا تكتفي بتقديم المعلومات، بل تمنح الزائر إحساسًا بأنه يستمع إلى المكان من داخله. فبدلًا من المرور السريع أمام النقوش والمقابر والجبال، يصبح الزائر جزءًا من حوار حي، يقوده أشخاص يحملون صلة وجدانية وثقافية بالموقع، ويعرفون كيف يحولون التاريخ من تواريخ وأسماء إلى تجربة إنسانية قابلة للتذكر.

"قصة بقصة".. تجربة تفاعلية تقرّب الثقافات

يأتي المعرض بالتوازي مع الإطلاق الرسمي لتجربة "قصة بقصة"، وهي تجربة تفاعلية يقودها الرواة، طُورت بالتعاون مع اليونسكو، وتستند إلى نموذج "Live Museum" أو «المتحف الحي» الذي يضع الإنسان في قلب تفسير التراث.

العلا قلب التاريخ ووجهة المستقبل المشرق
العلا قلب التاريخ ووجهة المستقبل المشرق 

وتعني فكرة «قصة بقصة» تبادل الحكايات، إذ يستخدم الرواة قطعًا وأدوات ومقتنيات لتحفيز الحوار حول موضوعات إنسانية عابرة للثقافات، مثل الهجرة البشرية، وأنظمة المعتقدات، والتجارب الثقافية المشتركة.

وتستمر التجربة لساعتين، وتقوم على المشاركة لا التلقي فقط؛ فالزائر لا يستمع إلى قصة جاهزة، بل يدخل في مساحة حوارية يتقاطع فيها ما يحمله من ذاكرة وتجربة مع ما تقدمه العُلا من شواهد وحكايات. وقد جُرّبت «قصة بقصة» لأول مرة في العُلا في فبراير 2026، ونجحت بالفعل في إشراك 115 مشاركًا من 10 دول، ما يعكس قدرة هذا النموذج على تحويل الزيارة الثقافية إلى لقاء إنساني حي.

ومن المنتظر أن تصبح تجربة «قصة بقصة» قابلة للحجز للزوار في وقت لاحق من هذا العام، لتضاف إلى الجولات التراثية في العُلا، وتمنح المسافرين طريقة جديدة لاكتشاف المواقع الأثرية، بعيدًا عن النمط التقليدي للجولات السياحية.

الرواة السعوديون يقدمون للزوار في باريس تجربة بصرية وسردية تعرف بتراث العُلا ومواقعها التاريخية على بوابات اليونسكو.
الرواة السعوديون يقدمون للزوار في باريس تجربة بصرية وسردية تعرف بتراث العُلا ومواقعها التاريخية على بوابات اليونسكو.

شراكة ثقافية بين اليونسكو والهيئة الملكية لمحافظة العُلا

يندرج معرض «أنا راوي» وتجربة «قصة بقصة» ضمن مشروع "تعزيز التحولات الاجتماعية الإيجابية في العُلا"، الذي تنفذه اليونسكو بالشراكة مع "الهيئة الملكية لمحافظة العُلا". ويعكس هذا المشروع توجهًا متناميًا نحو سياحة ثقافية تتمحور حول الإنسان، لا حول الموقع وحده، وتمنح المجتمعات المحلية دورًا رئيسيًا في تعريف العالم بإرثها.

الحجر واحد من أهم المواقع التراثية في العالم المسجلة في قائمة اليونسكو
الحجر واحد من أهم المواقع التراثية في العالم المسجلة في قائمة اليونسكو

وفي عام 2025، شارك ستة من قادة الرواة في العُلا في أول أسبوع تدريبي بين الثقافات نظمته اليونسكو في باريس، والمخصص لمهنيي إدارة المتاحف والمواقع التراثية. وجاءت مشاركتهم إلى جانب ممثلين عن ستة متاحف ومواقع تراثية عالمية شهيرة، ما منحهم فرصة لتطوير مهاراتهم، ثم نقل هذه الخبرات إلى العُلا، حيث أصبحوا بدورهم مدربين يقودون ورش عمل ويسهمون في تصميم أول تدريب إلكتروني لميسري نموذج «المتحف الحي» حول العالم.

وتحمل هذه التجربة بعدًا مهمًا آخر، إذ تمثل تفعيلًا مبكرًا للمتحف المنتظر "متحف طريق البخور"، وتؤكد أن مستقبل السياحة الثقافية في العُلا لا يقوم فقط على عرض الآثار، بل على بناء صلات إنسانية بين الزائر والمكان.

سحر التراث والتاريخ الأصيل في بيوت صنعت تاريخا لا ينسى
سحر التراث والتاريخ الأصيل في بيوت صنعت تاريخا لا ينسى

حكايات بشرية في زمن التجارب الرقمية

في زمن تتزايد فيه التجارب المصنوعة بالذكاء الاصطناعي والوسائط الرقمية، يطرح نموذج «المتحف الحي» تجربة مختلفة تقوم على اللقاء الحقيقي، والحوار المباشر، والحكايات التي يصنعها البشر. وهنا تكمن خصوصية «قصة بقصة»، فهي لا تستبدل التكنولوجيا بالتراث، ولا تقدم التاريخ كعرض جامد، بل تعيد للإنسان دوره الأساسي في نقل الذاكرة وإحياء المعنى.

راوية من العُلا في قلب البلدة القديمة، حيث تتحول الممرات إلى شواهد نابضة على تاريخ الواحة وحكايات أهلها.
راوية من العُلا في قلب البلدة القديمة، حيث تتحول الممرات إلى شواهد نابضة على تاريخ الواحة وحكايات أهلها.

وقال "فيليب جونز"، الرئيس التنفيذي للسياحة في الهيئة الملكية لمحافظة العُلا، إن أبحاث الهيئة تشير إلى أن 79% من المسافرين بغرض الترفيه يرغبون في خوض تجارب ثقافية غامرة. وأوضح أن تجربة «قصة بقصة» توظف الحوار والسرد القصصي لتشجيع الزوار على التفاعل مع التراث بطرق تعمق الفهم وتخلق صلة حقيقية مع الشعوب والأماكن.

وأضاف أن نموذج «المتحف الحي» يقدم بديلًا مقنعًا في عصر تتشكل فيه التجارب بشكل متزايد عبر الذكاء الاصطناعي، لأنه يستند إلى قصص بشرية ولقاءات أصيلة تصنع لحظات لا تُنسى. كما أشار إلى فخر الهيئة بأن رواة العُلا هم أول ممارسين معتمدين لهذا النموذج في المملكة، مؤكدًا أن أسبوع الافتتاح في مقر اليونسكو أظهر قدرة أهل العُلا على تمثيل التراث والحوار والتواصل الإنساني على المسرح العالمي.

نقوش خالدة تحكي تفاصيل الزمن الخالد في العلا
نقوش خالدة تحكي تفاصيل الزمن الخالد في العلا 

العُلا.. ذاكرة تمتد لأكثر من 200 ألف عام

لا يمكن الحديث عن الرواة دون الحديث عن العُلا نفسها، تلك الوجهة التي تحمل في تضاريسها طبقات من التاريخ الطبيعي والإنساني. تقع العُلا في شمال غرب المملكة العربية السعودية، على بُعد نحو 1100 كيلومتر من الرياض، وتمتد على مساحة 22,561 كيلومترًا مربعًا، تجمع بين وادٍ وارف، وجبال شاهقة من الحجر الرملي، ومواقع تراثية تعود إلى آلاف السنين.

وتُعد "الحِجر" أشهر مواقع العُلا وأكثرها حضورًا عالميًا، فهي أول موقع سعودي يُدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو. وتمتد المدينة الأثرية على مساحة 52 هكتارًا، وكانت المدينة الجنوبية الرئيسية لمملكة الأنباط، وتضم أكثر من 140 مقبرة محفوظة بشكل لافت، كثير منها مزين بواجهات منحوتة في التكوينات الصخرية المحيطة بالموقع.

تاريخ العلا الأصيل يصل إلى باريس
تاريخ العلا الأصيل يصل إلى باريس 

إلى جانب الحِجر، تحتضن العُلا "دادان"، عاصمة مملكتي دادان ولحيان، والتي تُعد من أكثر مدن الألفية الأولى قبل الميلاد تطورًا في شبه الجزيرة العربية. كما يبرز "جبل عكمة" بوصفه مكتبة مفتوحة تضم مئات النقوش والكتابات بلغات متعددة، وقد أُدرج مؤخرًا في سجل ذاكرة العالم التابع لليونسكو. أما "البلدة القديمة في العُلا"، فهي متاهة ساحرة تضم أكثر من 900 منزل من الطوب اللبن، تطورت منذ القرن الثاني عشر على الأقل، واختيرت عام 2022 ضمن أفضل القرى السياحية في العالم من منظمة السياحة العالمية.

هذه المواقع مجتمعة لا تقدم تاريخًا معزولًا، بل تكشف عن أكثر من 200 ألف عام من التاريخ الإنساني، وعن حضارة متواصلة تعود إلى 7000 عام، شهدت حضور ممالك دادان ولحيان والأنباط، ومرور القوافل، وتراكم القصص التي ما زالت تجد من يرويها اليوم.

أجيال تستلهم المستقبل المشرق من قلب التاريخ الأصيل في العلا
أجيال تستلهم المستقبل المشرق من قلب التاريخ الأصيل في العلا

العُلا كوجهة سياحية إنسانية

ما يقدمه معرض «أنا راوي» في باريس يتجاوز فكرة الترويج لوجهة سياحية. إنه يضع أمام الجمهور العالمي نموذجًا جديدًا للسياحة الثقافية في السعودية، حيث لا يكون التراث مجرد موقع يُزار، بل تجربة تُروى وتُعاش. ومن خلال صور الرواة وحكاياتهم، يتعرف الزائر على وجه آخر للعُلا؛ وجه يحمل ملامح أهلها، وأصواتهم، وعلاقتهم بالمكان.

وفي هذا السياق، يبدو المعرض خطوة مهمة في تقديم العُلا إلى العالم من خلال من يعرفونها عن قرب. فالصور المعروضة على بوابات اليونسكو ليست مجرد لقطات لمواقع أثرية، بل دعوة للتفكير في الدور الذي يمكن أن يؤديه الإنسان في حماية التراث ونقله، وفي تحويل الزيارة السياحية إلى تجربة أكثر عمقًا وصدقًا.

ومع استمرار المعرض حتى نهاية أغسطس 2026، تواصل العُلا حضورها في باريس كوجهة تتحدث بلغات متعددة: لغة الصورة، ولغة الحكاية، ولغة التراث الإنساني المشترك. ومن بوابات اليونسكو إلى دروب الحِجر ودادان وجبل عكمة، تمتد الحكاية نفسها؛ حكاية مكان قديم، يرويه أهله للعالم بروح جديدة.

العلا وجهة التاريخ الأصيل تروي قصتها الخالدة للعالم من قلب باريس
العلا وجهة التاريخ الأصيل تروي قصتها الخالدة للعالم من قلب باريس 

 

محرر وصحفي متخصص في المواضيع الخاصة بالسعودية والإمارات خصوصًا في مجالات السياحة والترفيه وتغطية آخر الأخبار والاتجاهات.