المؤسسة والمديرة الإبداعية لـ"أكوان" Akwan لجين أبو الفرج تكتب لـ"هي": لعب يشبهنا A Culture in Play
في طفولتي في جدة، كنت دائمة الفضول وشديدة الانتباه إلى ما يدور حولي. كنت ألاحظ التفاصيل المحسوسة الصغيرة وأقدّرها: منزلنا المفعم بالألوان، ورائحة الألعاب الخشبية في حضانة والدتي الحميمة التي اتبعت نهج "مونتيسوري"، ودوّارات جدة المبهجة التي كانت معالم نهتدي بها إلى المكان، واللقاءات العائلية في منزل جدّي الأكبر وجدّتي الكبرى في مكة. ما زلت أتذكّر الدفء والضحك والطعام والكرم، وذلك الشعور بأنك محاطة بأشخاص يرحبّون بك ويغمرونك بالمحبّة.
وعندما غادرت جدة لاحقا، وانتقلت للعيش خارجها، وجدت نفسي أعود مرّة بعد مرّة إلى تلك الذكريات. وبدأت أنظر بحنين إلى الأشياء الصغيرة التي بدت لي يوما عادية: اللغة التي كنّا نتحدّثها، والقيم الراسخة التي توارثناها من جيل إلى جيل، وآداب الضيافة والكرم في استقبال الناس في بيوتنا. وقد جعلني البُعد أدرك عمق تأثير تلك التفاصيل في تشكيل هُويتي.
كان لوالدتي أيضا تأثير كبير في الطريقة التي أتعلّم بها وأفهم العالم. فكثيرا ما كانت تستعين بالقصص والألعاب لتبسيط المشاعر المعقّدة والأفكار الجديدة والمفاهيم المجرّدة. وحرصت على أن تغرس فيّ وفي شقيقاتي عقلية النموّ، وهي طريقة في التفكير بقيت معي منذ ذلك الحين. وحتى اليوم، عندما أحاول فهم شيء جديد أو إيصال فكرة، أبحث بشكل تلقائي عن قصة أو شيء ملموس أو وسيلة بصرية تجعل الفكرة واضحة وملموسة أكثر.

وقد انعكس هذا الحدس في نهاية المطاف على عملي في التصميم، ولاحقا على "أكوان".
وعندما أصبحت بدوري أمّا، بدأت أنظر باهتمام أكبر إلى الألعاب والتجارب المحيطة بأطفالي. أردت أن أنمّي فضولهم الفطري، ولكنني أردت أيضا أن يروا لغتهم وثقافتهم تنعكسان بشكل طبيعي في لعبهم. لم أكن أريد للغة العربية أن تبقى حبيسة الكتب المدرسية أو أطر التعلّم الرسمية، ولا للثقافة أن تظلّ ساكنة في المتاحف أو محصورة بالمناسبات الخاصة. أردتها أن تكون حاضرة حيّة في عالم الطفولة المليء بالفرح والفوضى والخيال.
من هذه الرغبة، ولدت "أكوان".
بالنسبة إليّ، لا يعني تصميم ألعاب عربية مجرّد إضافة حروف عربية إلى منتج موجود، أو تزيين مكعّب بنقوش مستوحاة من ثقافتنا. المسألة أعمق من ذلك، وتنطلق من أسئلة مثل: كيف يمكن للّعب المفتوح أن يشجّع الأطفال على اكتشاف اللغة العربية بطريقة طبيعية بديهية؟ ولماذا صمّم أجدادنا بعض الأشياء بالطريقة التي صمموها بها؟ وما الحكمة الكامنة وراء أشكالها ووظائفها؟ وكيف كانت تخدم حياتهم اليومية آنذاك؟ وكيف يمكن أن تخدمنا اليوم بطرق جديدة وهادفة؟ وكيف أستطيع تصميم ألعاب تنقل قيمنا من خلال اللعب؟ وفي النهاية، كيف يمكن لقطعة ملموسة أن تساعد الطفل على الشعور بالارتباط بلغته وثقافته، والاعتزاز بهما؟
لا يزال جزء كبير من عملي مرتبطا بذكرياتي الأولى عن البيت. ومثل العديد من الآباء والأمهات، أحاول أن أنقل إلى أطفالي القيم والمشاعر التي تربطنا بجذورنا، مع السماح لها في الوقت نفسه بالتطوّر بما يناسب أسلوب حياتنا اليوم. أؤمن بأن الثقافة كائن حي يتنفّس، ولكي نبقيها حيّة، علينا أن نستمر في استخدامها وتفسيرها والإضافة إليها.
يتعرّف الطفل إلى هُويته، ويكتشف من هو من خلال كل ما يحيط به: الألعاب التي يمسك بها، والقصص التي يسمعها، والكلمات التي ينطق بها، والطقوس التي يشارك فيها. وتصبح هذه التفاصيل بهدوء جزءا من هُويته.
إذا استطاع عملي أن يسهم في تنشئة أطفال عرب مبدعين، ومنفتحين على العالم، وقادرين على إيجاد الحلول، وفي الوقت نفسه راسخين في هُويتهم وإرثهم، فسأشعر بأن ما أصنعه أكبر بكثير من مجرّد لعبة.