ألين أسمر دامان

خاص "هي": ألين أسمر دامان توقظ Orient Express Venezia جوهرة فينيسيّة من القرن الـ15.. هنا وجدتُ أحلامي!

3 يونيو 2026

في مدينة تعرف كيف تحفظ أسرارها داخل الماء والحجر والضوء، لا يأتي افتتاح Orient Express Venezia at Palazzo Donà Giovannelli كإضافة فندقية جديدة إلى مشهد الضيافة الفاخرة في البندقية فحسب، بل كولادة ثانية لقصر تاريخي عاش ما يقارب ستة قرون شاهداً على تحولات المدينة، وذاكرتها، وسحرها العابر للزمن.

تصوير Giulio Ghirardi
تصوير Giulio Ghirardi

يقع القصر في حي كاناريجيو الهادئ، حيث تتقاطع القنوات وتتبدل انعكاسات الواجهات على الماء، ليعيد اليوم فتح أبوابه بعد عملية ترميم وإعادة تخيّل حملت توقيع ألين أسمر دامان، المهندسة المعمارية والمصممة اللبنانية، التي أسست "Culture in Architecture" في بيروت وباريس. هنا، لا يبدو المشروع مجرد ترميم لمبنى أثري، بل رحلة مسرحية في طبقات التاريخ الفينيسي، حيث تلتقي الذاكرة بالحرفية، والعمارة بالفن المعاصر، وروح الشرق بالغرب في لغة تصميمية شديدة الرهافة.

القصر، الذي يعود إلى القرن الـ15، تحوّل للمرة الأولى في تاريخه إلى فندق فاخر ضمن عالم Orient Express، العلامة التي ارتبط اسمها دائماً بفن السفر وطقوسه الراقية. ويضم الفندق 47 غرفة وجناحاً وإقامة، صُممت كل منها كعالم مستقل يستحضر طبقات العمارة القديمة ورومانسية الحياة الفينيسية، من الجداريات والأسقف المنحوتة إلى النوافذ المطلة على الحدائق والقنوات.

تصوير Giulio Ghirardi
تصوير Giulio Ghirardi

في هذا المشروع، تذهب ألين أسمر دامان أبعد من فكرة الترميم الكلاسيكي. فهي لا تعيد المكان إلى ما كان عليه فقط، بل تصغي إلى ما كان يمكن أن يكونه اليوم. تترك للجدران أن تتكلم، وللألوان المفقودة أن تعود، وللحرفيين والفنانين أن ينسجوا حوارًا جديدًا بين الماضي والحاضر. من الثريات المصممة خصيصاً في مورانو، إلى المواد الطبيعية النادرة، والجلود المنقوشة، والحرائر، والمرايا الملونة، يتحول القصر إلى صالون ثقافي حي، ومسرح للدهشة، وبيت تتجاور فيه الذاكرة مع الحاضر.

في هذا الحوار الخاص مع "هي"، تتحدث ألين أسمر دامان عن اللحظة الأولى التي التقت فيها بالقصر، وعن معنى الفخامة اليوم داخل مبنى عمره قرون، وعن علاقتها بالحرفية والفن والذاكرة، كما تكشف ما الذي حملته هذه الرحلة الممتدة على مدى 8 سنوات إلى داخل روحها، وما المشاريع الجديدة التي تستعد لاستكشافها.

تصوير Giulio Ghirardi
تصوير Giulio Ghirardi

أخبرينا عن رحلتك في هذا المشوار والرحلة وما هي اللحظات العاطفية بالنسبة لكِ خلال العمل في هذا المشروع؟

هذه الرحلة المسرحية في روعة البندقية كانت لحظة تأسيسية وتحولية بالنسبة إلى المعمارية التي أنا عليها. وُلدت في بيروت، وقلبي باريسي، وأحمل ارتباطاً عميقاً بالسرد وبشاعرية المواد. في البندقية وجدت عنوان أحلامي، كما عبّر مارسيل بروست بأجمل الكلمات عن "لا سيرينيسيما".

أعتز بذكرى زيارتي الأولى إلى Palazzo Donà Giovannelli عام 2018، حين اقتربت من واجهاته النيو-قوطية المطلة على Rio de Noal عبر القارب. كنت أعرف البندقية جيداً، وأعرف تلك الرؤية السحرية للواجهات المنعكسة على الماء، حيث تمتلك كل واجهة ألقها الخاص، لكنني لم أكن أذكر أنني رأيت شيئاً بهذا القدر من الفتنة. كانت نسب الأبواب والنوافذ تبدو وكأنها تتحاور مع السماء، بينما تبقى راسخة في البحر. "لحم هذه الجدران"، كما كان ليقول جوزيف برودسكي، أسرني تماماً.

تصوير Giulio Ghirardi
تصوير Giulio Ghirardi

 

كان القصر مهجوراً: مساحات شاسعة فارغة يملؤها الضوء السحري للبندقية، ندوب على أسقف باروكية مزدهرة، شظايا من كروبيم راقصين على جدران باهتة، ومع ذلك ظل المكان حياً بأصوات وذكريات الماضي التي تنتظر من يصغي إليها. أتذكر أيضاً أنني حين دخلت القصر، شعرت غريزياً برغبة في احتضان الجدران وتقبيلها. وقد أعاد ذلك إلى ذهني فوراً صورة Sheila Metzner بعنوان Passion of Rome، التي وجدت اليوم مكانها داخل Orient Express Suite.

إن ولادة Palazzo Donà Giovannelli من جديد من خلال Orient Express Venezia هي شهادة على حيويته الأبدية. كانت هناك طبقات لا تُحصى لاكتشافها على مدى السنوات الماضية، لكن أسس المبنى كانت دائماً تحمل إحساساً عميقاً بالخلود.

تصوير Giulio Ghirardi
تصوير Giulio Ghirardi

ماذا تعني لكِ "الفخامة" اليوم خصوصًا عندما نتناولها من زاوية العمل داخل مبنى عمره قرون؟

يرتكز عملي المعماري على نقل الإرث، وعلى حوار بين الماضي والمستقبل، يرتقي عبر قصص ذات صلة ثقافية. هذا العالم من الحكايات الحية يدعو إلى إحساس بالمسرح، ترفعه العوالم العاطفية والحسية. تصبح المهارة الفنية والحرفية الفخامة المطلقة، وشكلاً من أشكال السرد داخل المساحة. Palazzo Donà Giovannelli هو شهادة على هذه الروح، حيث تتخلل قرون من الإبداع جدرانه بذكاء عاطفي وإحساس حي بالسرد.

تصوير Giulio Ghirardi
تصوير Giulio Ghirardi

 

تتصل اليد بالعقل في شكل نبيل من التعبير عبر الحرفة، فتمنح الجمال والامتياز في الكتابة والنحت وترك أثر في التاريخ، وتربط بين العصور والناس بلغة عالمية لا تعرف الحدود. هذه الفخامة الخالدة، التي تنتقل من يد ماهرة إلى أخرى، هي فعل فرح يتشاركه الصانع والمستخدم، خالقة رابطاً غير مرئي بين الحالمين.

 اللوبي في Palazzo Donà Giovannelli - تصوير Giulio Ghirardi
 اللوبي في Palazzo Donà Giovannelli - تصوير Giulio Ghirardi

بعض التفاصيل المفضلة لدي هي تلك التي لا يُرمم فيها التاريخ فقط، بل يُعاد تفسيره من خلال حرفية استثنائية وضمن لغة معاصرة. في Orient Express Suite، جمعت بين الحميمية والمسرح، وأعدت استخدام ما كان ينتمي إلى الماضي من خلال حوار بين روح قديمة وعمارة داخلية معاصرة. هناك مدفأة منحوتة من القرن الالـ19 من توقيع Antonio Del Zotto، مصنوعة من رخام غني بالعروق، تتوجها صدفة وتحيط بها كارياتيدات، تواجه اليوم سريراً ذا مظلة كبيرة من حرائر الموار، حيث تتحول المسرحية إلى شرنقة هادئة تحتضن فكرة المشهدية.

 تصوير Giulio Ghirardi
 تصوير Giulio Ghirardi

أعمالك كما أشرتِ في أكثر من مرة عبارة عن تناغم بين الإرث والفن المعاصر، كيف تختارين القطع أو المواد أو حتى الأعمال الفنية التي يُسمح لها بدخول مساحة تاريخية بهذا الحجم؟

إيجاد حوار عبر الزمن هو المبدأ الذي يوجّه اختياري القطع والمواد داخل مساحة تاريخية مثل Palazzo Donà Giovannelli، دائماً مع فكرة البيت في ذهني، لأن القصر كان في الأصل مسكناً تُستضاف فيه الحياة وتُشارك وتُحتفى بها.

Salla Della Cultura - تصوير Giulio Ghirardi
Salla Della Cultura - تصوير Giulio Ghirardi

 

على مر السنوات، وفي كل مدينة عبرتها، كنت أبحث عن قطع في أسواق التحف والمعارض الفنية والمزادات الحية، متبعة إحساساً بالتماغم أكثر من الأسلوب وحده. لم أتردد في خلق البهجة البصرية والتباين معاً، فجمعت بين التصوير المعاصر لـ Sheila Metzner أو السرديات الفينيسية العفوية لـ Philip Andelman، ووضعتها في حوار مع نسيج من القرن السابع عشر يصور جيسون والأرغونوتيين. لم تكن الفكرة أبداً مجرد تزيين، بل نية واضحة: خلق محادثة حية بين العصور.

 تصوير Giulio Ghirardi
 تصوير Giulio Ghirardi

دُعي فنانون معاصرون إلى التفاعل مباشرة مع القصر، مستلهمين مواده وزخارفه وتاريخه. على سبيل المثال، ترجمت Sophie Toporkoff الجداريات والزخارف الباروكية والهندسات القوطية والأنماط الاستشراقية إلى أعمال زجاجية ملوّنة ومنفوخة تتوزع في غرف الضيوف والممرات. وفي حالات أخرى، جاءت الاكتشافات عبر حوار مع أدوات زمننا، من خلال تعاون مع Docent’s AI Art Advisory، نتج عنه تكليفان فنيان خاصان بالموقع: منحوتات Théo Mercier المجزأة في Corte del Conte، وجداريّة Giordano Tricarico التجريدية المرسومة يدوياً في Calle Maraviglia. نستند إلى عناصر الماضي لنصوغ مفردات المستقبل.

تصوير Giulio Ghirardi
تصوير Giulio Ghirardi

 

إلى جانب ذلك، أرشدتني الخريطة الثرية للحرف الإيطالية في كل اختيار مادي، من البوازريه المنحوتة والمرايا المحفورة إلى الحجر والمنسوجات والأعمال المعدنية التي طُورت مع حرفيين محليين. أصبح كل لقاء جزءاً من سرد واحد يتكشف تدريجياً، حيث لا تُختار المواد كأسطح، بل كحاملة للذاكرة والمعنى.

والنتيجة ليست تبايناً، بل استمرارية؛ مجموعة منسقة بعناية من الأعمال حيث تتعايش التحف والإشارات التاريخية والتكليفات المعاصرة في محادثة شعرية، صاغتها أيدي الحرفيين والفنانين، ومتجذرة بعمق في روح المكان. القصر متجذر في الحاضر، بينما تبقى روحه حاضرة دائماً.

مطعم LaCasati في الفندق -  تصوير Giulio Ghirardi
مطعم LaCasati في الفندق -  تصوير Giulio Ghirardi

ماذا تتمنين أن يشعر الضيوف في الدقائق الأولى بعد دخول الفندق؟

Orient Express Venezia at Palazzo Donà Giovannelli هو جوهرة فينيسية متوجة. تتخلل قرون من الإبداع جدرانه بذكاء عاطفي وشخصية آسرة. إنه شيء يجعلك تقع في حب البندقية مراراً وتكراراً. أتمنى أن يلامس الضيوف نعمة شبابه الذي لا يموت، وأن يغذي ذلك إحساس الدهشة الحاضر في كل سطح ومساحة، وكذلك شعور التقدم السينمائي. إنه اكتشاف كبير، حيث يتحرك المرء عبر طبقات التاريخ، منقباً عن شظايا من الماضي تكشف عن نفسها تدريجياً، وغالباً بطرق غير متوقعة. وهذا بالضبط ما تمثله البندقية: الغموض، الدراما، والاحتفال، بين الحجر والأمواج، الحركة والأبدية.

تصوير Giulio Ghirardi

أريد للضيف أن يشعر بروح البيت، وبمجموعة فنية جُمعت عبر القرون وتشبعت بروح الحاضر، جامعةً أشياء لها سرد وروح، وجاسرةً بين الماضي وزمننا. كان القصر دائماً مسكناً، وأتمنى أن يشعر الضيوف بهذا الإحساس بالتعرّف المنبعث من العمارة المجيدة والديكورات الداخلية، ومن الاختيار الدقيق للأعمال الفنية.

أي جزء منك تشعرين أنك تركته داخل Palazzo Donà Giovannelli؟

أفضل أن أفكر في الكنوز الداخلية التي كشفها القصر داخل روحي خلال هذه الرحلة التي امتدت تقريباً على مدى عقد، أكثر من التفكير في ما تركته خلفي. ربما يكون الاكتشاف الأكثر أهمية بالنسبة إلي هو التذكير بأن البندقية كانت دائماً جسراً بين الشرق والغرب، تشكلت عبر التبادل الثقافي ومن خلال الجمال الذي يغني محادثات لا تنتهي.

Persi Suite - تصوير Giulio Ghirardi
Persi Suite - تصوير Giulio Ghirardi

تكوّنت لقاءات لا تُنسى مع حرفيين وصنّاع استثنائيين وفريق مذهل من المبدعين الذين جلبوا المشروع إلى الحياة. أنا مقتنعة الآن إلى الأبد بأن البندقية ستبقى دائماً خلاصة الحوار العابر للثقافات، والبوابة السحرية الدائمة بين الشرق والغرب.

ما المشاريع المقبلة التي تثير حماسك أكثر، وما المساحات الإبداعية الجديدة التي تتطلعين إلى استكشافها لاحقاً؟

هناك عدة مشاريع جديدة قيد العمل حالياً في الاستوديو، تمتد عبر مجموعة من وجهات الضيافة. وتشمل هذه المشاريع Dream of the Desert Train في المملكة العربية السعودية، إلى جانب إحياء Villa Belinzaghi على بحيرة كومو، ضمن ملكية Villa d’Este المرموقة، وهي منارات في عالم الضيافة الفاخرة. إلى جانب هذه المشاريع البارزة، يعمل الاستوديو أيضاً على سلسلة من المشاريع الخاصة في أنحاء مختلفة من العالم، إضافة إلى سينوغرافيات خاصة سيتم الكشف عنها قريباً في مواقع باريسية أيقونية.

تصوير Giulio Ghirardi
تصوير Giulio Ghirardi

مدير تحرير مجلة "هي" الإلكترونية، بخبرة تفوق 13 عامًا، متخصص في الصحافة الرقمية والسينما واللايف ستايل.