خاص بـ "هي": التقدير العميق لجوهر الحِرف اليدوية.. تجربة الفنانة جنى ملائكة في إقامة الخوص الفنية
مثل برنامج إقامة الخوص الفنية إحدى برامج مبادرة "الخوص" التي أطلقها مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) لإعادة ابتكار حرفة متجذرة في تاريخ المملكة، وجمع برنامج الإقامة الفنية بين الحرفيين والمصممين لاستكشاف تفسيرات معاصرة لتراث شجرة النخيل، حيث يستند إلى الجذور التقليدية وينطلق منها برؤية مستقبلية، بهدف دمج التراث مع الابتكار.. وكانت الفنانة البصرية والمصممة والباحثة السعودية جنى ملائكة، إحدى المشاركات في البرنامج، والتي أكدت في حوارها الخاص مع "هي" بأن هذه المشاركة مثلت تجربة غنية وراسخة للغاية، مشيرة إلى أهمية تقدير جوهر الحِرف اليدوية، فهذا التفاعل الحسي يدعو إلى البطء، والتأمل، والاكتشاف، ويسمح بظهور أفكار وتقنيات جديدة قد لا تظهر رقمياً، ما حول تركيزها نحو الاتصال والتجربة واستكشاف المادة مع دمج الأساليب المعاصرة والأدوات الرقمية.. لنتعرف على تفاصيل تجربة الفنانة جنى ملائكة في إقامة الخوص الفنية، من خلال هذا الحوار معها:
كيف كانت تجربتكِ في برنامج إقامة الخوص الفنية، وما الذي جذبكِ للمشاركة فيه؟
كانت تجربة الإقامة تجربة غنية وراسخة للغاية. أتاحت لي فرصة التواصل بشكل عميق مع شجرة النخيل، والتعرف على مادتها، ورموزها، وصلتها بأرضنا.. تعلّمي الحرفة التقليدية للنسج على يد الحرفيات منحني فهماً أعمق وتقديراً أكبر للصنعة ودورها في الحفاظ على تراثنا.
في عملي الإبداعي، أسعى دائماً لتجربة طرق جديدة في الصُنع والتفكير، وكانت المشاركة ضمن مجتمع من المبدعين في برنامج الإقامة دعماً مهماً لذلك.. اللقاء والتعلم مع مقيمين من خلفيات متنوعة فتح مساحة للتعاون العابر للثقافات، وخلق فرص للتأمل وتبادل الأفكار.
شجعني تصميم البرنامج على التفكير في هويتي، وأسباب صناعتي، وكيف يشكّل الفضول والتساؤل عملي الإبداعي.. هذه التجربة لم تمنحني تقنيات جديدة فحسب، بل خلقت طرقاً جديدة للرؤية والتفكير، وذكّرتني بأن عملية الإبداع تمنحنا القدرة على التواصل والانتماء إلى المكان والبيئة والمجتمع.
جاء البرنامج ليجمع بين الحرفيين والمصممين لاستكشاف تفسيرات معاصرة لتراث النخيل.. كيف انعكس هذا الدمج على عملكِ الفني أو أسلوبكِ الإبداعي؟
قام البرنامج بدمج التعلم بين الحرفيين والمبدعين المعاصرين بشكل مدروس، بدءاً من المعماريين إلى الفنانين ومصممي الأزياء.. كل محاضرة، حديث، ورشة عمل، ونقاش، فتح آفاقاً وطرقاً وأساليب جديدةَ الصُنع، مما خلق بيئةً حية تشجع على التبادل الثقافي والفني.
من خلال هذا الدمج.. استطعت أن أرى كيف يمكن للتقنيات التقليدية والتصميم المعاصر أن تتلاقى وتثري بعضها البعض. تعلّمي حرفة الخوص علّمني أهمية الصبر والحضور أثناء الصُنع.. وأدركت مدى أهمية خوص النخيل كجزء لا يتجزأ من ثقافتنا، فهو أكثر من مجرد تقنية؛ إنه وسيلة للتواصل مع مجتمعاتنا وتراثنا.
العمل باليد والتركيز على المادية، إلى جانب التعلم من مصممين معاصرين يستخدمون التكنولوجيا، جعلني أعي كيف يمكن لكلا الممارستين أن تتعايش وتقوّي بعضها البعض. ذكّرتني هذهِ الحرف بأهمية الإحساس بالمواد والتفاعل معها.. في عالم مفرط في الرقمنة، من الضروري ألا نفقد جوهر الحِرف اليدوية.. هذا التفاعل الحسي يدعو إلى البطء، والتأمل، والاكتشاف. العمل بهذه الطريقة يسمح بظهور أفكار وتقنيات جديدة قد لا تظهر رقمياً، وقد حول هذا تركيزي نحو الاتصال والتجربة واستكشاف المادة مع دمج الأساليب المعاصرة والأدوات الرقمية.
ما أبرز التقنيات أو الأفكار الجديدة التي اكتسبتها خلال فترة الإقامة، وكيف أثرت في رؤيتكِ الفنية؟
فتحت الإقامة آفاقاً جديدة للتفكير والرؤية. بدأت أتأمل كيف يمكن للمس والشعور أن يسمحا لنا بتكوين علاقات واتصالات جديدة مع نخلة.. فالنخلة بمثابة وثيقة حية للزمن والنمو والتحول، تحمل قصصاً وملمساً وأشكالاً تتحدث عما مضى. بدأت في استكشاف كيف يمكن للمس أن يصبح جزءاً من عملي، كوسيلة للتوثيق والفهم.
أصبح فعل الصنع نوعاً من النحو، حيث تتم الكتابة من خلال اللمس.. أرغب في بناء أرشيف حي، حيث يعمل الإحساس واللمس كطرق للتوثيق والحفظ والتذكر. وكان هذا من أهم الأفكار التي طورتها خلال الإقامة، فهم اليد كأداة للذاكرة، والمادة كحافظة للقصص.
كما أتاحت لي هذه التجربة توسيع أبحاثي الحالية حول المجتمعات في مدينة الخبر وعلاقتها بالنخيل. من خلال ما تعلمته وفهمي للنخلة، أسعى لاستكشاف جوهرها وعلاقتنا بها ضمن السياق الحضاري، بما يتجاوز حضورها الجمالي فقط. بدأت أتساءل عن كيفية الحفاظ على الأشجار وحمايتها، بنفس الطريقة التي حمتنا بها على الدوام.
في ظل التغيرات الحالية، تبدو هذه التساؤلات حساسة للإجابة عليها. فالنخلة تحمل معنى يتجاوز شكلها المادي؛ فهي ترتبط ببيئتنا ومجتمعنا واقتصادنا وهويتنا، وتشكل إحساسنا بالانتماء. أصبحت هذه التأملات بذوراً لمشاريع جديدة تتجاوز الاستكشاف الشخصي لتشمل الجماعة والمجتمع والارتباط المشترك.
من خلال تعاونكِ مع الحرفيين المحليين والدوليين.. كيف ترين أهمية هذا التبادل الثقافي في تطوير المشهد الفني المحلي؟
أظهرت لي التجارب المشتركة مع الحرفيين المحليين والدوليين القيمة الحقيقية للتبادل الثقافي في تطوير المشهد الفني المحلي. فمشاركة الأفكار والاستماع للقصص وتمرير المعلومات والتقنيات والخبرات تسمح للمعرفة بالانتشار بدلاً من الاحتفاظ بها لنفسك. إن التعاون يبني فهماً جماعياً ويخلق مرجعاً للأجيال القادمة يمكنهم النظر إليه والتأمل فيه والاستلهام منه.
كما علمني العمل مع الحرفيين المحليين أن التراث حي وليس ثابتاً. نتعلم منه، نحترمه، ونعيد تفسيره بطريقتنا الفنية الخاصة، مع الاستمرار في تمريره للأجيال القادمة.
تعلمي لأجزاء النخلة المختلفة، ودورات حياتها، واحتياجاتها للنمو والازدهار، وكيفية تجهيز سعفها للنسج، كشف لي عن النخلة كجزء من منظومة أكبر، من الأرض إلى المزارعين إلى الحرفيين. هذا الشعور بالدورة هو ما أحمله في ممارستي، إذ أرى المواد والعمليات ليست كأشياء معزولة، بل كجزء من نظام جماعي.
ومن خلال التعاون المتنوع خلال الإقامة، أدركت كيف يسهم هذا في استدامةٍ ثقافية واجتماعية، سواء في الحرف التقليدية أو الممارسات المعاصرة. إنه يتيح لعملي التواصل مع المجتمعات، والتعاون مع مبدعين من خلفيات مختلفة والمساهمة في دورة من الصنع لتوسع الأفكار والأساليب. إن التبادل الثقافي في هذا السياق أساسي لنمو المشهد الفني المحلي وازدهاره مع الحفاظ على صلته بالتراث واستكشاف مسارات جديدة.
بعد هذه التجربة.. كيف تخططين لتوظيف ما تعلمته من البرنامج في أعمالكِ المستقبلية أو مشاريعكِ القادمة؟
أخطط لتطبيق أساليب جديدة في الإبداع في أعمالي المستقبلية. فقد تعلمت من كل مقيم في البرنامج شيئاً جديداً، سواء من ممارساتهم، تقنياتهم، قصصهم، أو وجهات نظرهم، وأرغب في الاستمرار بغمر نفسي في طرق بديلة للتعلم والإبداع.
الانغماس الكامل في مزارع النخيل بالأحساء سمح لي بالتفكير في علاقتي بالنخلة في السياق الحضاري. أرغب في استكشاف هذا الاتصال بشكل أعمق من خلال منظور اجتماعي وثقافي وبيئي، مع الاستفادة من تجاربي في فهم المادة، والصبر، والوجود، وفعل الصنع. أريد أن أستكشف كيف يمكن للمس والإحساس أن يصبح وسيلة لتوثيق وحفظ البيئة.
تأمل النخيل في الخبر جعلني أفكر في ديمومة وعدم ديمومة الأشجار. أرغب في إشراك المجتمع، وتحفيز التأمل والاتصال والصنع، واستخدام طرق توثيق تقليدية لتوسيع ممارستي لتصبح تجربة جماعية.
من خلال تطبيق ما تعلمته في الإقامة، أرغب أن ترتبط مشاريعي المستقبلية بالناس والمكان والمادة بطرق تجريبية وتأملية، ومتوافقة بشكل عميق مع بيئتنا ومحيطنا.