فن يُصنع أمام عينيك.. كيف تحوّل ملتقى طويق للنحت إلى مسرح حي للإبداع؟

فن يُصنع أمام عينيك.. كيف تحوّل ملتقى طويق للنحت إلى مسرح حي للإبداع؟

محمد حسين
13 يناير 2026

ليس كل يوم تمنحكِ مدينة فرصة مشاهدة الفن وهو يولد أمامكِ. ليس داخل متحف مغلق أو خلف زجاج صامت، بل في الهواء الطلق، تحت الشمس، وبين أصوات الشوارع والحياة اليومية. في ملتقى طويق للنحت 2026، لا تكونين مجرد متفرجة على عمل مكتمل، بل شاهدة على رحلة كاملة تبدأ من كتلة حجر صامتة وتنتهي بتحفة فنية تنبض بالحياة.

على طريق الأمير محمد بن عبدالعزيز "التحلية"، يتحوّل المكان إلى ورشة مفتوحة، حيث تتعالى أصوات الأدوات، ويتطاير غبار الجرانيت، وتتحرك الأيدي بخفة الفنانين وكأنها ترقص مع الحجر. هنا، الفن لا يُعرض… بل يُصنع أمام عينيكِ.

من مادة خام إلى حكاية بصرية

في اليوم الأول، قد تمرّين بجانب كتلة حجر ضخمة دون أن تفهمي ما الذي ستكون عليه. مجرد صخرة صامتة، جامدة، بلا ملامح. لكن بعد أيام قليلة، تعودين فتجدين خطوطًا بدأت تظهر، منحنيات خفيفة، تفاصيل أولى توحي بأن شيئًا ما يتشكّل. ومع كل زيارة جديدة، يتغير المشهد.

خطوط أولى وبداية قصة في ملتقى طويق للنحت
خطوط أولى وبداية قصة في ملتقى طويق للنحت

هذه التجربة البصرية المتحركة هي جوهر ملتقى طويق للنحت. أنتِ لا تشاهدين العمل النهائي فقط، بل تعيشين رحلة التحوّل كاملة. تراقبين كيف يزيل الفنان جزءًا من الحجر ليكشف فكرة كانت حبيسة داخله. تشاهدين التردد أحيانًا، والحسم أحيانًا أخرى، وكأنكِ داخل عقل الفنان نفسه.

حين يصبح الجمهور جزءًا من العملية الفنية

الميزة الأجمل في الملتقى أنه لا يفصل بين الفنان والجمهور بحواجز. يمكنكِ الاقتراب، طرح الأسئلة، مشاهدة التفاصيل الدقيقة عن قرب. بعض الفنانين يبتسمون وهم يشرحون فكرته، آخرون يغرقون في صمتهم الإبداعي، لكن الجميع يشتركون في شيء واحد: الرغبة في مشاركة الرحلة.

ترين أطفالًا يقفون بدهشة، يصوّرون كل مرحلة، وشبابًا يناقشون معنى العمل، وسياحًا يلتقطون اللحظة كما لو كانوا في متحف حي. فجأة، يصبح الفن حوارًا مفتوحًا، وليس تجربة نخبوية محصورة داخل صالات مغلقة.

في ملتقى طويق للنحت تبدأ الفكرة بخط رفيع على الحجر
في ملتقى طويق للنحت تبدأ الفكرة بخط رفيع على الحجر

25 فنانًا و25 قصة مختلفة

في هذه النسخة السابعة من الملتقى، يشارك 25 فنانًا من 18 دولة، لكل واحد منهم خلفية ثقافية، ومدرسة فنية، ورؤية خاصة. لكن ما يجمعهم هو المكان والزمن والفكرة.

ترين فنانًا سعوديًا يستلهم من التراث المحلي، وآخر من أوروبا يعيد تفسير مفهوم التحوّل، وفنانة آسيوية تعمل على علاقة الإنسان بالمادة. كل عمل هو انعكاس لرحلة شخصية، لكن وجودها جميعًا في مكان واحد يخلق حوارًا بصريًا غنيًا بين الثقافات.

"ملامح ما سيكون".. حين يصبح المستقبل مادة فنية

شعار هذا العام "ملامح ما سيكون" لا يظهر فقط في النصوص التعريفية، بل ينعكس بوضوح في الأعمال نفسها. معظم المنحوتات تتحدث عن التغيير، عن التحوّل، عن الحركة المستمرة للحياة والمدن والإنسان.

أنتِ لا تشاهدين منحوتة جامدة، بل فكرة تتحرك في الفضاء. أشكال توحي بالانتقال من حالة إلى أخرى، خطوط تتقاطع، فراغات مقصودة، وكأن العمل نفسه يعيش حالة تطوّر مستمر.

بين العين واليد يولد التكوين في ملتقى طويق للنحت
بين العين واليد يولد التكوين في ملتقى طويق للنحت

مواد محلية وفلسفة الاستدامة

اللافت في التجربة هو استخدام الجرانيت السعودي والمعادن المعاد تدويرها. هنا، لا يكون الجمال منفصلًا عن المسؤولية البيئية. الحجر من الأرض، والمعادن من ذاكرة الاستخدام السابق، والفن يمنحهما حياة جديدة.

تشاهدين كيف يتحوّل المعدن المهمل إلى عمل فني، وكيف يصبح الحجر المحلي رمزًا للإبداع العالمي. وكأن الملتقى يقول إن الفن يمكن أن يكون جميلًا… ومسؤولًا في الوقت ذاته.

مساران وتنوّع بصري مذهل

في الموقع، تلاحظين وجود مسارين واضحين للأعمال: مسار يعتمد على الجرانيت مع دمج الفولاذ المقاوم للصدأ أحيانًا، ومسار آخر يركّز على المعادن المعاد تدويرها.

هذا التنوع يخلق اختلافًا بصريًا مذهلًا. بعض الأعمال تبدو قوية وصلبة، أخرى ناعمة وانسيابية، بعضها يعكس الضوء، وبعضها يمتصه. وكأنكِ تتجولين داخل معرض متعدد المزاجات، لكن بروح واحدة.

العمل الصامت الذي يصنع الضجيج الفني في ملتقى طويق للنحت
العمل الصامت الذي يصنع الضجيج الفني في ملتقى طويق للنحت

حين يصبح المكان جزءًا من الفكرة

اختيار شارع التحلية ليس عشوائيًا. هذا المكان ارتبط تاريخيًا بأولى محطات تحلية المياه في الرياض، أي أنه شاهد على تحوّل بيئي وتقني سابق. واليوم، يعود ليكون مسرحًا لتحوّل فني وثقافي جديد.

وأنتِ تمشين هناك، تشعرين بأن المكان نفسه يشارك في العمل الفني. التاريخ، والذاكرة، والحاضر، والمستقبل… كلها تلتقي في مساحة واحدة.

فن يعيش بعد الملتقى

الأجمل أن هذه الأعمال لن تختفي بانتهاء الفعالية. جميع المنحوتات ستنضم لاحقًا إلى مجموعة الرياض آرت الدائمة، ليتم تركيبها في مواقع عامة مختلفة داخل المدينة.

أي أنكِ بعد أشهر، قد تمرّين بجانب إحدى هذه القطع في شارع أو حديقة، وتتذكرين: "أنا شاهدت هذه القطعة وهي تُصنع."

هذه العلاقة الشخصية بين الجمهور والعمل الفني هي ما يمنح التجربة عمقًا استثنائيًا.

في ملتقى طويق للنحت يبدأ الفن بالدقة
في ملتقى طويق للنحت يبدأ الفن بالدقة

ملتقى يتجاوز فكرة الحدث

منذ انطلاقه عام 2019، استضاف ملتقى طويق للنحت أكثر من 150 فنانًا، وأسهم في إنتاج أكثر من 150 عملًا دائمًا. لكنه لم يكن يومًا مجرد فعالية سنوية، بل مشروع ثقافي طويل الأمد يعيد تعريف علاقة المدينة بالفن.

هنا، لا يُستهلك الفن بسرعة، بل يُزرع في الذاكرة الحضرية، ليصبح جزءًا من المشهد اليومي للناس.

في ملتقى طويق للنحت، أنتِ لستِ زائرة عابرة. أنتِ شاهدة على ولادة فكرة، وعلى تحوّل مادة، وعلى لقاء ثقافات. أنتِ جزء من المشهد.

في ملتق طويق للنحت هنا، يصبح الفن تجربة إنسانية حيّة، لا تُعلّق على الجدران، بل تعيش بين الناس… وتكبر معهم.