تأثير محتوى الفن السمعي والبصري والرواد السعوديين فيه
يصادف اليوم العالمي للتراث السمعي البصري 27 أكتوبر من كل عام، وهي مناسبة تسلّط الضوء على أهمية صون التسجيلات الصوتية والصور والأفلام بوصفها ذاكرة حيّة تحفظ ملامح الثقافات وتجارب الشعوب وتحولات المجتمعات عبر الزمن. وفي المملكة العربية السعودية، تتعدد التجارب الفنية والبحثية التي تستكشف دور المحتوى السمعي والبصري في توثيق التراث وصون الهوية الثقافية وإعادة قراءة الماضي برؤى معاصرة.. وفي إطار ذلك نسلّط الضوء على مجموعة من الرواد والمبدعين السعوديين الذين تتقاطع تجاربهم مع الذاكرة البصرية والصوتية، والذين يسهمون في توسيع آفاق التعبير الفني وإبراز ثراء الموروث الثقافي السعودي بوسائط وأساليب متنوعة.
غادة المهنا.. الأرشيف البصري لصون ذاكرة الجزيرة العربية

تمتلك الباحثة والمستشارة الثقافية السعودية غادة المهنا أباالخيل، المُلقبة بـ "ابنة الجزيرة العربية"، شغفا خاصا بثقافة وهوية شبه الجزيرة العربية وتراثها وتاريخها البصري، وفي المشهد الذي تتقاطع فيه الصورة مع الذاكرة والهوية، وجدت الباحثة السعودية في الأنثروبولوجيا البصرية، وفي الأرشيف المرئي مساحة لإعادة قراءة تاريخ الجزيرة العربية انطلاقا من اهتمامها بالذاكرة والهوية، حيث يتركّز عملها على تقاطعات الصورة، الأرشيف، والذاكرة الجمعية، لا سيما فيما يتصل بتاريخ الجزيرة العربية، ومجالات تراث المملكة، وتسعى من خلال عملها إلى إبراز التمثيلات الثقافية الأصيلة وربطها بحساسيات المشهد المعاصر، ومن أبرز إصداراتها: كتاب Camels from Saudi Arabia الصادر عن دار Assouline العالمية، الذي يوثّق ملامح جِمال الصحراء والهوية السعودية من خلال عدسة بصرية معاصرة، هذا بالإضافة إلى مدونتها "وميض" التي تشارك عبرها مجموعة من التأملات والقصص الأرشيفية، والتحليلات الثقافية التي تربط الماضي بالحاضر.
تارا الدغيثر.. "صوت الصورة" لحفظ الذاكرة الشفوية والموسيقية للمرأة

تارا الدغيثر فنانة وباحثة وقيمة فنية سعودية، ومؤسسة منصة ومشروع صوت الصورة (Sawt ASura) الذي يُعد أول أرشيف صوتي وغنائي يوثق التاريخ الشفوي والموسيقي للنساء في السعودية وشبه الجزيرة العربية، فلطالما حظيت الفنون والموسيقى باهتمامات تارا الدغيثر الأكاديمية والبحثية، وأنشأ لديها شغف خاص في الموسيقى الشعبية وقصصها ولذلك أسست منصة وأرشيف "صوت الصورة" كمنصة سعودية للبحث والتطوير القيّمي تعمل نحو أرشيف مُتجسّد للتواريخ الإقليمية، حيث يأتي كمشروع فني بحثي جماعي في عالم الصوت ويشمل الغناء والنشيد الحكواتي والفولكلور والأعمال التجريبية، كما تتقاطع فيه الكثير من المشاريع المتعلقة بالعلوم والنظريات الاجتماعية باهتمام أكبر لتجارب المرأة. وفي جوهرها، تُعد صوت الصورة مكتبة وسائط متعددة مبنية على المجتمع، ومستودعًا متناميًا للإرث والذاكرة، يتشكّل من خلال التعاون مع فنانين وباحثين ومؤسسات ثقافية عامة وخاصة تتشارك رؤى وأهدافًا طويلة الأمد.
سعد الهويدي.. إعادة قراءة التراث والذاكرة بلغة بصرية معاصرة

يركز الفنان سعد الهويدي في أعماله بشكل أساسي على التركيبات المفاهيمية لتوثيق التراث واستكشاف كيفية تذكّر الأحداث، فيستكشف العلاقة بين الذاكرة والتراث والهوية الثقافية، مستنداً إلى بحثه في الأرشيف والسجلات التاريخية وطرق استعادة الماضي وإعادة قراءته برؤية معاصرة. وينطلق في تجاربه من فضوله تجاه الناس وعاداتهم، ومن التشابهات والاختلافات بين الثقافات، فيتأمل في كيفية تشكّل الذاكرة واستمرارها عبر الزمن، ليصيغ أفكاره في قالب يُشكِّل قصة بصرية. وتتسم مقاربته الفنية بالاهتمام بالتفاصيل الثقافية المحلية، وإعادة قراءة الرموز والزخارف والحرف التقليدية، مثل البشت الحساوي وزخارف القط العسيري، إلى جانب استكشاف تنوّع الهوية المعمارية السعودية وثراء موروثها مثل المجسمات والزخارف الحجازية والنجدية، فمن خلال تفكيك العناصر التراثية وإعادة صياغتها ضمن رؤى فنية معاصرة، يطرح الهويدي تساؤلات حول كيفية إحياء الذاكرة الجماعية، والحفاظ على الموروث الثقافي، وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة بلغة بصرية تتصل بالحاضر.
الدكتورة لجين ميرزا.. توثيق هوية المملكة وثقافتها بالعدسة الفوتوغرافية

تجمع الدكتورة لجين يوسف ميرزا، الأكاديمية والمصورة الفوتوغرافية المتخصصة في الفنون البصرية، بين البحث في الفنون البصرية والتصوير الفوتوغرافي والاهتمام بالثقافة والهوية، فالتصوير في رؤيتها، وسيلة لاكتشاف المملكة من خلال تفاصيلها الإنسانية والثقافية، وليس مجرد تسجيل لمشاهدها، فكل وجه يحمل حكاية، وكل مكان يحتفظ بذاكرة، وكل صورة يمكن أن تكون مدخلًا إلى فهم أعمق للثقافة. وتتركز تجربتها على تصوير روح الوطن، انطلاقًا من اعتزازها بكونها امرأة سعودية، واهتمامها بتوثيق الجمال والتنوع الثقافي في المملكة، بما يشمل العادات والتقاليد والمناظر الطبيعية ووجوه الناس وقصصهم، فيما يمنحها التعمق في التراث إحساسًا بالعودة إلى الزمن، ويتيح لها التعرف على حياة الأشخاص الذين سبقوها والتحديات التي واجهوها، بما يجعلها أكثر تقديرًا لجهودهم وجمال إبداعهم وثقافتهم، وفي هذا الغوص في قصص الماضي، ترى وسيلة للبقاء على اتصال دائم بماضٍ مجيد وحاضرٍ تليد.
مروة المقيط.. تعدد الوسائط لتوسيع آفاق التعبير البصري

تعد الفنانة السعودية متعددة الوسائط مروة المقيط، من الفنانات اللاتي استكشفن إمكانات الفن البصري عبر وسائط متعددة تشمل التصوير الفوتوغرافي والأفلام والأداء الفني، وتركّز في أعمالها على الجوانب التي غالبًا ما تمر دون ملاحظة في الحياة اليومية، مستكشفةً العلاقة بين الإنسان وبيئته، وكيف تؤثر التجارب الخارجية في تشكيل عالمه الداخلي وانعكاسها على مشاعره واستجاباته الجسدية، كما توظّف الصورة والحركة والضوء والظلال والمساحات الفارغة لبناء سرديات بصرية حميمة تتيح للمتلقي تأويل المعاني والرسائل الضمنية، فيما يمتد اهتمامها إلى الرقص والمسرح والأداء بوصفها وسائل للتعبير عن المشاعر ولغة الجسد بعيدًا عن الكلمات المنطوقة. وتبرز تجربتها كيف يمكن للصورة أن تتجاوز تسجيل اللحظة إلى استكشاف أبعادها الإنسانية والنفسية، بما يمنح الفن البصري دورًا في قراءة التجارب الفردية وفهم السياقات التي تتشكّل فيها، ويفتح المجال أمام تأمل العلاقة بين الصورة والذاكرة، وما يمكن أن تحمله المشاهد من دلالات تتجاوز ما يظهر على سطحها.
فيصل سمرة.. تجارب مفاهيمية تستكشف الذاكرة البصرية والزمن

يُعدّ الفنان فيصل سمرة أحد الرواد الأوائل للفن المفاهيمي في المنطقة، وتتنوع ممارساته الفنية بين التصوير الفوتوغرافي والفيديو والرسم والنحت والتركيبات الفنية وعروض الأداء، وتتناول أعماله موضوعات الإنسان والهوية والوجود، إلى جانب الذاكرة والزمن وتأثير الوسائط البصرية في التجربة الإنسانية. ويتسم أسلوبه بالتجريب وتجاوز الحدود التقليدية بين أشكال التعبير الفني، من خلال توظيف الحركة والإيماءات الإنسانية والتفاعل مع الأسطح والمواد، واستخدام الفيديو لتوثيق أفعال بسيطة وتحويلها إلى صور تحمل دلالات تتجاوز لحظة حدوثها، وتكشف هذه المعالجات عن اهتمامه بالعلاقة بين الفعل الإنساني والزمن، وما يمكن أن تتركه اللحظات العابرة من آثار في الذاكرة. ومن هذا المنطلق، تتيح تجربته الفنية مدخلاً للتأمل في أهمية الصورة الثابتة والمتحركة في توثيق التجارب الإنسانية وحفظ الذاكرة البصرية، وإلى جانب أعماله الفنية، يمتلك الفنان سمرة نصوصاً فنية ونقدية وصحفية ووثائق وصوراً تاريخية، تمثل مواد ذات صلة بالذاكرة البصرية والثقافية.