غي مانوكيان

الموسيقى تتعدى الصوت.. "هي" في رحلة بين الحواس والإبداع مع الموسيقار غي مانوكيان

ليندا عيَاش
16 ديسمبر 2025

في عالم الموسيقى، لا يقتصر الإبداع على النغمات وحدها، بل يمتد ليشمل كل حواس الفنان. في هذا اللقاء، نُحاور الموسيقار وعازف البيانو اللبناني الأرمني غي مانوكيان، الذي يأخذنا في رحلة داخل تجربته الموسيقية الفريدة، حيث تتشابك حواس السمع والبصر واللمس، وتلتقي الذكريات والطاقة اللحظية للجمهور، لتشكل تجربة حسّية متكاملة. من تأليف المقطوعات إلى العروض الحية، يكشف مانوكيان كيف تتحول الموسيقى من مجرد أصوات إلى لغة يعبّر بها عن ذاته، وكيف تصبح كل لحظة أمام البيانو حوارا حيّا بين الفنان والجمهور.

غي مانوكيان

بداية، كيف تعرف علاقتك بالحواس كموسيقي ومؤلف؟ هل تعتمد على حاسة معينة أكثر من غيرها أثناء العمل؟

الموسيقى بالنسبة إلي تجربة حسية متكاملة، لا تقتصر على السمع فقط. لكن يمكن القول إن أكثر حاستين أعيشهما بعمق هما السمع واللمس. السمع هو ما يوصلني إلى جوهر الموسيقى، أما اللمس، فهو ما يمكنني من التعبير عنها. بالنسبة إلي، البيانو ليس مجرد آلة موسيقية، بل هو امتداد ليدي وإحساسي.

حاسة السمع هي جوهر تجربة الموسيقي، لكن كيف تتعامل أنت مع السمع بصفته مصدرا للإلهام وليس فقط وسيلة تقنية؟

السمع بالنسبة إلي ليس تقنية، بل هو عاطفة خالصة. أستمع إلى الحياة من حولي كما لو أنها مقطوعة موسيقية تتكون باستمرار. فمن صوت المطر، إلى الضحكات العابرة، وحتى الصمت أحيانا يحمل لي الأفكار. ليست كل الأصوات نغمة، فبعضها يحمل روحا تلهمني بعمق.

هل هناك أصوات في حياتك اليومية كضجيج المدينة، أو البحر، أو أصوات الناس تجد نفسك متأثرا بها موسيقيا؟

بالتأكيد. ضجيج بيروت مثلا أصبح جزءا من اللحن الذي يرافق حياتي. البحر يفتح لي أفقا واسعا، ويمنحني عمقا في النفس الموسيقي. حتى أصوات الشوارع، والأذان، وأجراس الكنائس.. جميعها تشكل نسيجا موسيقيا يسكن داخلي ويغذي إلهامي.

أثناء التأليف، هل تسمع النغمات في ذهنك قبل أن تعزفها؟ وكيف تتأكد أن ما تسمعه داخليا سيتجسد بالطريقة نفسها حين تعزف أمام الجمهور؟

دائما أسمع النغمة في ذهني قبل أن ألمس البيانو. تكون واضحة تماما في خيالي، ثم أحاول ترجمتها بأناملي. أحيانا تظهر كما تخيلتها انا واحيانا تضيف الحياة إليها شيئا جديدا. فالموسيقى الحقيقية برأيي لا تبقى جامدة بل تعيش وتتطور أمام الجمهور.

في حفلاتك، نلاحظ اهتماما كبيرا بالإضاءة والعرض البصري. ما الدور الذي يلعبه البصر في تجربتك الموسيقية؟

البصر يكمل السمع، فلا أستطيع تقديم الموسيقى من دون صورة ترافقها. الإضاءة، والمشهد، والطاقة جميعها عناصر تكمل القصة. أريد للجمهور أن "يرى" الموسيقى كما "يسمعها"، لأن التجربة البصرية جزء لا يتجزأ من الإحساس الموسيقي.

هل ترى الموسيقى كألوان أو أشكال في ذهنك؟ بمعنى آخر، هل هناك نوع من "التصوّر البصري" يرافق كل لحن؟

بالتأكيد. لكل نغمة لونها الخاص. هناك نغمة تذكرني بالذهبي، وأخرى بالأزرق الداكن. أعيش الموسيقى بصريا كما لو أنها لوحة تتلون أمامي، حيث يمتزج الصوت باللون ليصنعا معا إحساسا متكاملا.

عندما تصمم عرضا حيا، كيف توازن بين ما يُرى وما يُسمع حتى لا تطغى الصورة على الصوت؟

هنا تكمن الدقة في العمل. فالصورة يجب أن تعزز الصوت لا أن تطغى عليه. أسعى دائما لأن يخدم البصر الموسيقى، لا أن يسرق منها الضوء. كما أقول دائما: "العيون تفتح الأذن"، فالمشهد البصري الجميل يهيئ الجمهور أو المتلقي للإصغاء بعمق أكبر.

غي مانوكيان

اللمس جزء أساسي من تجربة العزف، وخاصة في العزف على البيانو. هل تشعر بأن كل آلة تفتح لك إحساسا مختلفا؟

بالتأكيد، فكل بيانو يمتلك روحه الخاصة. اللمسة تغير كل شيء. هناك بيانو أشعر تجاهه بالدفء والحنان، وآخر يبدو أكثر حدّة أو صرامة، لكن هذا الاختلاف يخلق بيني وبينه حوارا فنيا مميزا.

كيف تؤثر طبيعة المفاتيح، أو ملمس الآلة، في طريقتك بالتعبير؟

الملمس هو لغة بحد ذاته. المفاتيح الثقيلة تدفعك إلى الصدق في الأداء، أما المفاتيح الخفيفة فتمنحك إحساسا بالتحرر والطيران. وأنا أتنقل بينهما تبعا للحالة المزاجية والمقطوعة التي أؤديها.

أثناء الحفلات، هل يعتمد أداؤك على الإحساس اللحظي بالجمهور والطاقة المحيطة بك؟

بالتأكيد، فالجمهور هو المايسترو الحقيقي. حين تكون الطاقة عالية، أعزف بشغف أكبر، وحين أشعر بالهدوء والتركيز العميق لديهم، أقدم أداء أكثر تأملا وعمقا. العزف الحي بالنسبة إلي ليس عرضا منفردا، بل حوار متبادل بيني وبين الجمهور.

بعض الفنانين يربطون الموسيقى بالذكريات أو الروائح التي تحفز الذاكرة. هل حدث أن ارتبطت لديك مقطوعة برائحة أو مكان معين؟

نعم، فقد كتبت إحدى مقطوعاتي أثناء وجودي في أرمينيا، وكلما أعزفها أشعر برائحة المطر وهواء الصباح البارد هناك. فالذكريات لا تحفظ فقط بالصور، بل بالروائح أيضا، وهو ما يجعل التجربة الموسيقية أكثر عمقا وارتباطا بالمكان.

هل ترى أن الحواس الأخرى، مثل الشم أو الذوق، يمكن أن تلهم مؤلفا موسيقيا وإن لم يكن تأثيرها مباشرا؟

بالتأكيد، فالإبداع هو تفاعل مستمر. قد تفتح رائحة معينة بابا لإحساس خاص، أو يذكرك طعم بشيء ما، ومن هناك تنطلق فكرة موسيقية جديدة. كل الحواس يمكن أن تكون مصدرا للإلهام، حتى لو لم يكن تأثيرها مباشرا في الأداء الصوتي نفسه.

ما الحاسة التي تشعر بأنها تتفعّل أكثر عندما تكون على المسرح أمام الجمهور؟

أكثر ما يتفعل هو الإحساس الداخلي. أعيش كل شيء في حالة واحدة متكاملة: أسمع، أرى، ألمس، لكن الأهم أنني أشعر بالموسيقى بكل كياني.

هل يمكن أن نقول إنك "تشعر" بالموسيقى أكثر مما "تسمعها" أثناء العزف الحي؟

بالتأكيد. حين أغرق في العزف، لا أسمع النغمة بأذني، بل أشعر بها في قلبي. تتحول الموسيقى إلى نبض داخلي أكثر من كونها صوتا فقط.

كيف تلتقط تفاعل الجمهور؟ هل تعتمد على نظراتهم، أو حركاتهم، أو الطاقة العامة في المكان؟
ألتقط كل شيء: نظرة شخص، دمعة في عيون أحدهم، تصفيقة عفوية.. كل ذلك يمدني بالطاقة. العزف بالنسبة إلي ليس تقديما منفردا، بل هو حوار مستمر مع الجمهور.

عندما تبدأ العمل على مقطوعة جديدة، هل تفكر أولا بالإحساس الذي تريد نقله، أم تبدأ من لحن، وتترك الإحساس يتكوّن تدريجيا؟

بصراحة، الإحساس يأتي أولا. في لحظة صادقة ومباشرة، ينبع شعور حقيقي، ومن ثم يظهر اللحن ليترجم هذا الإحساس. الموسيقى تنمو وتخلق نفسها حين تكون المشاعر صادقة.

كيف تعرف أن العمل اكتمل؟ هل هو قرار عقلي أم إحساس داخلي؟

الإحساس الداخلي هو الفيصل. تشعر في لحظة معينة بأن القصة اكتملت، فتقول: "هذا كل ما أستطيع إضافته، لا مزيد من النغمات"، عندها تعرف أن العمل وصل إلى نهايته.

برأيك، هل الموسيقى اليوم فقدت شيئا من بُعدها الحسي بسبب التطور التكنولوجي؟

نعم، إلى حد ما. التكنولوجيا قربتنا من كل شيء، لكنها أبعدتنا أحيانا عن الإحساس المباشر. ومع ذلك، إذا خرجت الموسيقى من قلب صادق، فإنها تصل إلى المستمع ولو عبر شاشة.

Credits

    تصوير: لارا زنكول