خاص "هي": من النقوش إلى الحركة... كيف صاغت الفنانة السعودية منال الضويان عالم "ذكرى"؟
حين بدأت الفنانة السعودية منال الضويان زياراتها إلى العُلا، وجدت في عمارتها ونقوشها وحكايات أهلها معرفةً لم تصل إليها من قبل. أثار ذلك لديها سؤالاً عن التواريخ التي تغيب عنّا، وعن الطرق التي تبقى بها الذاكرة حيّة خارج الكتب والوثائق. من هذا السؤال نشأ "ذِكرى"، العمل الأدائي الذي تعاونت فيه مع المصمم الكوريغرافي أكرم خان، في أول تجربة لها مع الإنتاج الراقص.
في "ذِكرى"، تنتقل لغة الضويان البصرية من العمل التركيبي والصورة إلى مسرح تتحرك فيه الأزياء والرموز مع أجساد المؤدين. تستلهم من طبيعة العُلا وعمارتها وتراثها، وتفتح المجال أيضاً أمام إيقاعات وحركات من ثقافات أخرى، لتصنع عالماً لا ينتمي إلى زمن واحد. وفي قلبه تقف النساء: يحملن المعرفة عبر الحكايات والأغاني والحِرف والطقوس، ثم ينقلنها إلى الجيل التالي وقد أضفن إليها شيئاً من تجربتهن.
لكن حديث الضويان عن "ذِكرى" يفتح أسئلة تتجاوز العمل نفسه. فالفنانة التي مثّلت السعودية في بينالي البندقية عام 2024 تتأمل في هذا الحوار الخاص مع "هي" كيف يستطيع الفن المتجذر في مكان بعينه أن يخاطب جمهوراً عالمياً من دون تبسيط هويته. وتتحدث عن الفنانات السعوديات اللواتي صنعن مساحاتهن وعن جيل جديد يعمل اليوم بحرية وتنوّع أكبر. وبين تجربتها في العُلا ورحلة "ذِكرى" إلى جماهير مختلفة، يعود السؤال الذي تفضّل أن تتركه أعمالها مفتوحاً: ماذا نتذكر، وماذا نختار أن نحمل معنا إلى المستقبل؟

كيف وُلد مشروع "ذِكرى"، وما الفكرة أو الذكرى الأولى التي ألهمته؟
بدأ مشروع “ذِكرى” من فكرة مفادها أنه لا مستقبل من دون ماضٍ. وقد أصبحت هذه الفكرة شخصية جداً بالنسبة لي خلال زياراتي الأولى إلى العُلا، حيث تعرّفت إلى تاريخ لم أكن قد اطّلعت عليه فعلياً خلال مسيرتي التعليمية. وعندما فُتحت المواقع التاريخية أمام الزوار، أدهشني حجم المعرفة الكامنة فيها، في العمارة والنقوش الصخرية والرموز وآثار الطريقة التي عاش بها الناس في الماضي.
دفعني ذلك إلى التفكير فيما يحدث عندما يتم تجاهل هذه التواريخ، وما الذي يعنيه أن نعيد اكتشافها. ومن هنا، تطوّر “ذِكرى” حول مفهوم التذكّر والبحث عن معرفة الأجداد، من خلال مجتمع من النساء والطرق التي يحافظن بها على هذه المعرفة وينقلنها من جيل إلى آخر.
تحضر العُلا والمشهد الطبيعي السعودي بقوة في العمل، من خلال الموسيقى المحلية والرقص والحِرف والرموز، لكنني لم أرد للعمل أن يرتبط بمكان واحد أو حقبة زمنية محددة.

ما الذي جذبك للانتقال من الفن البصري إلى عالم المسرح والأداء الحي في هذا المشروع؟
جاء الأمر في الواقع من خلال دعوة، ولم يكن شيئاً خططت له أو توقعته. يمثّل هذا المشروع خروجاً واضحاً عن ممارستي الفنية المعتادة، كما أنها كانت المرة الأولى التي أعمل فيها على إنتاج راقص، لذلك دخلت هذه التجربة بقدر كبير من الفضول.
لطالما أعجبت بأعمال أكرم لسنوات طويلة، وكانت فرصة التعاون معه مثيرة بالنسبة لي، لكنني كنت أدرك أيضاً أنني أخوض عالماً إبداعياً مختلفاً تماماً.
منذ البداية، نشأ بيننا انسجام طبيعي جداً. خلال زيارتنا الأولى إلى العُلا، دعوت أكرم إلى منزل إحدى صديقاتي من أهل المنطقة، وقضينا وقتاً في الاستماع إلى الموسيقى المحلية والحديث عن التقاليد والحكايات. وأعتقد أننا أدركنا سريعاً أننا نتشارك طريقة متقاربة في التفكير تجاه العمل، ومن هناك بدأنا في بنائه معاً.
استمرت العملية قرابة عامين، وكانت بالنسبة لي رحلة من التعلّم والتبادل والثقة. كنت أتعلّم كيف يتشكّل العمل الراقص، وفي الوقت نفسه أحمل لغتي البصرية وطريقتي الخاصة في العمل إلى هذه المساحة الجديدة. وقد جلب أكرم وفريقه خبرة عميقة واستثنائية، وعمل فريقانا بشكل وثيق جداً طوال مراحل المشروع.

في "ذِكرى"، تتولين مسؤولية الإخراج البصري وتصميم الأزياء والسينوغرافيا. كيف جمعتِ هذه العناصر ضمن لغة بصرية متكاملة؟
تعاملت مع الإخراج البصري باعتباره عالماً واحداً مترابطاً، بدلاً من الفصل بين الأزياء والسينوغرافيا. كل شيء بدأ من العُلا: عمارتها، ونقوشها، وألوانها الطبيعية، وآثار الأشخاص الذين عاشوا فيها. أصبحت الأشكال الهندسية جزءاً مهماً من هذه اللغة. فالمثلث، على سبيل المثال، مستوحى من شكل نافذة تقليدية في العُلا، ويرتبط بالمرأة التي تحمل معرفة الأجداد. ويتحوّل إلى عتبة بين الماضي والحاضر.
كان التحدي الحقيقي هو ترجمة هذه الأفكار إلى شيء قادر على الحركة مع الراقصين. لذلك عملنا عن قرب مع صانعي الأزياء والمؤدين للوصول إلى التوازن بين اللغة البصرية والمتطلبات الجسدية للأداء.

تشكّل النساء والطقوس والتقاليد محوراً أساسياً في المشروع. ماذا أردتِ التعبير عنه بشأن المرأة من خلال "ذِكرى"؟
لطالما كانت المرأة في صميم عملي، وفي “ذِكرى” كنت أفكر في دور النساء بوصفهن حافظات للذاكرة والمعرفة. فالكثير مما نعرفه ينتقل من جيل إلى آخر عبر النساء، وليس بالضرورة من خلال التاريخ المكتوب، وإنما عبر الحكايات والطقوس والأغاني والإيماءات والحِرف والممارسات اليومية.
اهتممت بهذا النوع من المعرفة لأنها معرفة متجسدة بصورة كبيرة. في “ذِكرى”، تحمل النساء هذه الذكريات داخلهن، ومن خلال الأداء ينقلنها إلى بعضهن البعض. هناك إحساس بالاستمرارية، ولكن هناك أيضاً تحوّل، لأن التقاليد لا تتكرر ببساطة كما هي؛ بل يحملها كل جيل إلى الأمام بطريقته الخاصة.

كيف تعاملتِ مع التراث السعودي بطريقة تحافظ على حضوره في العمل من دون الاكتفاء بإعادة تجسيد الماضي؟
لم أرد إعادة خلق الماضي أو التعامل مع التراث باعتباره شيئاً ثابتاً ضمن زمن محدد. تدور أحداث “ذِكرى” في عالم متخيّل لا ينتمي إلى حقبة زمنية محددة؛ فقد يكون من الماضي أو المستقبل أو في مكان ما بينهما.
تعاملت مع التراث السعودي، وخصوصاً تراث العُلا، باعتباره مصدراً للمعرفة ولغة بصرية. درست عن قرب العمارة والنقوش القديمة والرموز والطقوس والمواد والموسيقى والمناظر الطبيعية، وسمحت لهذه المرجعيات بالدخول إلى العمل بطرق مختلفة.
كان مهماً بالنسبة لي أن تكون هذه المرجعيات قابلة للتعرّف عليها من دون أن تتحول إلى إعادة بناء لحقبة تاريخية محددة. ما أثار اهتمامي هو ما يحدث عندما نجمع أجزاءً من أزمنة مختلفة ونسمح لها بتشكيل عالم متخيّل جديد.
فالتراث ينتقل عبر الأجيال، ومع كل جيل تتم إعادة تذكّره وتفسيره وتحويله. وفي “ذِكرى”، أردت إنشاء مساحة تستطيع فيها كل هذه الطبقات أن تتعايش في الوقت نفسه، حيث يمكن لشيء متوارث عن الأجداد أن يبدو مألوفاً، وفي الوقت ذاته كما لو أنه آتٍ من زمن لم نعرفه بعد.

ما الذي أتاح لكِ المسرح استكشافه أو التعبير عنه بطريقة لم تكن ممكنة بالأسلوب نفسه ضمن معرض أو عمل تركيبي؟
أتاح لي المسرح التفكير في العمل باعتباره شيئاً يتكشف عبر الزمن، بدلاً من أن يكون جسماً أو مساحة ثابتة يلتقي بها المشاهد.
كنت مهتمة بشكل خاص برؤية كيف يمكن لعنصر أو رمز أن يتغير معناه من خلال الجسد. فالشكل الذي قد يكون ثابتاً في عمل تركيبي يصبح شيئاً مختلفاً تماماً عندما يحمله راقص أو يتحرك من خلاله أو يتفاعل معه. عندها يصبح جزءاً من الإيماءة وجزءاً من السرد.
ما الذي تأملين أن يبقى مع الجمهور بعد تجربتهم لـ"ذِكرى"؟
في الواقع، أحب حضور عروض “ذِكرى” لأنني أستطيع أن أعيش تفاعل الجمهور في اللحظة نفسها.
ينطلق العمل من شيء حميمي وشديد الخصوصية، متجذر في العُلا وفي بحثي الشخصي عن معرفة الأجداد، لكن فكرة الإرث المتوارث عن الأسلاف، وحتى الذاكرة نفسها، هي فكرة إنسانية عالمية تماماً.

وما بقي معي هو رؤية أشخاص من أماكن شديدة الاختلاف يجدون ارتباطهم الخاص بالعمل من دون أن يكونوا بالضرورة على معرفة بجميع مرجعياته. أعتقد أن هناك شيئاً بالغ القوة في ذلك. لسنا بحاجة إلى امتلاك التاريخ نفسه أو الذكريات نفسها حتى نتعرّف إلى ذلك الشعور لدى بعضنا البعض.
بعد تمثيل المملكة العربية السعودية في بينالي البندقية 2024، هل غيّرت تلك التجربة الطريقة التي تنظرين بها إلى تقديم الهوية السعودية أمام جمهور عالمي؟
عندما وصلت إلى البندقية، كنت محظوظة بالفعل بأنني قدمت أعمالي دولياً لسنوات طويلة. دخلت أعمالي مجموعات فنية مثل المتحف البريطاني ومركز بومبيدو وغوغنهايم في نيويورك وغيرها، كما شاركت في بيناليات ومعارض في العديد من أنحاء العالم، من الصين واليابان إلى البرازيل.
وقد علمتني تلك التجارب الكثير عن الطريقة التي يمكن لعمل منبثق من مكان شديد الخصوصية أن يدخل بها إلى سياقات ثقافية مختلفة.
إن كان هناك شيء عززته تجربة البندقية لدي، فهو أنني لست مضطرة إلى شرح أو تبسيط المكان الذي أنتمي إليه من أجل الجمهور الدولي. يمكنني أن أبدأ من شيء شديد الخصوصية، وأن أبقى منفتحة على تعقيداته، وأترك للناس المجال ليجدوا طريقهم الخاص إلى العمل.
هل تشعرين أن الفن السعودي اليوم تجاوز مرحلة التعريف بنفسه عالمياً، ودخل مرحلة أكثر ثقة في تقديم منظوره الخاص والمتميز؟
أعتقد أننا نعيش اليوم مرحلة أكثر ثقة بكثير، رغم أن عملية التعريف لا تزال مستمرة في بعض السياقات.
وأعتقد أن هذه الثقة تأتي أيضاً مما يحدث داخل المملكة. لقد شهدت ازدهاراً استثنائياً في الفنون في السعودية، بعد سنوات طويلة من عمل الفنانين والممارسين الثقافيين على بناء هذا المشهد.
وأشعر بهذا التحول على المستوى الشخصي أيضاً. يتواصل معي قيّمون وباحثون من مختلف أنحاء العالم لأنهم يرغبون في إدراج أبحاثي وصوتي ضمن حوارات دولية أوسع.
وبشكل متزايد، لم تعد هذه الدعوات تأتي فقط من المراكز الفنية الغربية التقليدية. خلال السنوات القليلة الماضية، كان لدي تفاعل كبير مع الصين وكوريا واليابان وأجزاء أخرى من آسيا من خلال البيناليات والمعارض والأبحاث.
لفترة طويلة، كان عالم الفن الدولي متمركزاً بصورة كبيرة حول الغرب، ولذلك أجد هذا التحول مثيراً للاهتمام بشكل خاص.
كيف ترين دور الفنانات السعوديات في المشهد الإبداعي المتطور اليوم؟
لطالما كانت الفنانات السعوديات حاضرات ويُنتجن أعمالهن، حتى عندما كانت مستويات الظهور والفرص مختلفة تماماً عما هي عليه اليوم.
أحب رؤية النساء جميعاً وهن يمارسن الفن بهذه القوة وبهذا التنوع. لا توجد طريقة واحدة لأن تكوني فنانة سعودية، ولا ينبغي أن تكون هناك طريقة واحدة.
وأعتقد أيضاً أن النساء يؤدين دوراً أساسياً في بناء المشهد الإبداعي نفسه، ليس فقط كفنانات، بل أيضاً كقيّمات وباحثات وكاتبات وممارسات وقيادات ثقافية.