خاص لـ"هي": نواف النصار… البيت كما يعاش لا كما يصمم
البيوت لا تُقاس بمساحتها، بل بما تمنحه من دفء وسكينة، وباللحظات التي تتكرّر داخلها حتى تصبح جزءًا منّا. هي مساحات تحتضن تفاصيلنا اليومية، وتحوّلها بهدوء إلى ذاكرة تُبنى مع الوقت.
في هذا السياق، يقدّم المعماري نواف النصار رؤيته للبيت بوصفه كيانًا حيًا، لا مشروعًا يُنجز. كمؤسس ومصمم عمارة داخلية، يحمل خلفية أكاديمية من الجامعة الأمريكية في بريطانيا، ويقف خلف تأسيس “3N JEDDAH”، إلى جانب إطلاقه لفعالية “تصميم”، ومشاركته في أول مجلة سعودية متخصصة في هذا المجال. لكن ما يميّز تجربته هو هذا التداخل بين التصميم والحياة، حيث لا ينفصل المكان عن من يسكنه، بل يتشكّل من خلاله.

لا يبدأ نواف من الجدران، بل مما يحدث داخلها. التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو عابرة، هي ما يصنع الإحساس بالمكان. ثم يقول: "الذاكرة لا تُبنى بالحجر وحده، بل بما يُعاش داخل البيت في قهوة الصباح، في الجلسات العفوية، وفي المساحات التي نستخدمها لأنها قريبة منا، لا لأنها محددة بوظيفة." من هنا، يصبح البيت انعكاسًا لإيقاع الحياة، لا إطارًا يفرض عليها شكلًا ثابتًا.
هذه النظرة تنعكس مباشرة على تصميمه، حيث لا يرى الفراغات كعناصر جامدة، بل كمساحات مرنة تستوعب التغيّر. ويضيف: "لم تعد الجدران حدودًا، بل حواضن للذاكرة، والبيت ليس مخططًا ثابتًا، بل كيانًا ينمو مع أهله، وتتشكل هويته من إيقاعهم اليومي."

وعندما يتحدث عن الإرث، يبتعد عن الشكل ويقترب من المعنى. بالنسبة له، لا يُورّث البيت عبر مظهره، بل عبر ما يزرعه في ساكنيه. ثم يقول: "الإرث ليس شكلًا يُقلّد، بل معنى يُحمل. البيت لا يحفظ الماضي فقط، بل يعلّم الطمأنينة، ويُمرّر القيم بهدوء دون أن يفرضها." فالثقافة، كما يراها، لا تعلم بالكلام، بل تكتسب من تفاصيل يومية، في طريقة الجلوس، في الإصغاء، وفي العلاقة مع المكان والآخر.
امتدت تجربة نواف بين التصميم والتعليم والمشاركة الثقافية، حيث عمل أستاذًا زائرًا في عدد من الجامعات، وشارك في البرامج التعليمية، وكان عضوًا في المجلس الفني السعودي، إلى جانب دوره كسفير فخري لمؤسسة بركات ومساهمته في أنشطتها. كما تنوّعت ممارسته بين تصميم المنتجات، وتقديم أعمال فنية، والمشاركة في حوارات متخصصة حول العمارة في مسار يعكس فهمًا واسعًا لدور التصميم في تشكيل الحياة اليومية.

لكن التحول الأهم، كما يصفه، جاء مع العائلة. ثم يقول: "لم أعد أرى المكان كتركيب بصري فقط، بل كإطار لحياة تُعاش. العائلة جعلتني أقدّم الراحة على الإبهار، والاستمرارية على اللحظة." هنا، تتغير أولويات التصميم، وتصبح مرتبطة بما يعيشه الإنسان، لا بما يراه فقط.
ومن هذا المنطلق، يعيد النظر في التفاصيل، لا كقرارات جمالية، بل كجزء من تجربة العيش نفسها. ويشرح: "أصبحت ألتفت للضوء حين يهدأ، للصوت بين الغرف، لملمس الجدار، ولمسافة الأمان التي تمنح الطفل حرية الحركة. هذه التفاصيل ليست جمالية فقط، بل جزء من تجربة الحياة داخل البيت."
وحين يعود إلى الإرث السعودي، لا يستحضره كصورة جاهزة، بل كإحساس يتكرر بطرق مختلفة. ويقول: "أعود إلى البساطة التي لا تُعلن نفسها، إلى المواد الصادقة التي تشيخ بكرامة، وإلى الفراغ الذي يمنح الظل قيمته، ويجعل الضوء حدثًا." ويضيف: "المجلس ليس عنصرًا تراثيًا بالنسبة لي، بل فكرة إنسانية، والخصوصية ليست فصلًا، بل أسلوب عيش يحفظ كرامة المكان وساكنيه."
في النهاية، لا يفصل نواف بين الجمال والوظيفة، بل يرى أن التوازن بينهما قرار يتجاوز الشكل. ثم يقول: "أبحث عن جمال لا يتطلب حراسة، ووظيفة لا تقيّد الحركة، ومساحات تقبل التغيّر دون أن تفقد روحها."
حتى الفوضى، لا يراها خللًا، بل جزءًا من الحياة نفسها: "الكتب التي لا تعود لمكانها فورًا، ألعاب الأطفال، وآثار الجلسات كلها دليل على أن البيت حي."