التجارب قبل الوجهات: جيل زد يغير مفهوم السياحة وأولويات المسافرين العرب
كلما سافرتِ إلى مكان، وبعد مشاهدة المناظر وتسجيل المعالم الشهيرة في قائمة أمنياتك، عادة ما تختتمين التجربة باستكشاف "أسلوب الحياة" المحلي، وعادات وطباع أهل المنطقة التي زرتها. ولطالما كانت الثقافة جزءًا لا يتجزأ من غايات وأهداف السفر عند المسافرين العرب، لكن مؤخرًا حدث تحول كبير في طريقة تعامل الناس وأهدافهم من السفر ومن السفر السياحي تحديدًا.
في السابق، كان السياح والمسافرون العرب عادة يختارون الوجهة أولًا، ثم يستكشفون ثقافتها المحلية بعد الوصول. الآن، هذه العملية تنعكس شيئًا فشيئًا. فما هو الجديد بالضبط؟. من الواضح أن المسافرين العرب الآن يقررون أي تجربة ثقافية يرغبون بها قبل اختيار الوجهة وفقًا لذلك.
بعبارة أخرى، لم تعد الثقافة جزءاً عرضيًا أو ثانويًا من جدول رحلات المسافرين العرب؛ وأصبح هذا هو السبب الرئيسي لتخطيط الرحلة في المقام الأول بحثًا عن تجربة مميزة ومثيرة بغض النظر عن الوجهة المقصودة.
ما الذي يحدد السياحة الثقافية؟

استنادًا إلى الدراسات فإن 84 في المئة من السياح والمسافرين العرب أصبحوا مهتمين بشكل أكبر بالسفر الثقافي داخل بلادهم في السنوات الأخيرة. وبالمثل، يخطط 67 في المئة بنشاط لعطلة حول تجربة ثقافية واحدة على الأقل. الملاحظة الرئيسية هي أن الثقافة لم تعد تعامل كإضافة أو فكرة ثانوية. تحمل جاذبية هائلة في التحضير للرحلة، وتصبح نقطة التركيز.
فما الذي يحدد التجربة الثقافية؟. تحدد المؤشرات أن المواقع التراثية والتاريخية كأقوى محفز، حيث إن 47 في المئة من المسافرين مستعدين لتخطيط رحلة حولها. كما تشمل العوامل الأخرى المهرجانات وتجارب الطعام الإقليمية. ثم بالنسبة للمهرجانات، تعد مهرجانات الربيع أو الصيف أو التسوق من بين أهم المهرجانات التي يخطط المسافرون حولها لرحلات سياحية.
وتحتل المناطق الأثرية والشعبية والطبيعية مرتبة من أبرز الوجهات الثقافية في البلاد، حيث يتجه المسافرون إلى هذه الأماكن بحثا عن المعالم المعمارية والمجتمعات التاريخية والتقاليد.
كيف يكتشف جيل زد التجارب الثقافية؟

يعتقد خبراء السفر والوجهات السياحية أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا رئيسيًا في مساعدة المسافرين والسياح الشباب على اكتشاف التجارب الثقافية.
ما هي الأولوية الآن؟
مع تغير طبيعة الاكتشاف عبر الإنترنت، بدأ الناس يتعاملون مع تخطيط الرحلات بشكل مختلف. هم يطرحون أسئلة مختلفة. ولم يعد "إلى أين نذهب؟" هو السؤال الأول. بدلًا من ذلك، أصبح المزيد من المسافرين متحمسين لسؤال "ماذا يجب أن نختبر؟". ثم تصبح الوجهة هي الجواب. فالمسافرون والسياح يتبعون هذا الجواب الغريزي الآن.

وقد ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة ما على ترسيخ "ديمقراطية" السفر. حيث أصبح الناس يعرضون ويطلبون أماكن وتجارب مختلفة لم يكونوا ليعرفوها لولا اطلاعهم عليها على مواقع التواصل الاجتماعي.
فالجيل زد في الواقع ييطلع ويعيد اكتشاف المزيد من تراثه الثقافي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا يلهمهم نوعا ما لخوض رحلة السفر القادمة.
ماذا يستخدم جيل زد لتخطيط رحلاتهم؟

جيل زد جيل يستخدم الذكاء الاصطناعي للبحث في الأماكن مسبقًا، خاصة عن ثقافته. كما شارك ملاحظته بأن المسافرين والسياح الشباب يستخدمون أداة الذكاء الاصطناعي لطرح أسئلة محددة بناء على اهتماماتهم الثقافية.
فإذا كان شخص مهتمًا بجزء معين من البلد أو بأسلوب معماري معين، يمكنه طرح أسئلة مستهدفة على برامج الذكاء الاصطناعي والحصول على توصيات ذات صلة، بما في ذلك المدن التي يستكشفها وأرخص الرحلات للوصول إليها.
فجيل زد "مخططون" بارعون يركزون على البحث والمعلومة المسبقة والذكية ولا يحبون التجريب. وهم يتجهون نحو نهج يركز على الاهتمام أولا في تخطيط الرحلات. ولهذا الغرض، كما يستفيدون من وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي. لذلك، تعمل التكنولوجيا كجسر ضروري بين الفضول الثقافي واكتشاف الوجهة للسياح الأصغر سنًا.
العودة للجذور

من الواضح أن وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي بالنسبة لجيل زد هما محركان أساسيان لاكتشاف الثقافة وتشكيل طريقة سفرهم. والتركيز على الثقافة الوطنية والجذور الأصلية هي تحول سلوكي، يذكرنا بأن هذا الشغف هنا ليبقى ولن يتلاشى مثل أي اتجاه عابر.
والآن بعد أن ناقشنا الثقافة مطولا، دعونا نفهم ماذا تعنيها في العصر الحديث ولماذا قد يواجه السياح عدم توافق بين التوقعات والواقع؟.
خذي مثال "متلازمة باريس"، حيث أحيانًا يكون واقع الوجهة مختلفًا عن الصورة الرومانسية. كذلك يمكن أن تظهر فجوة مماثلة عندما يتوقع المسافرون أن تبقى التقاليد كما كانت في الماضي.
ويتوقع السياح تجربة ثقافية يعتقدون أنها ستحافظ تمامًا كما كانت موجودة في الماضي. ومع ذلك، يوجد منظور إنساني ودقيق جدا، حيث إن فكرة أن الأصالة تتطلب بقاء الثقافة مجمدة في الزمن. وهذا غير صحيح تمامًا، حيث يمكن دمج التطور والحداثة مع الثقافة والتراث للخروج بتجارب استجمام واستمتاع لا تنسى.
من أين تنشأ الثقافة؟

الثقافة تقع عند تقاطع المجتمع ومحيطه. فالجغرافيا تحدد الثقافة. لذا عندما تتغير الظروف الجغرافية، تستجيب المجتمعات بتكييف ممارساتها الثقافية. وثقافتنا العربية تطورت عبر آلاف السنين رغم احتفاظها بطابعها العروبي الأصيل. فالثقافة دائمًا متغيرة وهي استجابة بشرية للبيئات الطبيعية.
كما أنه لا يمكن فصل الجغرافيا عن السياحة الثقافية. سواء كان الطعام المحلي أو الملابس أو العمارة، أو الحرف والمهرجانات، كل شيء يعتمد على البيئة التي تعيش فيها المجتمعات. فإذا تغيرت البيئات، فإن الأشخاص الذين يعيشون في تلك المواطن سيستجيبون بشكل مختلف. سيتكيفون ويطورون تقاليد ثقافية مختلفة، مما يسمح للقصص بأن تحمل إحساسًا بالاستمرارية.
الثقافة الحية

الثقافة الحي باختصار هي الثقافة التي تتطور باستمرار. والأصالة ليست في كيفية بقائها دون تغيير، بل في استمرارية القصص التي تحملها. فقبل التخطيط لرحلة مدفوعة بشغف الثقافة، من المفيد أن نفهم التقليد الذي يمنح الوجهة هويتها. وإحدى الطرق لتحقيق ذلك هي مشاهدة الفنانين وهم يعرضون حرفهم شخصيًا والطباخين يعدون أطباقهم أمام عينيك.. ومن خلال الحديث مع الحرفيين المحليين، سنجد أن هذه الحرف هي في الواقع جزء من ثقافة حية، حيث تنتقل المعرفة والمهارة من جيل إلى آخر.
ومن خلال العروض الحية والمحادثات مع الحرفيين المحليين، يمكنك فهم التقاليد الثقافية بشكل أفضل وحتى اكتشاف التجربة الثقافية التي ترغب في التخطيط لرحلتك القادمة حولها. وهنا نكون أمام فهم جديد للسياحة الثقافية ودورها في تعميق روح الوطنية والمسؤولية والاستدامة. كما أنها تزيد معرفتنا بالآخرين وتزيد احترامهم في أذهاننا وتقربنا إليهم وتقربهم إلينا.
الصور من pinterest