خاص "هي": ليس ظهورا بل حضورا يتردّد صداه.. رؤية آية البكري وتجربة فاطمة عبد الهادي في بينالي تايبيه
لم يعد الوجود السعودي في البيناليات العالمية حدثا احتفاليا يُقاس بجرعة ظهور جديدة على خريطة الفن الدولي؛ فالمشهد تغيّر، والرؤية الثقافية تغيّرت معه. أصبح السؤال اليوم ينطلق من الداخل: بأي أدوات نحضر؟ وبأي خطاب؟ وإلى أي حد يمكن للعمل الفني السعودي أن يكون جزءا من النقاش العالمي من دون أن يفقد ارتباطه بجذوره؟
في هذا السياق تأتي مشاركة الفنانة فاطمة عبد الهادي في "بينالي تايبيه 2025"، حيث تضيف مشاركتها قراءة واضحة عن الاتجاه الذي يتشكّل الآن: عمل فني ينطلق من تجربة شخصية وحسية عميقة، لكنه يتطلع إلى جمهور عالمي. فعملها الجديد ينظر إلى الحديقة بوصفها مساحة للسكينة وإعادة التوازن، ودعوة للتأمل والتوقف عند ما يهمس به المكان.

ومع حضور فاطمة في تايبيه، يبرز دور مؤسسة "بينالي الدرعية" في تمكين هذا النوع من المشاركات الدولية، بوصفها جزءا من بناء مشهد فني سعودي حاضر بثقة على خريطة العالم. وتوضح آية البكري الرئيسة التنفيذية للمؤسسة: "ما تعلمناه خلال الأعوام الماضية هو أن عملنا لا يحقق الأثر المطلوب من خلال حدث واحد، بل من خلال بناء منظومة متكاملة تنتج مبادرات هادفة ومستدامة على مختلف الصعد الثقافية، وتخلق فرصا للحوار والتعاون بين المجتمع الفني المحلي والدولي".
وترى البكري أن الأثر الحقيقي يظهر عندما تصبح مشاركة الفنانين السعوديين في المحافل العالمية أمرا طبيعيا ومعتادا. وتضيف: "نحن هنا لنبني حوارا طويل المدى يعكس غنى التجربة السعودية وتنوعها، ويمكّن الفنان السعودي ليكون جزءا فاعلا في الحركة الفنية العالمية".

ويتصل ذلك مباشرة بآلية اختيار الفنانين داخل المؤسسة، حيث توضح: "الفنان الذي يحمل ذاكرة مجتمعه ويتفاعل مع تحوّلاته، وفي الوقت نفسه يملك لغة فنية تصل إلى العالم، هو الفنان الذي يجد صدى دوليا حقيقيا". وتشير إلى أن هذا النهج يضع العمل نفسه في المقدمة، بحيث تأتي المشاركة الدولية انعكاسا لتطور الممارسة لا لاعتبارات شكلية أو استعراضية. وتؤكد البكري أن توفير الفرص للفنانين السعوديين محور رئيس في العمل المؤسسي، قائلةً: "تجلّى ذلك في دعمنا للعديد من الفنانين لعرض أعمالهم في بيناليات البندقية وليون وتايبيه". هذا النهج كما تصفه يعزز تبادلا معرفيا أعمق، ويخلق طرقا جديدة لفهم الثقافة السعودية على مستوى عالمي.
ضمن هذا الإطار، تأتي مشاركة فاطمة كحضور سعودي مبني على رؤية لا على تمثيل رمزي. عملها الجديد What Remains: Stay as Long as You Can يأخذ شكل تركيب حسي يدخل فيه الزائر إلى "حديقة" من طبقات الطباعة الحريرية المعلّقة في الفضاء، تتحرك مع خطواته وتسمح للنور بالمرور بينها، كأنها طبقات من زمن متراكم. هنا، تتباطأ الحركة، ويُستدعى المشاهد إلى التوقف، واستيعاب ما يتركه الغياب من أثر.
وتشرح فاطمة فكرتها قائلة: "الحديقة ليست مكانا؛ بل استعارة للتأمل والشفاء وعلاقة الإنسان بالطبيعة". هذا الامتداد يأتي بعد عملها السابق I Wish You in Heaven، لكن التحول هنا واضح من المشي كجزء من التعافي، إلى البقاء مع الذاكرة نفسها.

وتتابع حديثها عن جوهر العمل بقولها: "الذاكرة تتحرك، تتبدل، وتعود بشكل مختلف في كل مرة". لذلك تمنح للحواس الدور الأول: طبقات الطباعة كمسار زمني يلتف حول الجسد، بينما تتقدم رائحة الريحان لتقود التجربة من الداخل. وتقول: "كانت والدتي دائما تردد أن رائحة الريحان هي رائحة الجنة" رائحة تقود المشاهد مباشرة إلى مساحة حميمة بين الماضي والحاضر.
وتصف البكري حضور فاطمة بقولها: "ممارستها تتميز بالعمق البحثي والقدرة على استكشاف موضوعات معقدة من منظور معاصر. عملها يتخطى حدود السياق المحلي ليصل إلى جوهر التجربة الإنسانية المشتركة". وتضيف: "نحن ندعم الفنانين القادرين على تقديم إضافة حقيقية للحوار العالمي، مع إبقاء جذورهم حاضرة في أعمالهم".
ومع اتضاح ملامح عمل فاطمة، تتجه القراءة نحو البعد الأوسع: ما الذي يجعل هذه المشاركات تثبّت حضور السعودية عالميا؟ تجيب البكري: "الجاهزية مسألة نضج فكري وبحثي ورؤية قادرة على الإضافة". وتكمل: "هناك الكثير من المواهب الشابة والمخضرمة في السعودية ممن نرغب في دعمهم وتمكينهم من تمثيل المملكة بأفضل صورة".
وتختم مؤكدة القيمة الاستراتيجية لهذا المسار: "كل صوت سعودي يصل إلى المنصات الدولية يقدم شهادة حية على نضج المشهد الفني، ويفتح أبواب تعاون وتبادل ثقافي جديد". وتختم: "المشاركة الدولية ليست غاية نهائية، بل هي جزء أساسي من تطوير بنية إبداعية مستدامة تدعم الفنانين المخضرمين والناشئين على حد سواء".
