من عوالم الطفولة إلى الإبداع.. معرض "فلاش باك" تحت إشراف القيمة الفنية غيداء المقرن
من ذاكرة الطفولة وعوالمها يمثل اللعب مساحةً للخيال والاكتشاف والإبداع.. وهو ما يستكشفه المعرض الفني "فلاش باك" Flashback الذي تستضيفه مؤسسة الفن النقي في الرياض، تحت إشراف القيمة الفنية المهندسة غيداء المقرن، والذي يسلط الضوء على تجربتين نشأتا بين بغداد وضرما في نجد، للفنانين محمد الشمري وفهد النعيمة، حيث يكشف المعرض المستمر حتى 3 ديسمبر 2026، كيف تشكّل البيئة المحيطة طرق اللعب والتفكير، وكيف تتحول الأشياء البسيطة إلى عوالم مفتوحة على احتمالات لا نهائية.
م. غيداء المقرن: اللعب بوصفه مساحة للخيال والاكتشاف
تتناول القيمة الفنية المهندسة غيداء المقرن في رؤيتها للمعرض اللعب بوصفه مساحة للخيال والاكتشاف، حيث قالت: يعتبر معرض "فلاش باك" اللعب إحدى أقدم الطرق التي يتعلم الطفل من خلالها أن يسكن العالم ويتفاعل معه. فقبل أن تكتسب الأشياء معانيها الثابتة، تظل مفتوحة أمام الخيال. يمكن للعبة أن تصبح رفيقًا، ويمكن لآلية أن تتحول إلى لغز، ويمكن لمشهد طبيعي أن يصبح ساحةً للمغامرة. اللعب فعلٌ من أفعال الانتباه، يكتشف الطفل من خلاله المادة والحركة والمكان والإمكانات.
وحول التجربتين الفنيتين في المعرض، أشارت المهندسة المقرن: يجمع المعرض بين طفولتين تشكلتا في بيئتين مختلفتين: مدينة بغداد ومدينة ضرما في نجد. وتكشف الفروق بينهما عن الدور العميق الذي تؤديه البيئة المحيطة في تشكيل الخيال. فالمواد المتاحة للطفل تؤثر في الألعاب التي يبتكرها، والمساحات من حوله تحدد نطاق الاستكشاف وحجمه. كما تدخل الثقافة والمشهد الطبيعي والأسرة والتجارب اليومية إلى عالم اللعب، قبل أن تتحول إلى ذكريات واعية.
وأضافت: في هذا المعرض الفني الثنائي، تُفهم اللعبة بوصفها طريقة للتفكير. فالآلية التي تعمل بالزنبرك تعرّف الطفل على أنظمة خفية، وطاقة مختزنة، وحركة، وتعثر، وتكرار. أما الصحراء فتقدم مفردات أخرى؛ إذ يتحول الرمل إلى سطح، وتصبح الآثار علامات، وتغدو عظام الجِمال شظايا يمكن من خلالها استحضار الذاكرة. وما يحيط بالطفل يصبح مادةً للاختراع.
فيما اختتمت القيمة الفنية للمعرض حديثها: يحمل اللعب قوةً فكرية؛ فهو يعلّم الطفل أن يحوّل ما هو مُعطى إلى ما يمكن تخيله. كما يؤسس علاقة مبكرة بين الملاحظة والإبداع، وبين الفضول والمعرفة.. يعود "فلاش باك" إلى هذا الفضاء التكويني، حيث يظل العالم غير مكتمل، وحيث يحتفظ كل شيء بإمكانية أن يصبح شيئًا آخر.
الفنان محمد الشمري: تجربة فنية مستوحاة من ألعاب الزنبرك وذكريات الجد
ومن جانبه أشار الفنان محمد الشمري كيف يمكن أن تتحول ألعاب الطفولة وذكريات الجد إلى تجربة فنية تستكشف الحركة والفوضى والذاكرة، بقوله: "ألعاب زنبرك" تنطلق من ذكرى طفولية، حين كان جدي يناديني "يا زنبرك" بسبب حركتي الدائمة. تحولت الكلمة إلى صورة عن الطاقة الكامنة في الجسد والروح، كما تختزنها الألعاب الميكانيكية في زنبركاتها. أستعيد ألعاب الزنبرك التي كنت أقتنيها وأفككها، مفتوناً بالحركة وبالميكانيكا الخفية داخلها.
وأوضح الفنان محمد الشمري: تتحول الألعاب في الفيديو إلى كائنات مرحة تتحرك، تتصادم، وتتداخل في مشهد يشبه الفوضى والمعركة. صوت تفريغ الزنبركات واصطدام الأجسام يصبح إيقاعاً لحركة الحياة، بما فيها من لعب واضطراب وصراع وفقدان. الفيديو يستحضر أيضاً تحوّل "التكويك" القديم إلى "الشحن" في زمن البطاريات والتكنولوجيا.
وختم حديثه بقوله: وفي النهاية أعود إلى صورة الطفل الذي يدخل من نافذة بيت جده، مستعيداً صوتاً قديماً يقول: "أيا زنبرك!".
الفنان فهد النعيمة: من ذاكرة ضرما تشكلت جذور المخيلة الفنية
وأكد الفنان فهد النعيمة إلى أن تفاصيل نشأته في ضرما والطبيعة المحيطة بها قد شكلت جذور مخيلته الفنية، بقوله: نشأتي في مدينة ضرماء أكسبتني مخيلة أوسع لاستيعاب ذلك الهدوء والفضاء، والمساحة الغنية بمصادرها الطبيعية؛ من النخيل والبيوت وبساطة عيش أهلها وملامحهم. وتحديدًا المزرعة بصحبة جدي وجدتي، والركض خلف أغنامها، لأعود في المساء والشوك عالقًا في قدميّ.
كما أوضح الفنان فهد النعيمة: أتذكر بداياتي الأولى في المدرسة، مع قلم الرصاص والدفتر، حيث كانت تخطيطات البورتريه تحديدًا، وغيرها من المواضيع المحيطة بي، تحتل جزءًا كبيرًا من أفكاري ووقتي. وكان جبل طويق، الذي كنت أتأمله من شباك الصف، حاضرًا في ذاكرتي ومخيلتي منذ تلك السنوات. وقتٌ لم يتسع كثيرًا لمراجعة الواجبات المدرسية، ودفعت ضريبة ذلك مع عصا المعلم. وبالرغم من ندرة المواد الفنية حينها، لم يمنعني ذلك من الاستمرار. ومع مرور السنوات أصبحت خطواتي أوسع، وفرص التجريب والتعرف على الخامات أكثر إتاحة، لتتسع معها تجربتي وتتعدد وسائل التعبير.