مريم نايف تعيد قراءة التراث السعودي بلغة معاصرة

خاص "هي": مريم نايف تعيد قراءة التراث السعودي بلغة معاصرة

30 سبتمبر 2026

بالنسبة إلى المصممة مريم نايف، لا يبدأ التراث من الرغبة في استعادة الماضي كما كان، وإنما من فضول يدفعها إلى البحث فيه، وفهم تفاصيله، ثم اكتشاف المساحة التي يمكن أن يحتلها داخل أزياء اليوم. فبين اختلاف القصات والزخارف والتطريزات من منطقة سعودية إلى أخرى، وجدت نايف لغة تصميمية تسمح لها بالعودة إلى المرجع من دون نسخه، وإلى الذاكرة من دون أن تتوقف عندها.

في عالم Maryam Naif، قد تبدأ القطعة من زي تقليدي لفت انتباه المصممة بصريًا، ثم يقودها البحث إلى قصة أوسع مرتبطة بالمنطقة وبيئتها وتفاصيلها. هكذا يتحول التراث من صورة محفوظة إلى نقطة انطلاق لتصميم معاصر، يحتفظ بأثر الأصل فيما يكتسب حياة جديدة. وفي حديث خاص مع "هي"، تكشف مريم عن منهجها في البحث والتصميم، وكيف تبني التوازن بين غنى التفاصيل وانسيابية القطعة، وطموحها لنقل الأزياء السعودية إلى جمهور عالمي من دون تخفيف هويتها.

حين أصبح التراث لغة تصميم

حين يلتقي ورد الطائف بالمبقّر الطائفي
حين يلتقي ورد الطائف بالمبقّر الطائفي

بدأت علاقة مريم نايف بالتصميم من اهتمام مبكر بالرسم والأزياء، لكن التحول الأساسي جاء حين تغيرت نظرتها إلى التراث نفسه.

تقول لـ"هي": "بدأت أنظر إلى التراث بوصفه مساحة قابلة لإعادة القراءة، وليس مجرد مرجع من الماضي. ومع التجربة وجدت نفسي أكثر في التصاميم التي تحمل أثر سعودي واضح".

من هنا بدأت ملامح هوية Maryam Naif تتشكل؛ فالهدف ليس إعادة إنتاج الزي التراثي، وإنما التقاط العناصر التي تمنحه شخصيته، ثم بناء تصميم جديد حولها. وتضيف: "أستعيد من التراث عناصره المميزة، ثم أبني حولها تصميم ينتمي إلى الحاضر".

من أين تبدأ الحكاية؟

لا تضع نايف لنفسها منطقة سعودية محددة تنطلق منها في كل مجموعة. على العكس، ترى أن اختلاف الأزياء بين مناطق المملكة هو أحد أكثر الجوانب التي تغذي فضولها.

"تستوقفني قطعة بتفاصيلها؛ قد تكون قصتها أو ألوانها أو زخارفها أو طريقة تطريزها، فأبدأ بالتعمق فيها وفهم ما يميزها"، تقول.

بعد ذلك يبدأ السؤال التصميمي: كيف يمكن الحفاظ على ما جعل هذه القطعة مميزة في الأصل، وفي الوقت نفسه تقديمها بطريقة مختلفة؟ ولهذا لا تتحرك Maryam Naif ضمن نطاق جغرافي ثابت، بل تتبع التفاصيل التي تستحق بالنسبة إليها مزيدًا من البحث.

المعاصرة من دون فقدان ذاكرة القطعة

ثوب المحوثل الشمالي مع سفرة سعود في تصميم فستان واحد تراثي عصري
ثوب المحوثل الشمالي مع سفرة سعود في تصميم فستان واحد تراثي عصري

الفارق بين الاستلهام والنسخ أساسي في طريقة عمل مريم نايف. فهي تتعامل مع الزي الأصلي باعتباره مرجع يمكن الانطلاق منه، لا قالب يجب الالتزام به حرفيًا.

وتوضح: "أحدد أولًا التفاصيل التي تمنح القطعة هويتها، مثل الزخرفة أو التطريز ومواضعهما، وأحافظ عليها، ثم أعيد بناء بقية العناصر بحرية أكبر من خلال القصة والخامة واللون".

وفي بعض التصاميم، يمتد البحث إلى البيئة التي خرج منها الزي نفسه. تستشهد نايف بـ"ثوب الصون"، حيث ربطت تفاصيله بالورد الطائفي، لتدخل عناصر المكان في عملية إعادة قراءة القطعة.

وتختصر فلسفتها بجملة واضحة: "نجاح المعاصرة هو أن يتغير التصميم، لكن تظل ذاكرته قابلة للقراءة".

حين تكون التفاصيل غنية... تهدأ القصّة

الألوان والتطريز والزخارف تحضر بقوة في تصاميم Maryam Naif، لكن كثرة التفاصيل لا تعني بالنسبة إليها أن تكون جميع عناصر القطعة في حالة تنافس بصري.

"لا أرى كثافة التطريز مشكلة بحد ذاتها؛ المشكلة تبدأ عندما تتنافس عناصر التصميم على لفت النظر"، تقول.

لذلك إذا كان التطريز غني، قد تختار قصّة أكثر هدوء أو خامة ولون يمنحانه المساحة التي يحتاجها. ويعتمد هذا التوازن على مراجعة مستمرة للتصميم حتى تصل إلى النقطة التي تشعر فيها بأن العناصر أصبحت تعمل معًا.

"أعتمد كثيرًا على عيني في هذه المرحلة، وأراجع التصميم باستمرار حتى أشعر أن التفاصيل تعمل معًا، لا ضد بعضها".

البحث جزء من التصميم وليس مرحلة تسبقه

ثوب الصون المالكي بلمسة معاصرة
ثوب الصون المالكي بلمسة معاصرة

وراء القطع التي تحمل إشارات إلى مناطق أو حقب مختلفة عملية بحث ترى نايف أنها جزء أساسي من التصميم ذاته.

ترجع إلى الكتب والأبحاث المتخصصة والصور والوثائق القديمة، وتقارن بين المصادر عندما تختلف المعلومات. وفي بعض الأحيان تبدأ رحلتها بحثًا عن تفصيل صغير، قبل أن يقودها إلى اتجاه لم يكن موجودًا في تصورها الأول.

وتقول: "أحيانًا أدخل إلى البحث بحثًا عن معلومة محددة، وأخرج منه بفكرة تصميم كاملة لم تكن في ذهني من الأساس. وهذه بالنسبة لي واحدة من أجمل مراحل العمل".

حتى القصص التي تبدو وكأنها بُنيت مسبقًا حول بعض التصاميم تأتي غالبًا بطريقة أكثر عفوية. فالقطعة تثير الفضول أولًا، ثم يكشف البحث محيطها الثقافي والجغرافي، ومن هناك تبدأ القصة في الظهور.

"لا أفرض القصة على القطعة؛ أترك البحث يكشفها لي، ثم أبني التصميم حولها".

التراث الذي يستمر بدل أن يُستعاد فقط

ترى مريم نايف أن علاقة المصمم السعودي بالتراث تتجاوز الحفاظ عليه بصورته الأصلية. فالتصميم المعاصر يمكن أن يمنحه فرصة للوصول إلى جيل جديد، ويثير الفضول حول جذوره وسياقه.

وتقول: "أعتقد أن أحد أدوار المصمم هو أن يجعل التراث قابل للاستمرار، لا أن يكتفي باستعادته. عندما تتحول قطعة تراثية إلى تصميم معاصر يثير فضول جيل جديد، فإنها تفتح بابًا للبحث عن أصلها وفهم سياقها".

الأمر نفسه ينطبق على الجمهور العالمي. فلا تطمح نايف إلى أن تصل القطعة بوصفها تصميم جميل فحسب، وإنما أن يبقى أصلها السعودي واضح في الطريقة التي تُقرأ بها.

"الوصول إلى العالمية بالنسبة لي لا يعني تخفيف الهوية، بل القدرة على إيصالها".

فصل أكبر لـMaryam Naif

في المرحلة المقبلة، تطمح مريم نايف إلى ترسيخ علامتها كاسم متخصص في تقديم الأزياء السعودية بروح معاصرة، والوصول بمجموعاتها إلى عروض وأسابيع الموضة داخل المملكة وخارجها.

ولا ترى أن رحلة البحث في التراث السعودي اقتربت من نهايتها. فالتنوع الكبير بين مناطق المملكة لا يزال بالنسبة إليها يحمل الكثير مما يمكن اكتشافه وإعادة قراءته.

بين قطعة قديمة تلفت النظر، وبحث يكشف قصة لم تكن متوقعة، وتصميم يحتفظ بذاكرته من دون أن يبقى عالق فيها، تبني مريم نايف لغتها الخاصة. لغة تنظر إلى التراث السعودي باعتباره مادة حية يمكن أن تستمر وتتطور، وأن تصل إلى العالم من دون أن تتخلى عن المرجع الذي بدأت منه.