الذكاء الاصطناعي هل يحل محل الموظفين في قطاع الضيافة

المعضلة الأخلاقية .. استبدال الموظفين بالذكاء الاصطناعي في قطاع الضيافة

جمانة الصباغ
19 يوليو 2023

أفلام الخيال العلمي Sci-Fi التي لطالما أتحفتنا بأفكار ونماذج عن سيطرة الآلات على حياتنا، منذ سنوات طويلة وحتى اليوم؛ لم تعد مجرد خيال، بل تحولت إلى ما يشبه الواقع، وإن كانت لا تحاكي الحدَية التي اتصفت فيها تلك الأفلام في تصوير الروبوتات تغزو العالم وتقتل الإنسان.

فالآلة دخلت عالم الإنسان، وبات الروبوت موجودًا في العديد من مرافق الحياة والعمل. ومعه، جاء الذكاء الإصطناعي AI ليُحسَن في الكثير من المجالات، أو ليُهدَد مجالات أخرى مثل قطاع الضيافة.

ويقول ناجي حداد، المدير العام لشركة دليفركت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ أن الذكاء الاصطناعي يعمل على تغيير العالم بوتيرة مذهلة. إذ يُحقَق نموًايقربمن 38% فيكلعام، لتظهر مثل هذه التقنيات الجديدة في كافة القطاعات، الأمر الذي سيغيّر أسلوب عملنا إلى الأبد.

وهو ما سوف يترك الجميع أمام خيارين لا ثالث لهما:إما مواكبة تلك التغييرات أو التأخّر عن الرُكب. وفي بعض الحالات، قد يصبح لدخول الذكاء الاصطناعي في شتى القطاعات، أثرٌ بالغ في فقدان الناس لوظائفهم التي بوسع الذكاء الاصطناعي القيام بها بشكل أفضل وأسرع من البشر.

عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي في قطاع الضيافة، هل يمكن لتبنّي هذه التقنيات أن يُلغي الوظائف بشكل نهائي؟ وهل يعني أننا سنواجه معدلات غير مسبوقة من البطالة؟

أمرٌ غير صحيح.. يجيب حداد؛ ويقدم لنا رؤيته المستفيضة حول النواحي الإيجابية والسلبية لدخول الذكاء الإصطناعي قطاع الضيافة.

الذكاء الاصطناعي في المطاعم يقلل الاخطاء ويسمح للموظفين بالتركيز على خدمة العملاء
الذكاء الاصطناعي في المطاعم يقلل الاخطاء ويسمح للموظفين بالتركيز على خدمة العملاء

الأتمتة قادمة.. وقطاع الضيافة بانتظارها

لم يعد لدى معظم مالكي الأعمال والشركات في قطاع الضيافة خيارٌ بخصوص أتمتة العمليات؛ فالحفاظ على التنافسية والأرباح وتقديم الخدمات المتميزة للعملاء، يرتبط بشكل وثيق مع الاعتماد على تقنيات الأتمتة، ولكن الاختلاف يكمن في تطبيق تلك التقنيات الذي قد يكون صحيحًا أو خاطئًا.

فبصفتك صاحب مشروع في قطاع الضيافة؛ لا بدّ لك من انتهاج الشفافية مع الموظفين وإعلامهم بالتغييرات التي تجريها، وعن دور تلك التغييرات في مساعدتهم على أداء عملهم. وإن وجود وجود الذكاء الاصطناعي وتقنيات الأتمتة لا يعني أنهما سيحلّان محل العنصر البشري في قطاع الضيافة، ولا ينبغي لهما ذلك؛ فالغرض منهما، تحسين مكان العمل وجعله أكثر كفاءةً، وإضفاء مزايا عديدة ذات مردود ملموس على العمل وعلى الموظفين. 

مزايا الذكاء الاصطناعي للموظفين

ناجي حداد المدير العام لشركة دليفركت
ناجي حداد المدير العام لشركة دليفركت

إذا سألتَ العاملين في مجال الضيافة عن أهم المشاكل التي تواجههم، فستحصل على بضعة إجابات مشتركة بشكل عام؛ وهي أن العمليات قد تكون معقدةً بشكل كبير، ومن المفيد لهم الحصول على مساعدة إضافية ليتمكنوا من تقديم أرفع مستويات الخدمة. كما أن الأخطاء كثيرًا ما تحدث، إلى جانب مشاكل أخرى قد تساعد تقنيات الذكاء الاصطناعي في حلّها دون الحاجة إلى التخلّي عن أي وظيفة.

فيما يلي مجموعةٌ من الطرق التي تمكّن الذكاء الاصطناعي من تبسيط وتحسين أسلوب العمل للموظفين، وفقًا لحداد.. 

تتمثل المهمة الأساسية للعاملين في مجال الضيافة، في الحرص على رضا العملاء وسعادتهم بتجربتهم؛ ويعني ذلك الحاجة إلى التعامل مع مئات الأمور في آن واحد، إذ عليهم أن يتقنوا تعدّد المهام بشكل احترافي. ولكن إذا كان بالإمكان أتمتة كل تلك المهام (وهو أمرٌ سهل التحقيق)، يصبح بوسع العاملين التركيز بشكل أكبر على العملاء – كتقديم الطعام لهم أو الإجابة عن أسئلتهم أو تقديم التوصيات أو ترتيب الموائد أو حتى المزاح مع الضيوف بحكم الوقت الإضافي لديهم لفعل ذلك!

تقليل احتمالات الخطأ

من أكثر الأمور المزعجة في قطاع الضيافة، ارتكاب خطأ في طلبات الطعام. ففي السابق، كان العملاء يطلبون الطعام ليقوم النادل بكتابة الطلب وتمريره للمطبخ لتحضيره. وعندما يصبح الطبق جاهزًا، يقول العميل في بعض الأحيان أن هذا ليس ما طلبه؛ في الوقت الذي يكون الطبق هو بالضبط ما طلبه العميل، ولكنه يكون قد نسي ما طلبه في الأساس. ولكن في أحيان أخرى، قد يكون الخطأ في الطلب آتيًا من النادل الذي دوَن تفاصيل الطلب بشكل خاطئ، أو من المطبخ الذي لم يتمكن من قراءة الطلب بشكل صحيح، أو حدوث خلط في الطلبات ووصول الطبق الخاطئ للعميل. وكل تلك الحالات، مهما كان سببها، كانت شائعة الحدوث وتسبب هدرًا كبيرًا في الموارد.

أما اليوم؛ فقد أصبح بوسع العملاء إدخال طلبهم بأنفسهم ليتم إرساله إلى المطبخ بكل وضوح، ودون أن يكون هناك مجالٌ لأن يقول العميل بأن طبقه مختلفٌ عما طلبه في الأساس. هذا بالضبط ما يفعله الذكاء الاصطناعي في قطاع الضيافة، فهو يُعزَز كفاءة العمليات من خلال الخدمة الفورية وتقليل احتمالات وقوع الأخطاء والهدر بفضل دقة الطلبات – وهو أمرٌ يعود بالمنفعة على كافة الأطراف سواء العملاء أو الموظفين أو الشركة. 

تقليل ضغط العمل في حال نقص الموظفين

يسمح الذكاء الاصطناعي للعملاء باختيار طلباتهم والحصول على ما يطلبون بالتحديد
يسمح الذكاء الاصطناعي للعملاء باختيار طلباتهم والحصول على ما يطلبون بالتحديد

يُعدَ نقص الموظفين من أكبر مُسبَبات الضغط في قطاع الضيافة؛ إذ يكون على الطواقم المتواجدة العمل بطاقة مضاعفة لإنجاز المهام المختلفة، دون أن يتمكنوا من التفاعل مع الضيوف بالشكل المطلوب. ويُسبَب نقص الموظفين، مشاكل في كافة جوانب العمل؛ إضافةً إلى أن تجربة العملاء لن تكون على القدر المأمول. إلا أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرمجيات الأتمتة والحلول الآلية لطلبات توصيل الطعام؛ يعني عدم الحاجة للتعامل مع تلك الجوانب يدويًا، وتوفير الوقت لأمور أكثر أهمية بدلًا منها، كالتعامل مع الضيوف وإنجاز المهام في الموقع على أكمل وجه، حتى في حال حدوث نقص في عدد الموظفين.

تعزيز رضا الموظفين

يستمتع الموظفون بأداء عملهم بشكل ملموس حين يُرفع عنهم عبء المهام المزعجة، إذ يباشرون عملهم يوميًا وهم على ثقة بعدم معاناتهم للإرهاق الشديد أو مواجهتهم المشاكل الناجمة عن الأخطاء في استقبال الطلبات على سبيل المثال؛ مما يجعلهم سعداء أكثر بالتعامل مع الضيوف، وبالتالي قيامهم بالعمل على أتمّ وجه.

مزايا الذكاء الاصطناعي في قطاع الضيافة

هناك مزايا لا حصر لها، لتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الضيافة؛ وفيما يلي عرضٌ سريع لفوائد تبنَي هذه التقنيات بالنسبة للشركات العاملة في القطاع يقدمها لنا حداد: 

  • الاحتفاظ بالموظفين

تحدثنا آنفًا عن المزايا التي تتحقق للعاملين في قطاع الضيافة عند استخدام الذكاء الاصطناعي، والذي يؤدي إلى رفع مستوى رضا وسعادة الموظفين. ويعني ذلك بالنسبة للشركة، تحسّن معدل الاحتفاظ بالموظفين – وهو ما سجله 86% من العاملين بنظام الورديات في قطاع الضيافة والذين شاركوا في دراسة أجرتها شركة Deputy لتحديد وسائل تحسين بيئة العمل. أما بالنسبة لأصحاب الأعمال، فإن ذلك يعني توفير تكلفة تعيين موظفين جدد وتوفير الوقت اللازم لتدريبهم، وتحسين خدمة وتجربة العملاء بشكل مستمر.

  • تحسين خدمة وتجربة العملاء

يبحث الناس عند تناول الطعام في الخارج عن ثلاثة أمور، هي الطعام اللذيذ والصحبة الممتعة والخدمة الرائعة. فالتجربة المتميزة بالنسبة للعميل، هي طلب الطعام في الوقت الذي يناسبهم وعدم الحاجة لترك الأصدقاء أو الأسرة والذهاب لطلب الطعام لهم من الكاونتر، ووجود موظف قريب للإجابة عن استفساراتهم.

ومن خلال تمكين العملاء من الاطلاع على قائمة الطعام بالسرعة التي تناسبهم والطلب عند الرغبة، وتغيير ما يرغبون في الأطباق دون أن يشعروا بانزعاج فريق الخدمة؛ فإنهم يستمتعون بتجربتهم أكثر.

  • زيادة الأرباح

يُعدَ ارتفاع الأرباح، ميزةً بالغة الأهمية ترتبط بتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الضيافة. وقال مدير "ذا هينشمان" في كوينزلاند، أن مبيعات الشركة تضاعفت خلال أسبوع واحد بعد تطبيق منتجات الذكاء الاصطناعي في قائمة الطعام، والتي ترفع المبيعات تلقائيًا؛ لأن الناس يشعرون براحة أكبر في الطلب ويرغبون بالشعور بمزيد من الخصوصية عند إرسال الطلب. وإن كانت هناك برامج تمكنك من رفع أرباحك بهذا القدر، فلا شكّ بأنك لن تقلق بشأن تكلفة تحقيق تجربة أفضل لعملائك.

  • تحسين العمليات

من الممكن دومًا تحسين العمليات، وهذا هو الهدف الدقيق الذي صُممت من أجله برمجيات الأتمتة والذكاء الاصطناعي في قطاع الضيافة. فالحلول التي تدعم الطلب عبر الإنترنت مثلًا، تسمح بإرسال الطلب من العميل إلى المطبخ مباشرةً، ويمكن معرفة قيمة الفاتورة مباشرةً دون الحاجة إلى الحساب لأنها مُسجَلة منذ لحظة الطلب. كما أن هذه الوسائل تنفي الحاجة إلى الحسابات في نهاية اليوم أو تجاهل أحد العملاء، بسبب انشغال طاقم الخدمة بتوصيل الطلبات من وإلى المطبخ. وبفضل تبسيط العمليات، يمكن تعزيز مستويات رضا الموظفين والعملاء ومالكي الشركات إلى جانب توفير المزيد من وقتهم. 

ختام القول:

عندما يتحلى أصحاب العمل بالشفافية فيما يخص تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي، يصبح الموظفون أكثر حماسًا لاستخدامها؛ لأنهم يدركون أن تلك التقنيات ستجعل عملهم أسهل وتقضي على معظم المشاكل التي ترتبط بوظائفهم. لا داعي لأن تحل تلك التقنيات محل أي موظف، فهي تقتصر على تعزيز الكفاءة وتمكين الموظفين من التركيز على خدمة العملاء؛ فيما تمنح العملاء تجربةً أفضل عند زيارة مطعمك.