التحري عن سرطان الثدي هل يمكن أن يكون الفحص المبني على الخطورة وليس العمر؟

التوعية من سرطان الثدي: هل نحتاج استراتيجية فحص مبنية على الخطورة وليس العمر؟

لا شك في أن حملات التوعية من سرطان الثدي، لا زالت تلعب دورًا بارزًا وحيويًا في تغيير السلوك الصحي للنساء.

فالمرأة، وعلى الرغم من وعيها "الصحي" العالي مقارنةً بالرجل؛ ما زالت لليوم مُقصَرةً في حق نفسها وأحبتها، في الفحص الدوري والكشف المبكر عن الإصابة بسرطان الثدي، إما لأسبابٍ اجتماعية أو لضيق الوقت أو رغبةً في عدم "اكتشاف" المرض من أساسه. مع أن المنطق والأرقام يقولان عكس ذلك؛ فالكشف المبكر عن سرطان الثدي يُساهم في تحديد الخطة العلاجية الأنسب والبدء بها في وقتٍ مبكر، فيما تُظهر نسب الشفاء من سرطان الثدي خلال السنوات الأخيرة ارتفاًعًا بشكلٍ ملحوظ عالميًا، بفضل التطور في التشخيص المبكر والعلاجات الموجّهة، خصوصًا في الأنواع مثل HER2‑positive و HR‑positive. وتُشير أحدث الإحصاءات إلى أن نسبة البقاء لخمس سنوات لجميع مراحل سرطان الثدي مجتمعةً تبلغ 92% للنساء.

تتساءل الكثير من النساء عن العمر الأنسب لفحص الثدي؛ وبحسب المختصين، يبدأ فحص الثدي للكشف عن سرطان الثدي عادةً عند سنّ الأربعين للنساء ذوات الخطورة المتوسطة، وفق أحدث التوصيات الطبية العالمية الصادرة عن CDC و ACOG و USPSTF. هذه التوصيات مبنية على بياناتٍ حديثة تُظهر ارتفاع نسب الإصابة بين النساء في الأربعينيات، ما يجعل البدء المبكر أكثر فعالية في إنقاذ الأرواح.

وهو ما يطرح السؤال التالي: هل نحتاج استراتيجية فحص مبنية على الخطورة وليس العمر؟ وماذا عن الرجال، هل يُصابون أيضًا بسرطان الثدي، ومتى عليهم البدء بالفحص؟

حملنا هذين السؤالين إلى طبيبتين مختصتين في عيادة Sequoia Clinic دبي، بعدما شاركنا ضمن فعالية Beyond Pink، ضمن صباحٍ حميمي جمع بين الإفطار، العافية وحوار هادف حول الصحة الوقائية. وخلاله، استمعنا إلى فريق Sequoia Clinic، الذي ركّز نهجه على الرعاية الصحية الوقائية، العافية الشخصية، ومساعدة الأفراد على فهم صحتهم بشكلٍ أفضل قبل أن تتطور أي مخاوف صحية.

الدكتورة علياء ساهني ممارسة معتمدة في الطب الوظيفي في عيادة Sequoia Clinic دبي
الدكتورة علياء ساهني ممارسة معتمدة في الطب الوظيفي في عيادة Sequoia Clinic دبي

التحري عن سرطان الثدي: هل يمكن أن يكون الفحص المبني على الخطورة وليس العمر؟

تُجيب الدكتورة علياء ساهني، طبيبة عامة مرخصة من هيئة الصحة بدبي (DHA)، مسجلة لدى المجلس الطبي العام (GMC)، وممارسة معتمدة في الطب الوظيفي في عيادة Sequoia Clinic دبي بالقول:

لا يزال العمر عاملاً مهمًا في فحوص الكشف المبكر عن سرطان الثدي، لأن خطر الإصابة يزداد مع التقدم في السن؛ كما أن برامج التصوير الشعاعي للثدي "الماموغرام" القائمة على الفئات العمرية، تستند إلى قاعدةٍ قوية من الأدلة العلمية. ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون العمر العامل الوحيد الذي نأخذهُ في الاعتبار.

يُوفر الفحص القائم على مستوى الخطورة سياقًا إضافيًا مهمًا؛ إذ يأخذ في الاعتبار عوامل تشمل التاريخ العائلي، الخضوع سابقًا لخزعات من الثدي، وكثافة أنسجة الثدي، وفي حالاتٍ مُختارة، المعلومات الجينية. فقد تكون امرأتان في العمر نفسه، لكن مستوى الخطورة لديهما مختلف تمامًا، خصوصًا إذا كانت إحداهما لديها أقارب مقرّبون أصيبوا بالمرض في سنٍ مبكرة، أو كانت تحمل مُتغيرًا جينيًا مُمرِضًا.كما قد تحتاج النساء الأكثر عرضةً للإصابة إلى بدء الفحوص في سنٍ أبكر أو إجرائها بوتيرة أكثر تكرارًا، وأحيانًا باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي إلى جانب الماموغرام.

وقد جاءت نتائج تجربة "WISDOM" لعام 2026 مُشجَعة؛ إذ أظهرت أن اعتماد فحصٍ شخصي قائم على مستوى الخطورة لدى النساء اللاتي تتراوح أعمارهنَ بين 40 و74 عامًا، قد يُقلَل عدد فحوص الماموغرام من دون زيادة حالات السرطان التي يتم اكتشافها في مراحل متقدمة. ومع ذلك، لم يؤدِ هذا النهج إلى خفضٍ ملحوظ في عدد الخزعات، كما أن المُشاركات في الدراسة لا يُمثلنَ جميع الفئات؛ لذلك لا تُعد هذه النتائج سببًا للتخلي تمامًا عن برامج الفحص القائمة على العمر.

لا يزال العمر عاملاً مهمًا في فحوص الكشف المبكر عن سرطان الثدي إلا في حالات التاريخ العائلي
لا يزال العمر عاملاً مهمًا في فحوص الكشف المبكر عن سرطان الثدي إلا في حالات التاريخ العائلي

أما بالنسبة للرجال، فلا يُنصح عمومًا بإجراء فحوص الماموغرام بشكلٍ روتيني؛ لأن سرطان الثدي لديهم أقل شيوعًا بكثير. وينبغي أن ينصَب التركيز بدلاً من ذلك، على تحديد الرجال الذين لديهم تاريخٌ عائلي قوي أو عوامل خطورة جينية، وتشجيعهم على الانتباه إلى أي كتلة جديدة أو تغيَر يطرأ على الثدي أو الحلمة.

يمكن لحملات التوعية أن تُحدث فرقًا حقيقيًا، لكن التوعية وحدها لا تكفي. فمعرفة الشخص بأنه ينبغي له إجراء فحص الماموغرام أمر واحد؛ في حين أن التغلب على الخوف، العثور على مكانٍ مناسب لإجراء الفحص، وتخصيص الوقت لذلك هو أمرٌ آخر. وتصبح حملات التوعية أكثر فائدةً، عندما ترتبط مباشرةً بإتاحة فحوص الكشف المبكر أو الفحوص السريرية للثدي بصورةٍ يسهل الوصول إليها، بما يجعل اتخاذ الخطوة التالية فعليًا أكثر سهولة.

من جهتها؛ علَقت الدكتورة باريسا خونصاري، متخصصة في الطب التجميلي والطب التكاملي في عيادة Sequoia Clinic دبي على السؤال المطروح أعلاه بالقول:

لا يزال العمر أحد أقوى عوامل الخطورة المرتبطة بسرطان الثدي؛ فكلما تقدمنا في السن، ازداد خطر الإصابة. وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل برامج الفحص الروتيني لسرطان الثدي لدى النساء تُنظم وفق فئاتٍ عمرية محددة. لذلك، أرى أن الأفضل هو الجمع بين العمر ومستوى الخطورة الشخصي، بدلاً من الاستغناء تمامًا عن الفحص القائم على العمر.

ويصبح هذا الأمر أكثر أهمية عندما نتحدثُ عن الرجال. فسرطان الثدي لدى الرجال نادر، إذ إن أقل من حالة واحدة من كل 100 حالة سرطان ثدي تحدث لدى الرجال؛ إلا أنهم قد يُصابون به في أي عمر، وإن كان يميل للظهور في مراحل عمرية متقدمة. وعلى عكس النساء، لا تتم دعوة الرجال بشكلٍ روتيني إلى برامج الفحص السكاني لسرطان الثدي، ما يجعل تحديد مستوى الخطورة الفردية أكثر أهمية.

الدكتورة باريسا خونصاري متخصصة في الطب التجميلي والطب التكاملي في عيادة Sequoia Clinic دبي
الدكتورة باريسا خونصاري متخصصة في الطب التجميلي والطب التكاملي في عيادة Sequoia Clinic دبي

كذلك نحتاجُ لتغيير مفهوم الناس لما نعنيه بـ"التاريخ العائلي". فالتاريخ المرضي من جهة الأب مهمٌ بالقدر نفسه الذي يهم به التاريخ من جهة الأم؛ فجميعنا نحمل جيني BRCA1 وBRCA2، اللذين يساعدان على إصلاح الحمض النووي المتضرر. ويمكن أن تنتقل التغيَرات الضارة في هذين الجينين من أيَ من الوالدين إلى الأبناء أو البنات؛ لذلك، قد يكون وجود تاريخٍ عائلي للإصابة بسرطان المبيض أو البنكرياس، أو بعض الأنواع الشرسة من سرطان البروستاتا، أو سرطان الثدي لدى رجل، ذا صلة بصحة الثدي لدى المرأة، وليس فقط وجود سرطان الثدي لدى والدتها أو شقيقتها.

كما أن الرجل الذي يحمل هذا التغيَر الجيني، ليس مجرد ناقل له إلى بناته؛ بل قد يؤثر في صحته هو أيضًا. فالتغيَرات الضارة في جين BRCA2 على وجه الخصوص، تزيد بشكلٍ ملحوظ من خطر إصابة الرجل بسرطان الثدي، وقد ترتبط أيضًا بسرطان البروستاتا وسرطان البنكرياس. لهذا، فإن إصابة رجلٍ بسرطان الثدي، قد تكون في بعض الحالات علامةً تحذيرية مهمة لعائلة بأكملها، وقد تستدعي تقييمًا جينيًا للأقارب من الرجال والنساء على حد سواء.

من العوامل الأخرى التي كثيرًا ما يُساء فهمها، كثافة الثدي. ويشير هذا المصطلح إلى تركيبة أنسجة الثدي كما تظهر في صورة الماموغرام، وليس إلى حجم الثدي. يمكن للأنسجة الكثيفة أن تزيد من خطر الإصابة بسرطان الثدي، كما قد تجعل اكتشاف السرطان أكثر صعوبةً، لأن الأنسجة الكثيفة والأورام قد تظهر باللون الأبيض على الصورة. لا يعني ذلك تلقائيًا أن الشخص يحتاج إلى فحوص تصويرٍ إضافية، لكن من المهم مناقشة هذا العامل إلى جانب بقية عوامل الخطورة.

الرجال الذين لديهم تاريخٌ عائلي قوي أو عوامل خطورة جينية يحتاجون لفحص سرطان الثدي
الرجال الذين لديهم تاريخٌ عائلي قوي أو عوامل خطورة جينية يحتاجون لفحص سرطان الثدي

وبالنسبة للرجال الذين لديهم خطرٌ وراثي، ينبغي أيضًا إجراء نقاشٍ شخصي حول الفحص والمتابعة؛ ولا ينبغي أن يفترضوا أن وجود تغيَرٍ جيني مرتبط بسرطان الثدي يخص قريباتهم من النساء فقط. فالماموغرام الروتيني لا يُوصى به عادةً للرجل ذي مستوى الخطورة المتوسط، لكن الرجال الذين لديهم عوامل خطورة جينية أو عائلية مهمة يحتاجون إلى إرشاداتٍ فردية، وقد يكون الماموغرام مناسبًا في بعض الحالات المُختارة ذات الخطورة المرتفعة أو عند ظهور أعراض.

أتمنى أن تُشجع حملات التوعية على اتخاذ خطوةٍ عملية واضحة، تتمثل في جمع معلومات التاريخ العائلي، السؤال عما تعنيه بالنسبة إلى الشخص نفسه، وفهم خطة الفحص المناسبة له. ومن المهم إشراك الرجال في هذا الحوار، ليس فقط باعتبارهم داعمين للنساء، بل باعتبارهم أشخاصًا تهمَ صحتهم الشخصية وتاريخهم العائلي أيضًا.

ولعل إحدى أهم رسائل حملة "الرجال أيضًا يصابون" هي ببساطة تغيير اللغة المستخدمة؛ فلا ينبغي النظر إلى سرطان الثدي باعتباره مرضًا يصيب النساء حصرًا. إذا لم يعتقد الرجال أنهم قد يصابون به، فمن غير المرجح أن يدركوا أن ظهور أي تغيَرٍ جديد في منطقة الصدر أو الحلمة يستدعي عنايةً طبية.

في الختام؛ لا يزال سرطان الثدي لدى الرجال أكثر عرضةً للتشخيص في مرحلةٍ متقدمة مقارنةً بسرطان الثدي لدى النساء، ويُعتقد أن نقص الوعي أحد الأسباب وراء ذلك. فيما يظهر أن العمر يبقى أحد أقوى عوامل الخطورة المرتبطة بسرطان الثدي؛ فكلما تقدمنا في السن، ازداد خطر الإصابة، إلا في حالات التاريخ العائلي، الخضوع سابقًا لخزعات من الثدي، وكثافة أنسجة الثدي، وفي حالاتٍ مُختارة، المعلومات الجينية.

لذا اسعٍ عزيزتي للتحرَي المكثف حول تاريخ سرطان الثدي في عائلتكِ، واعملي على ضمان قيامكِ بالفحص الدوري حسبما تقتضيه احتياجاتكِ الخاصة وذلك بعد التشاور مع مقدمي الرعاية الصحية الخاصة بكِ.

محررة صحافية وكاتبة محتوى، مسؤولة عن قسم الصحة والرشاقة وقسم التذوق في موقع "هي".