كيف قدمت الدول العربية رؤيتها الفنية في بينالي البندقية للفنون 2026؟

كيف قدمت الدول العربية رؤيتها الفنية في بينالي البندقية للفنون 2026؟

10 مايو 2026

في بينالي البندقية للفنون 2026، حملت المشاركات العربية هذا العام حضورًا لافتًا، شهد افتتاح أول جناح دائم لدولة قطر في الجيارديني، وأول مشاركة وطنية للمغرب في تاريخ البينالي، إلى جانب عودة سوريا إلى المشهد الفني العالمي من خلال جناح يستعيد تدمر وما تحمله من رمزية ثقافية وإنسانية.

وسط هذا الحضور المتنوع، بدا المشهد العربي وكأنه يتحرك داخل سؤال مشترك: كيف يمكن للفن أن يحمل ذاكرة المكان دون أن يتحول إلى أرشيف؟ بين الطين، والصوت، والنسيج، والصحراء، والأطلال، والهمس، ظهرت الأجنحة العربية كمساحات تعيد التفكير في العلاقة بين الإنسان وما يتركه خلفه؛ الأثر، والحرفة، والحكاية، وحتى الخراب نفسه.

ما جمع هذه المشاركات لم يكن المرجع الجغرافي أو الشكل البصري بقدر ما كان الإحساس الواضح بأن الفن العربي المعاصر بات أكثر اقترابًا من التجربة الإنسانية الداخلية، وأقل اهتمامًا بتقديم صورة مباشرة عن الهوية. كل جناح اقترب من سؤال مختلف حول الذاكرة، والزمن، والجسد، والمكان، مستخدمًا المواد المحلية والتجارب الشخصية كلغة قادرة على العبور خارج حدود الجغرافيا.

 بين ردهات الأرسنالي والجارديني، نستكشف فلسفة كل جناح، وكيف استطاع الفنانون والقيمون الفنيون هذا العام صياغة مشهد الفن المعاصر في العالم العربي برؤية تتجاوز الحدود الجغرافية.  

السعودية… الأطلال كذاكرة حية

الجناح السعودي في بينالي البندقية للفنون 2026
الأطلال هنا لا تُقرأ كحنين، بل كحالة معاصرة مرتبطة بما يحدث للمدن والذاكرة عندما تصبح مهددة بالاختفاء التدريجي.

بتكليف من هيئة الفنون البصرية، تقدم الفنانة دانا عورتاني، تحت إشراف القيمة الفنية أنطونيا كارفر بمشاركة حفصة الخضيري، عملًا يحمل عنوان "عسى أن لا تجف دموعكم يا من بكى على الأطلال". يستند إلى مواقع أثرية تواجه خطر الاندثار، بعضها ما يزال مأهولًا بالسكان، وبعضها الآخر تحول إلى أطلال مهددة بالاختفاء. ويتجسد العمل داخل تكوين معماري ضخم يتألف من 29،221 ألف طوبة طينية صُنعت يدويًا بالتعاون مع 32 حرفي من مناطق مختلفة في المملكة.

في الجناح السعودي، تتحول العمارة إلى كائن هش يحمل آثار الزمن واليد البشرية معًا. الطين هنا هو جسد قابل للتآكل، يحمل فكرة الفقد والاستمرار في اللحظة نفسها. حتى الأطلال هنا لا تُقرأ كحنين، بل كحالة معاصرة مرتبطة بما يحدث للمدن والذاكرة عندما تصبح مهددة بالاختفاء التدريجي.

قطر… المجلس كمساحة للتبادل

الجناح القطري في بينالي البندقية 2026
الفكرة الأساسية في الجناح القطري تنطلق من الاجتماع نفسه بوصفه تجربة فنية

في أول جناح وطني دائم لها في الجيارديني، افتتحت الشيخة مياسة بنت حمد بن خليفة آل ثاني معرض "بدون عنوان 2026" بإشراف القيّمين الفنيين رُبى قطريب وتوم إيكلز. يتمحور الجناح حول هيكل مستوحى من "المجلس" القطري، يضم الجناح فيلم سردي تجريبي للفنانة القطرية-الأمريكية صوفيا الماريا بعنوان "دمار تي في" (2026) إلى جانب العمل النحتي الضخم "جركن" (2022 - 2026) للفنانة الكويتية-البورتوريكية علياء فريد، وبرنامج أدائي بإشراف طارق عطو.

الفكرة الأساسية في الجناح القطري تنطلق من الاجتماع نفسه بوصفه تجربة فنية. يتحول المجلس إلى مساحة تتداخل فيها الأصوات والقصص والحضور الإنساني، وكأن الفن هنا يحدث داخل العلاقة بين الناس، لا داخل العمل المعروض فقط. حتى التكوين المعماري للجناح يحمل إحساسًا بالحركة المستمرة، حيث تبدو التجربة كلها قائمة على العبور، والتبادل، وما يتشكل بين الأشخاص أثناء اللقاء.

الإمارات… الإصغاء إلى ما لا يُقال

جناح الإمارات في بينالي البندقية 2026
يبدو الصوت وكأنه مادة غير مرئية تتحرك داخل الفراغ. الهمس، والصدى، والأصوات العابرة

تشارك الإمارات العربية المتحدة من خلال المعرض الجماعي "وشوشة" بإشراف القيمة الفنية بانا قطّان، بمشاركة القيّمة المساعدة تالا نصّار، ويضم أعمال ميس البيك، جواد المالحي، فرح القاسمي، آلاء إدريس، لمياء قرقاش، وتاوس مخاتشيفا. يستحضر الجناح عالم صوتي قائم على الإيحاءات الهادئة، والرسائل غير المكتملة، والأصوات العابرة بين الذاكرة والجسد.

في الجناح الإماراتي، يبدو الصوت وكأنه مادة غير مرئية تتحرك داخل الفراغ. الهمس، والصدى، والأصوات العابرة تخلق تجربة تقوم على الإصغاء أكثر من المشاهدة، حيث تصبح الأشياء غير المعلنة جزءًا أساسيًا من العمل. هناك حساسية واضحة تجاه التفاصيل الصغيرة والعابرة، وكأن الجناح كله قائم على محاولة التقاط ما يصعب قوله بشكل مباشر.

عُمان… الحركة كذاكرة للمكان

في الجناح العُماني، يجمع هيثم البوسعيدي بين دور الفنان والقيم الفني في مشروع "زينة"، المستلهم من زينة الخيل الفضية التقليدية في عُمان. يوظف العمل الرمل، والصوت، والمعدن داخل تركيب غامر يستكشف العلاقة بين الحركة، والهوية، والموروث البصري العُماني.

يتعامل الجناح العُماني مع المادة بوصفها ذاكرة متحركة. المعدن، والرمل، والصوت تحمل جميعها إحساسًا بالإيقاع والتنقل، وكأن العمل يحاول الإمساك بفكرة الحركة نفسها؛ حركة الناس، والقوافل، والهوية التي تتشكل أثناء العبور. وحتى العناصر التقليدية تظهر داخل الجناح بطريقة أقرب إلى الأثر الحسي منها إلى العرض التراثي المباشر.

سوريا… تدمر واستعادة ما تبقى

الجناح السوري في بينالي البندقية للفنون 2026
يتحرك العمل حول السؤال المرتبط بما يبقى بعد الدمار، وكيف يمكن للذاكرة أن تستمر حتى عندما يختفي المكان الأساسي

تعود سوريا إلى بينالي البندقية بعد سنوات من الغياب من خلال الجناح الوطني الذي افتتح برعاية وزير الثقافة محمد ياسين الصالح، عبر العمل الفني "مدفن تدمر البرجي" للفنانة سارة شمّة، بإشراف القيّمة الفنية يوكو هاسيغاوا. يستلهم المشروع الإرث الحضاري لمدينة تدمر، ويعيد تقديمه عبر الرسم، والعمارة، والضوء، والصوت داخل تجربة بصرية غامرة.

في الجناح السوري، تبدو تدمر كفكرة أكثر من كونها موقع أثري. يتحرك العمل حول السؤال المرتبط بما يبقى بعد الدمار، وكيف يمكن للذاكرة أن تستمر حتى عندما يختفي المكان الأساسي. هناك إحساس واضح بأن الجناح لا يحاول إعادة بناء المدينة، وإنما استحضار أثرها النفسي والإنساني، حيث يصبح الفن محاولة للإمساك بما يصعب ترميمه في الواقع.

المغرب… الحرفة كجسد جماعي

المغرب في بينالي البندقية للفنون 2026
النسيج هنا هو امتداد لفكرة العمل الجماعي والوقت المتراكم داخل المواد نفسها.

في أول مشاركة رسمية للمغرب في تاريخ البينالي، اختارت القيمة الفنية مريم برادة الفنانة أمينة أغزناي لتمثيل المملكة بمشروع "المنسج"، الذي أُنجز بالتعاون مع 130 حرفيًا من مختلف مناطق المغرب. يجمع العمل بين النسيج، والخشب، والخرز داخل تركيب معماري مفتوح يسمح للزوار بالدخول والجلوس والتفاعل مع المواد.

ما يميز الجناح المغربي هو الطريقة التي تتحول فيها الحرفة إلى تجربة جسدية كاملة. النسيج هنا هو امتداد لفكرة العمل الجماعي والوقت المتراكم داخل المواد نفسها. حتى ملمس الخيوط والخشب يحمل إحساسًا بالحضور البشري، وكأن الجناح يحاول إعادة ربط الفن بالفعل اليدوي بوصفه فعلًا إنسانيًا ومعرفيًا في الوقت نفسه.

مصر… الصمت بوصفه تجربة حسية

يمثل الفنان آرمن آجوب الجناح المصري من خلال مشروع "الصمت: بين المحسوس واللامحسوس"، المستلهم من الصحراء بوصفها حالة وجودية تتجاوز المكان. يضم المشروع خمس منحوتات ضخمة من الجرانيت، تتعامل مع الكتلة باعتبارها طاقة كامنة أكثر من كونها شكلًا بصريًا.

في الجناح المصري، يبدو الصمت وكأنه المادة الأساسية للعمل. يحمل الجرانيت ثقلًا بصريًا وروحيًا في الوقت نفسه، بينما تخلق الفراغات المحيطة إحساسًا بالتأمل الطويل. هناك علاقة واضحة بين الصحراء والزمن داخل الجناح، حيث تتحول الكتلة الحجرية إلى شيء أقرب إلى الأثر الداخلي أو الحالة النفسية الممتدة.

لبنان… الطبيعة بين الفوضى والبنية

جناح لبنان في بينالي البندقية للفنون 2026
التكرار داخل اللوحات يعمل كإيقاع مستمر يحاول الإمساك بالعلاقة بين الفوضى والبنية

يمثل الفنان نبيل نحاس لبنان في بينالي البندقية للفنون 2026 من خلال عمل تركيبي ضخم بعنوان تعدد بلا حدود، يمتد على مساحة 45 مترًا. يستعيد نحاس داخل الجناح مفرداته البصرية الممتدة عبر عقود من العمل بين لبنان والولايات المتحدة، جامعًا بين التجريد الهندسي، والأنماط المتكررة، والإشارات المستوحاة من التقاليد البصرية الإسلامية والغربية، إلى جانب العناصر الطبيعية التي ارتبطت بممارسته الفنية مثل أشجار الأرز والزيتون.

في الجناح اللبناني، تبدو الطبيعة وكأنها نظام بصري وروحي في الوقت نفسه. التكرار داخل اللوحات يعمل كإيقاع مستمر يحاول الإمساك بالعلاقة بين الفوضى والبنية، وبين الطبيعة والهندسة، حيث تتحول الأشجار والأنماط إلى جزء من سردية أوسع عن الهوية، والاستمرارية، والزمن.

جميع الصور من الصفحات الرئيسية للجناح الوطني لكل دولة 

محررة ثقافية تهتم برصد التحولات الإبداعية في السعودية، وتوثيق التراث والإنجازات الوطنية للمرأة.