ابدئي عامكِ الجديد بتوازن لا بمثالية.. البدايات الهادئة تبدأ من الداخل
مع بداية عام جديد، تحمل الأم في قلبها مزيجًا معقدًا من الأمل والمسؤولية؛ أملًا بأن يكون القادم أجمل وأكثر هدوءًا، ومسؤولية متشعبة تشمل الذات والأسرة والأبناء وكل تفاصيل الحياة اليومية.
تتمنى كل أم أن تكون أمًا أفضل، أكثر صبرًا، وأكثر تنظيمًا، وقادرة على تحقيق التوازن بين أدوارها المتعددة. ومن هنا تبدأ الكثير من الأمهات بالتخطيط لبدايات مثالية، محمّلة بتوقعات عالية وضغوط نفسية قد تتكرر عامًا بعد عام، وتتحول مع الوقت إلى مصدر معاناة وصراعات داخلية مرهقة.
رسالتي في هذا المقال، وكوني أمًا أنا أيضًا، هي لفت انتباه الأمهات إلى حقيقة مهمة كثيرًا ما يتم تجاهلها: أن البدايات الأصدق هي البدايات الهادئة، وهي تبدأ من الداخل، من فهم أعمق للذات، ومن اختيار التوازن طريقًا، بدل الركض المستمر خلف صورة الأم المثالية التي لا تتعب ولا تخطئ.

لماذا تشعر الأم بضغط مضاعف مع بداية كل عام؟
العام الجديد يأتي محمّلًا بتجارب عام مضى، وتعب متراكم، ولحظات تقصير تشعر بها الأم حتى وإن كانت قد بذلت أقصى ما تستطيع. المجتمع يضع الأم دائمًا في موضع التوقع العالي، وكأنها مطالبة بالتحسن المستمر دون توقف أو شكوى. وهذا هو السبب الأساسي الذي يجعل الأم تشعر بضغط مضاعف مع بداية كل عام.
كيف يمكن للأم تحقيق بداية هادئة مع بداية العام؟
تقول "أميرة داوو" دكتوراة صحة نفسية انجلترا وأخصائية علاج شعورى وعلاج بالطاقة الحيوية، إنه لا يمكن لأي أم أن تمنح الاستقرار لأطفالها وهي تعيش حالة من عدم الاتزان النفسي، الذي يجب تحقيقه أولًا باعتباره الأساس الذي تُبنى عليه التربية الهادئة والعلاقات الأسرية السوية المثمرة.
حين تختار الأم التوازن، فهي لا تتخلى عن دورها، بل تعيد تعريفه، لأنها تدرك أن صحتها النفسية تنعكس مباشرة على أسلوب تعاملها، وعلى صبرها، وعلى قدرتها على الاحتواء.
كثيرًا ما تحاول الأم مع بداية العام تغيير كل شيء دفعة واحدة: روتين المنزل، أسلوب التربية، نظامها الشخصي، وحتى مشاعرها. لكن هذا الاندفاع غالبًا ما ينتهي بالتعب أو التراجع، وهو أمر محبط نفسيًا للأم المطالبة بالقيام بكل ما عليها من مسؤوليات تجاه أسرتها ونفسها وعملها كل يوم دون كلل أو ملل.
وبحسب د. أميرة، فإن البداية الهادئة تعني أن تسمح الأم لنفسها بالتدرج، وأن تنطلق من الداخل قبل الخارج، وأن تعترف بما تحتاجه فعلًا، لا بما يُفترض أن تحتاجه. فالأم التي تصغي لذاتها تكون أقدر على فهم أطفالها والتعامل مع تحدياتهم اليومية.

نصائح للأم للتحرر من فكرة المثالية المرهقة
السعي إلى المثالية في الأمومة من أكثر مصادر الضغط النفسي؛ فالأم المثالية لا وجود لها، لكن صورتها حاضرة بقوة في مواقع التواصل الاجتماعي. ومن الطبيعي أن تجد الأم نفسها في صراع دائم مع الشعور بالتقصير كلما حاولت الوصول إلى هذا النموذج المزيف.
ولتتحرر الأم من فكرة المثالية المرهقة، عليها بتطبيق النصائح التالية:
تقبّل النقص
الأمومة المتوازنة لا تقوم على الكمال، بل على الوعي. يجب على الأم تقبّل النقص الإنساني، والاعتراف بأن الخطأ جزء من التعلم. الأم المتوازنة لا تقسو على نفسها، ولا تربط قيمتها بمدى نجاح يومها أو هدوء أطفالها، بل ترى في كل يوم فرصة جديدة، لا اختبارًا يجب اجتيازه.
عدم جلد الذات
أول هدف يجب على الأم تحقيقه في العام الجديد هو عدم جلد الذات. من المهم أن يبدأ العام دون محاسبة قاسية للنفس؛ فجلد الذات لا يصنع أمًا أفضل، بل أمًا أكثر توترًا. التوازن في بداية العام يعني مراجعة العام السابق بنظرة امتنان وشكر لكل ما قدمته من عطاء وتضحيات وجهد.
تقول د. أميرة: "الأم التي تغفر لنفسها أخطاء الماضي، تمنح نفسها مساحة للنمو الحقيقي، فهي تدرك أن التربية رحلة طويلة لا تُقاس بلحظة أو موقف عابر".
ترسيخ أهمية الرعاية الذاتية
غالبًا ما تذوب الأم في أدوارها حتى تنسى ذاتها. ومع بداية العام، قد تشعر بحاجة إلى استعادة شيء منها، لكنها تتردد خوفًا من الشعور بالأنانية. التوازن لا يعني أن تختار الأم نفسها على حساب أسرتها، بل أن تمنح ذاتها الأولوية داخل هذا الدور، وأن تعترف بأن راحتها النفسية جزء أساسي من استقرار الأسرة، وأن الاهتمام بالذات ليس تقصيرًا بل ضرورة لها كإنسانة وكأم.
قول "لا"
لتحقيق التوازن يجب أن لا تتردد الأم من قول "لا" في كل ما يهدد راحتها النفسية. يجب أن تقولها دون الشعور بأي ذنب، وأن تؤجل بعض الأمور دون إحساس بالفشل.

بناء علاقة آمنة مع الأبناء
الأم المتوازنة لا تسيطر، بل تسعى إلى بناء علاقة آمنة مع أبنائها، علاقة تقوم على الحوار، وتسمح بالخطأ، وتشجع التعلم بدل العقاب المستمر. التوازن في التربية يعني الجمع بين الحزم والاحتواء، وبين التوجيه والتفهم.
التوازن بين الأسرة والعمل
سواء كانت الأم عاملة أو ربة منزل، يجب أن تحرص على تحديد الأولويات، وإعادة توزيع الجهد، وتقبّل فكرة أن بعض الأيام ستكون أقل إنتاجية، دون أن يقلل ذلك من قيمتها أو من حجم الجهد الذي تبذله.
بهذه النصائح تعبر الأم بأمانيها وأحلامها للعام الجديد بأمان وتوازن لا بمثالية،،،

وختامًا: البدايات الهادئة للأم لا تحتاج إلى قرارات حاسمة ولا إلى وعود مثالية، بل إلى نية صادقة بأن يكون العام أكثر رحمة وأقل قسوة على النفس. يجب أن تدرك الأم أن التوازن هو المطلوب، وليس المثالية، وأن تمنح نفسها وأسرتها فرصة لحياة أكثر استقرارًا وطمأنينة. فالتوازن لا ينتقص من العطاء، بل يجعله أعمق وأصدق، ويحوّل العام الجديد من عبء ثقيل إلى رحلة إنسانية دافئة تُعاش بهدوء وراحة نفسية.