العلا بعد الغروب… مطاعم تجعل العشاء جزءًا من المشهد
في العلا، لا يبدأ المساء عندما تُغلق المواقع الأثرية أبوابها، بل حين تتغير ملامح المكان تمامًا. تنخفض الشمس خلف التكوينات الصخرية، ويتحول لون الحجر من الذهبي إلى البرونزي، ثم تبدأ المصابيح والفوانيس في رسم مسارات جديدة بين الواحة والبلدة القديمة ووادي عشار.
ولهذا تبدو تجربة العشاء في العلا مختلفة عن مدن كثيرة. المطعم هنا ليس مجرد مساحة نذهب إليها بعد انتهاء اليوم السياحي؛ فقد يكون هو نفسه جزءًا من البرنامج. طاولة فوق مبنى مغطى بالمرايا في قلب الصحراء، أو عشاء بين جدران طينية قديمة، أو مائدة وسط النخيل، أو جلسة مفتوحة أمام الصخور التي تصبح أكثر درامية بعد حلول الظلام.
وتنوع المطاعم في العلا يسمح أيضًا بتجربة أكثر من وجه للمدينة خلال رحلة واحدة. في ليلة يمكن اختيار مطعم فاخر في وادي عشار، وفي أخرى تناول أطباق سعودية في البلدة القديمة، ثم قضاء أمسية ثالثة داخل الواحة حيث تختفي ضوضاء الشوارع خلف سعف النخيل.
هذه مجموعة واسعة من المطاعم التي تستحق أن يكون العشاء فيها جزءًا من اكتشاف العلا بعد الغروب.

حرّة
إذا كان «مرايا سوشال» يمثل الجانب الأكثر معمارية في وادي عشار، فإن «حرّة» داخل بانيان تري العلا يقدم تجربة أكثر قربًا من الطبيعة المحيطة.
يعتمد المطعم على مساحات داخلية وخارجية، مع تفاصيل مستوحاة من الحرف المحلية مثل السجاد والفخار والمواد ذات الألوان الترابية، لكن الجلسة الخارجية هي التي تمنحه شخصيته الحقيقية في المساء.
فمع حلول الليل، تصبح الصخور المحيطة بالمنتجع خلفية ضخمة للمائدة، بينما تسمح الإضاءة المدروسة ببقاء المشهد الصحراوي حاضرًا من دون أن يتحول المكان إلى مساحة شديدة السطوع.

القائمة واسعة، وتجمع المأكولات البحرية والمشاوي والمقبلات الشرق أوسطية وأطباقًا عالمية، مع اعتماد على مكونات موسمية ومنتجات تأتي من مزارع العلا.
وهذا يجعله مناسبًا لمن يسافر ضمن مجموعة تختلف أذواق أفرادها؛ فالجميع يمكنه العثور على طبق يناسبه، بينما تبقى تجربة المكان هي الرابط المشترك.
ويمكن أن يبدأ المساء هنا بعشاء طويل في الهواء الطلق، ثم يمتد إلى اللاونج بعد انتهائه. وفي الليالي ذات الطقس اللطيف، قد يصبح الجلوس بعد الطعام أجمل من الوجبة نفسها، خصوصًا عندما تختفي معظم الأصوات ويبقى وادي عشار شبه ساكن.
تاما
في أور هابيتاس العلا، يأخذ «تاما» فكرة العشاء الصحراوي إلى اتجاه أكثر هدوءًا واسترخاءً.
اسم المطعم يعني «هنا والآن»، وهي عبارة تبدو مناسبة جدًا لأجواء المكان. فالفكرة لا تقوم على تناول الطعام بسرعة والانتقال إلى نشاط آخر، بل على إبطاء الإيقاع قليلًا والاستمتاع بالموقع.
يعتمد «تاما» على مكونات تُجلب من المزارع والمجتمعات المحيطة بالعلا، فيما تجمع قائمته بين المطبخ الشرق أوسطي وتأثيرات عالمية. ويمكن أن تظهر مكونات مثل المورينغا والتمر والعسل والزعتر إلى جانب اللحوم والأسماك والأطباق النباتية.

لكن في المساء، تصبح المساحة نفسها جزءًا واضحًا من التجربة.
ينفتح المطعم على مشهد وادي عشار، ومع انخفاض الشمس تبدأ الألوان الصحراوية في الهدوء. وإذا كان اليوم قد امتلأ بالجولات والآثار والمشي، فإن «تاما» يبدو مناسبًا كخاتمة أقل رسمية: طاولة مريحة، طعام يعتمد على المشاركة، ووقت أطول للاستمتاع بالهواء الطلق.
وبالقرب منه يقع «شرفة عشار» التابعة لأور هابيتاس، وهي ليست مطعم عشاء تقليديًا بقدر ما هي لاونج مفتوح يمكن الانتقال إليه قبل الطعام أو بعده. هناك يصبح الليل أكثر حضورًا، مع مشروبات وقهوة وجلسات تطل على الوادي.

خونتس
في «دار طنطورة ذا هاوس هوتيل»، يتغير المشهد تمامًا.
نغادر هنا الصخور المفتوحة لوادي عشار وندخل إلى عالم أكثر ارتباطًا بالعلا القديمة؛ جدران طينية جرى ترميمها بعناية، ممرات ضيقة، إضاءة منخفضة، وتفاصيل تحتفظ بإحساس البيوت التاريخية.
داخل هذا الإطار يأتي «خونتس» بمطبخ سعودي معاصر يعتمد على منتجات الواحة، بينما يشرف على تطوير قائمته الشيف جاومي بويغدينغولاس.

تظهر التمور في أكثر من صورة، وكذلك الحمضيات والمنتجات الزراعية التي ارتبطت بالواحة، ولكن داخل أطباق حديثة في طريقة تقديمها.
والمثير هنا أن العشاء لا يبدو منفصلًا عن الفندق نفسه؛ فـ«دار طنطورة» قائم داخل مجموعة من البيوت الطينية القديمة التي أُعيد إحياؤها، وبالتالي تصبح الرحلة إلى المطعم أشبه بالدخول إلى جزء آخر من تاريخ البلدة.
اختيار «خونتس» مناسب لمن يريد عشاءً هادئًا وأكثر حميمية من مطاعم وادي عشار الكبيرة، وخصوصًا لمن يفضل أن يكون التراث حاضرًا في العمارة والمكونات معًا.
وفي الليل تزداد جاذبية هذه البيئة؛ الإضاءة الدافئة تبرز ملمس الجدران الطينية، وتمنح المساحات إحساسًا مختلفًا تمامًا عن صورتها خلال النهار.
طوفرية
أما إذا أردنا أن يكون العشاء جزءًا من التجول في البلدة القديمة نفسها، فإن «طوفرية» يقدم أحد أكثر الاختيارات ارتباطًا بالهوية السعودية.
المطعم موجود بين ممرات البلدة القديمة، ويعتمد على وصفات سعودية تقليدية تستمد إلهامها من مناطق مختلفة من المملكة، مع اهتمام واضح بالأطباق التي ترتبط بالبيت والمائدة العائلية.
لكن السياق هنا لا يقل أهمية عن القائمة.

قبل الوصول إلى المطعم، يمكن قضاء ساعة في المشي بين متاجر السوق والحرف والمباني الطينية. ومع حلول المساء تصبح البلدة أكثر حيوية؛ تضاء الممرات، وتبدأ المقاهي والمطاعم في استقبال زوارها، بينما تخف حرارة النهار ويصبح المشي أكثر متعة.
داخل «طوفرية» تستمر الأجواء نفسها من خلال مساحة ذات طابع تراثي وإضاءة دافئة.
من بين الأطباق التي تعكس شخصية المكان الجريش، وهو من أكثر الأكلات السعودية ارتباطًا بالمناسبات والبيت، ويُقدم هنا ضمن تجربة تجعل الطعام امتدادًا طبيعيًا للبلدة المحيطة.
وإذا كان الهدف من الرحلة تذوق شيء محلي بدل البحث عن مطبخ عالمي داخل العلا، فإن «طوفرية» يستحق أن يكون ضمن أول الاختيارات.

سموير
على أطراف الواحة، يتغير المشهد مرة أخرى.
في «سموير»، تحيط أشجار النخيل بالمائدة وتدخل الخضرة إلى الصورة بصورة لا يتوقعها كثيرون ممن يتخيلون العلا كصحراء وصخور فقط.
وهذا تحديدًا ما يجعل تناول العشاء هناك مثيرًا؛ فأنت تكتشف وجهًا آخر للمدينة.

القائمة تعتمد على مزيج متوسطي مع لمسات غير تقليدية، وتشتهر بتقديم أطباق أعيد تفسيرها بطريقة مرحة ومعاصرة.
لكن الزيارة مساءً ترتبط أكثر بالمكان. فالنخيل المرتفع يكوّن سقفًا طبيعيًا حول الجلسات، وتصبح الإضاءة بين الأشجار جزءًا من الأجواء، بينما تبدو الواحة أكثر هدوءًا بعد خروج معظم زوار النهار.
«سموير» مناسب لليلة لا تريدين فيها تجربة رسمية جدًا، بل عشاء طويل مع الأصدقاء في مساحة خضراء، خصوصًا بعد يوم قضيتِه بين المواقع الصخرية.
وهذه المفارقة بين صخور النهار ونخيل المساء هي واحدة من التفاصيل التي تجعل برنامج الطعام في العلا أكثر تنوعًا مما يبدو للوهلة الأولى.

أنتركوت كافيه دو باريس
ليس مطلوبًا أن تكون كل ليلة في العلا مرتبطة بالمطبخ المحلي.
أحيانًا يكون التناقض نفسه جزءًا من المتعة، وهو ما يحدث في «أنتركوت كافيه دو باريس» داخل البلدة القديمة.

الفكرة فرنسية بوضوح: قائمة محدودة تركز على الستيك والبطاطس والصلصة المعروفة للمطعم، لكنك تتناولها وسط أحد أكثر المواقع السعودية ارتباطًا بالعمارة التقليدية.
في الليل تصبح المفارقة أكثر وضوحًا.
تخرجين من الأزقة الطينية والسوق، ثم تدخلين إلى براسيري بطابع فرنسي، قبل أن تعودي بعد العشاء إلى الممرات نفسها.
وتناسب هذه التجربة من يقضي أكثر من ليلة في العلا ويريد التنويع بعد تجربة المطاعم السعودية والشرق أوسطية.
كما أن موقع المطعم يسمح بسهولة دمج العشاء مع ليلة كاملة في البلدة القديمة، من التسوق إلى المقاهي ثم المشي بعد الطعام.

فيلا فيروز
يقدم «فيلا فيروز» خيارًا آخر داخل البلدة القديمة، لكن بنكهة لبنانية.
المشاوي على الفحم، المعجنات، المقبلات الساخنة والباردة وأطباق المشاركة تجعل الوجبة مناسبة للمجموعات والعائلات، فيما يمنح الموقع التجربة طابعًا مختلفًا عن مطعم لبناني تقليدي في أي مدينة أخرى.
بعد الغروب، يصبح المكان جزءًا من الحركة المسائية للبلدة.
والميزة هنا أن العشاء لا يحتاج إلى تخطيط معقد؛ يمكن أن يأتي تلقائيًا بعد جولة طويلة في السوق، خصوصًا لمن يفضل طبقًا مألوفًا يمكن للجميع مشاركته.
التجربة أقل رسمية من مطاعم وادي عشار، وهو ما يجعلها مناسبة لإحدى الليالي الوسطى من الرحلة، عندما تريدين الاستمرار في استكشاف المكان من دون تخصيص المساء كله للعشاء وحده.
