خاص "هي": مراجعة The Devil Wears Prada 2.. حين تصبح هيبة ميرندا بريستلي موضةً قديمة!

خاص "هي": مراجعة The Devil Wears Prada 2.. حين تصبح هيبة ميرندا بريستلي موضةً قديمة!

11 مايو 2026

لا تستطيع هوليوود مقاومة إغراء الحنين. الأجزاء الثانية المتأخرة دائمًا ما تحمل مشكلة معقدة: كيف تعيد شخصيات أصبحت أيقونية إلى عالم لم يعد كما كان، دون أن تبدو مجرد نسخ باهتة من الأجزاء الأولى؟ هنا تحديدًا يجد The Devil Wears Prada 2 زاويته الأكثر ذكاءً. الفيلم لا يتعامل مع عودة ميرندا بريستلي (ميريل ستريب) بوصفها احتفالًا بالماضي فقط، بل بوصفها مواجهة متأخرة مع حاضر لم يعد يعترف بالقواعد القديمة التي صنعت هيبتها أصلًا. عالم الموضة الذي كان يقوم على المجلات الورقية، الأسماء الكبيرة، والخوف من سلطة المحررين، أصبح اليوم خاضعًا لخوارزميات تيك توك، والتريندات السريعة، والمؤثرين الذين يصنعون ضجيجًا أكبر من موهبتهم… ثم يختفون مع التريند التالي.

The Devil Wears Prada 2

الأناقة خلف الواجهة

أذكى ما يفعله الفيلم أنه يتوقف مبكرًا عن التعامل مع الموضة بوصفها مجرد ديكور بصري فاخر، ويحوّلها إلى صناعة تشعر بالخوف الحقيقي من الزوال. الصراع هذه المرة لا يدور فقط حول موظفة جديدة تنهار تحت ضغوط ميرندا بريستلي، بل حول عالم كامل يحاول النجاة من التحول الرقمي العنيف. المجلات الورقية تبدو هنا كأنها بقايا عصر كانت فيه الموضة تُصنع داخل المكاتب… لا عبر فيديو مدته 15 ثانية.

الفيلم يلتقط هذا التحول بذكاء، خصوصًا في المشاهد التي تبدو فيها ميرندا وكأنها تحارب الزمن نفسه أكثر مما تحارب منافسيها.

The Devil Wears Prada 2
ميريل ستريب في The Devil Wears Prada 2

عودة آندي (آن هاثاواي) لا تأتي بوصفها تكرارًا لمسار الجزء الأول، بل كشخصية أكثر وعيًا بثمن هذه الصناعة. لم تعد الفتاة المندهشة التي تدخل عالم الموضة للمرة الأولى، بل امرأة اختبرت اللعبة من الداخل وعادت إليها بحذر مختلف. أما إيميلي (إيميلي بلانت)، التي كانت في الماضي تجسيدًا للكوميديا العصبية والطموح العدواني، فتتحول هنا إلى شخصية أكثر نضجًا… وربما أكثر إنهاكًا. الشخصيات جميعها تبدو وكأنها تدرك أن النظام الذي منحهم كل هذا البريق… بدأ يتصرف كأنه لم يعد يراهم أصلًا.

ش
The Devil Wears Prada 2

امرأة لا تتراجع

ما تزال ميريل ستريب تمتلك تلك القدرة النادرة على تحويل أقل حركة إلى لحظة درامية كاملة. نظرة قصيرة، صمت محسوب، أو جملة تُقال بنبرة باردة كافية لأن تُجسد حضور شخصية ميرندا بريستلي بكل سلطتها القديمة. لكن الأداء هذه المرة يحمل شيئًا إضافيًا: شعورًا خفيًا بالإرهاق. ليست ميرندا الضعيفة بالطبع، فالفيلم أذكى من أن يحطم أسطورته الأساسية، لكنه يسمح للمشاهد بأن يرى للمرة الأولى امرأة تدرك أن العالم لم يعد يرتبك لدخولها الغرفة كما كان يفعل يومًا.

وهنا يكمن الفارق الحقيقي بين الجزءين. في الفيلم الأول، كانت ميرندا تمثل السلطة المطلقة داخل عالم الموضة، كأنها جزء من نظام لا يمكن هزيمته. أما هنا، فهي تبدو كإحدى آخر الناجيات من ذلك النظام. لا تخسر هيبتها، لكنها تخسر مركزية العالم الذي صنعت فيه هذه الهيبة. ولهذا تبدو مواجهاتها مع الإعلام الرقمي، والتريندات الجديدة، وحتى مع الموظفين الأصغر سنًا، أقرب إلى مواجهة بين عالم كان يقدّس الهيبة… وعالم لا يملك وقتًا أصلًا ليرفع عينيه عن الهاتف.

الفيلم ينجح أيضًا في عدم تحويل ميرندا إلى ضحية سهلة للزمن. لا يحاول استعطاف المشاهد بالكامل، بل يحافظ على تناقض الشخصية: قاسية، متطلبة، أنانية أحيانًا، لكنها أيضًا امرأة بنت إمبراطوريتها داخل صناعة لا ترحم أحدًا. وهذا التوازن هو ما يمنح الأداء ثقله الحقيقي. فميرندا لا تبدو كرمز للماضي فقط، بل كشخصية تدرك أن المشكلة ليست أنها لم تعد تخيف العالم كما كانت… لا لأنها أصبحت أضعف، بل لأن العالم نفسه صار أكثر تفاهة من أن يخاف.

ميريل ستريب امرأة لا تتراجع
ميريل ستريب امرأة لا تتراجع

آندي وإيميلي… بعد الضجيج

واحدة من أذكى قرارات الجزء الثاني أنه لا يحاول إعادة العلاقة بين آندي وإيميلي إلى نقطة الصفر، ولا يتعامل معهما كنسختين محفوظتين من شخصيتيهما القديمة فقط لإرضاء الحنين. الفيلم يفهم أن مرور كل هذه السنوات يجب أن يترك أثره، ليس على شكل الشخصيات فحسب، بل على طريقة نظرتهما للعالم نفسه. لهذا تبدو اللقاءات بين آن هاثاواي وإيميلي بلنت أقل صخبًا من الجزء الأول… وأكثر إنسانية.

في الماضي، كان التنافس بينهما قائمًا على الطموح والخوف والرغبة في البقاء داخل دائرة رضا ميرندا. أما هنا، فهناك شعور واضح بأن الشخصيتين خرجتا من تلك الحرب القديمة بشعور يُشبه شعور أشخاص قضوا سنوات طويلة يركضون… ثم اكتشفوا أنهم لا يعرفون لماذا كانوا يركضون أصلًا. آندي لم تعد تلك الفتاة التي تحاول إثبات نفسها بأي ثمن، وإيميلي لم تعد السكرتيرة العصبية التي تقيس قيمتها بعدد المكالمات التي ترد عليها في الدقيقة. الاثنتان تبدوان أكثر نضجًا… لكن أيضًا أكثر وعيًا بثمن هذا النضج.

آندي وإيميلي… بعد الضجيج
آندي وإيميلي… بعد الضجيج

الفيلم يلتقط هذا التحول في التفاصيل الصغيرة أكثر من المواجهات المباشرة. نظرات التفاهم العابرة، الأحاديث العابرة حول الحياة الشخصية، المزاح الذي يخفي احترامًا متبادلًا، وحتى لحظات الصمت القصيرة، كلها تقول إن العلاقة بين الشخصيتين لم تعد قائمة على الغيرة بقدر ما أصبحت قائمة على إدراك مشترك لطبيعة العالم الذي عاشتا داخله.

الكيمياء بين هاثاواي وبلنت تظل واحدة من أهم أسباب متعة الفيلم، لكن يظل الشعور بإقحام شخصية إيميلي داخل الفيلم حاضرًا.

هاثاواي
ان هاثاواي في The Devil Wears Prada 2

الحنين يرتدي برادا

منذ مشاهده الأولى، يتعامل الفيلم مع جمهوره بوعي شديد. هو يعرف تمامًا لماذا عاد الناس إلى هذا العالم بعد كل هذه السنوات، ويعرف أيضًا أن جزءًا كبيرًا من المتعة لا يتعلق بالقصة نفسها، بل بالرغبة في استعادة الإحساس القديم: مكاتب مجلة Runway الباردة، الأزياء التي تبدو كأنها خُلقت للمشاهدة فقط… لا ليقترب منها أشخاص عاديون، نظرات ميرندا الصامتة، والإيقاع العصبي لعالم يعيش على التوتر والأناقة معًا. ولهذا يبدو الإخراج، بقيادة ديفيد فرانكل، أقل اهتمامًا بإعادة اختراع الفيلم الأول… وأكثر اهتمامًا بإعادة خلق موده.

هذا واضح خصوصًا في الطريقة التي يتعامل بها الفيلم مع الصورة. الملابس ما تزال العنصر الأكثر حضورًا داخل الكادر، ليس بوصفها استعراضًا فارغًا فقط، بل كلغة اجتماعية كاملة. الأزياء هنا لا تعكس الذوق بقدر ما تعكس السلطة، والفوارق الطبقية، ومحاولات الشخصيات المستمرة لإخفاء ارتباكها الداخلي خلف مظهر متماسك. الفيلم ينجح مرة أخرى في تحويل الموضة إلى وليمة بصرية حقيقية، خصوصًا في مشاهد نيويورك وميلانو.

الحنين يرتدي برادا
الحنين يرتدي برادا

لكن هذا الانبهار البصري يكشف أحيانًا مشكلة الفيلم الأساسية: خوفه المستمر من كسر صورته الأنيقة. الإخراج ناعم أكثر من اللازم، حذر في لحظات كان يمكن أن تصبح أكثر قسوة أو توترًا. حتى الصدامات الكبرى تمر بإيقاع محسوب بعناية، كأن الفيلم يتعامل مع الحنين بحذر شخص يخشى كسر مقتنياته القديمة الغالية. ولهذا تبدو بعض المشاهد، رغم جمالها، أقرب إلى إعادة تقديم محسّنة للجزء الأول… لا محاولة حقيقية لتجاوزه.

المونتاج بدوره يحافظ على هذا الإيقاع المريح. النصف الأول تحديدًا يستغرق وقتًا طويلًا في إعادة تقديم الشخصيات والعالم، قبل أن يبدأ الصراع الحقيقي في التحرك. ورغم أن هذا البطء يسمح للمشاهد بالعودة التدريجية إلى أجواء الفيلم، فإنه يجعل البداية أقل حدة مما ينبغي. أما الموسيقى فلا تعزف ألحان التوتر الدرامي بقدر ما تصنع شعورًا ببهجة العودة إلى عالم ميرندا بريستلي.

أكثر هدوءًا

المشكلة الأساسية في The Devil Wears Prada 2 ليست أنه فيلم سيئ، بل هو فيلم واعٍ أكثر من اللازم بثقل الجزء الأول. هذا الوعي يمنحه قدرًا من الذكاء والحذر، لكنه يضعه أيضًا داخل منطقة آمنة لا يغادرها كثيرًا. الفيلم يريد إرضاء الجمهور القديم، واستعادة الشخصيات المحبوبة، وتحديث الصراع ليتناسب مع عصر المنصات والذكاء الاصطناعي… لكنه نادرًا ما يغامر بهدم الصورة التي يحملها المشاهد عن هذا العالم فعلًا.

لهذا يشعر المتفرج أحيانًا أن الفيلم يعيد تدوير بعض أفكار الجزء الأول بصيغ أكثر هدوءًا وأقل قسوة. عودة المهام المستحيلة التي تفرضها ميرندا، وضغوط العمل المجنونة، والانبهار بعالم الموضة، كلها عناصر ما تزال ممتعة، لكنها لم تعد تحمل نفس الصدمة أو القسوة التي جعلت الجزء الأول يبدو مختلفًا في وقته. الفيلم هذه المرة يبدو أكثر ترويضًا.

ما هي المشكلة الأساسية في The Devil Wears Prada 2؟
ما هي المشكلة الأساسية في The Devil Wears Prada 2؟

حتى بعض الشخصيات تعاني من هذا الحذر. نايجل (ستانلي توتشي)، مثلًا، الذي كان يمثل في الفيلم الأول قلبًا إنسانيًا ساخرًا داخل عالم Runway القاسي، يبدو غيابه العاطفي أكبر من غيابه الفعلي عن المشاهد، وكأن السيناريو لا يعرف تمامًا ماذا يفعل به بعد سنوات الغياب الطويلة. كذلك تبدو شخصية إيميلي أحيانًا وكأنها موجودة لأن الجمهور يحبها، لا لأن القصة تحتاج حضورها فعلًا بنفس المساحة.

أما النهاية، فرغم دفئها العاطفي، فتبدو آمنة أكثر من اللازم. الفيلم يقترب أحيانًا من لحظات كان يمكن أن تصبح أكثر مرارة أو جرأة، لكنه يتراجع في اللحظة الأخيرة لصالح نهاية مُرضية ومريحة أكثر مما ينبغي.

فيلم  The Devil Wears Prada 2؟
فيلم  The Devil Wears Prada 2؟

الفيلم يتوقف في مشاهد لتقديم نصائح في أخلاقيات القيادة، كأنها فواصل مقحمة من المواعظ. كأن المشاهد لا يُدرك سلبيات شخصية ميرندا رغم كاريزميتها السينمائية. هذا الموقف الحذر من التورط في تجميل التنمر المهني جعل الفيلم باهتًا دراميًا، ونزع منه لمسات السخرية والقسوة التي صنعت أسطورة الجزء الأول.

قد لا يمتلك الجزء الثاني نفس التأثير الثقافي العنيف الذي صنع أسطورة الفيلم الأصلي، وربما لن يتحول إلى أيقونة جديدة بالطريقة نفسها، لكنه ينجح في شيء آخر… أكثر نضجًا: تحويل الحنين إلى مواجهة مع مرور الزمن، لا مجرد احتفال دافئ بالماضي.

الصور من الموقع الرسمي للفيلم و 2026 20th Century Studios ووكالة Getty

ناقد فني وكاتب صحافي متخصص في الثقافة والسينما والدراما، يكتب مقالات نقدية في صحف ومؤسسات إعلامية عربية.