الذكاء العاطفي مهارة أساسية يمكن أن تغيّر طريقة إدارتك لمشروعك

لماذا تحتاج كل رائدة أعمال إلى الذكاء العاطفي؟

عندما نفكر في المقومات التي يحتاج إليها أي مشروع حتى ينطلق وينمو، تتبادر إلى الذهن عناصر أساسية تبدو واضحة ومألوفة: فكرة محددة، وخطة عمل متماسكة، ورأس مال مناسب، ومعرفة جيدة بمجال المشروع، إلى جانب القدرة على الوصول إلى العملاء وتسويق ما نقدمه لهم.

ولا شك أن هذه العناصر جميعها مهمة، إلا أن هناك عاملاً آخر قد لا يحظى بالمكانة نفسها في هذه القائمة، رغم أنه قد يكون الفارق الحقيقي بين مشروع يواصل طريقه بثبات وآخر يتعثر مع أولى الصدمات، كما قد يكون الفارق أيضاً بين رائدة أعمال تستطيع الاستمرار في رحلتها وبين أخرى تستنزفها الضغوط حتى تفقد قدرتها على المواصلة.

هذا العامل هو الذكاء العاطفي، ذلك الجانب الذي لا يظهر دائماً في خطط العمل والجداول المالية، لكنه يرافق صاحبة المشروع في كل محادثة وقرار وخلاف وتحدٍ، ويؤثر في الطريقة التي تفهم بها نفسها وتتواصل بها مع الآخرين وتقود بها مشروعها.

ما هو الذكاء العاطفي ؟

تعرّفي على الدور الذي يلعبه الذكاء العاطفي في حياة رائدة الأعمال
تعرّفي على الدور الذي يلعبه الذكاء العاطفي في حياة رائدة الأعمال

قبل أن نتحدث عن أهمية الذكاء العاطفي في ريادة الأعمال، من الضروري أن نتوقف قليلاً عند معناه، خصوصاً أن هذا المصطلح يُستخدم أحياناً بصورة واسعة إلى درجة قد تفقده دقته. فالذكاء العاطفي لا يعني أن تكوني هادئة طوال الوقت، ولا أن تتجنبي المشاعر الصعبة، ولا أن تكوني لطيفة مع الجميع مهما كانت الظروف، وإنما يشير إلى قدرتك على ملاحظة مشاعرك وفهم أسبابها والتعامل معها بطريقة واعية، وفي الوقت نفسه قراءة مشاعر الآخرين وفهمها والتفاعل معها بما يساعد على بناء تواصل صحي ومثمر.

وتكمن أهمية هذه الأبعاد في ريادة الأعمال تحديداً في أن رائدة الأعمال تجد نفسها يومياً أمام مواقف تحتاج فيها إلى أكثر من جانب منها في الوقت نفسه، فقد تضطر في لحظة واحدة إلى فهم انفعالها، وقراءة رد فعل الطرف الآخر، والسيطرة على استجابتها، ثم اختيار الطريقة الأنسب لإدارة الحوار.

المشروع يُقام مع بشر

قد تكتشف رائدة الأعمال الجديدة بعد فترة أن أكثر ما يستنزفها ليس بالضرورة الجانب التقني أو المالي من المشروع، وإنما التفاصيل الإنسانية التي تتكرر كل يوم ولا يمكن وضعها بسهولة في جدول أو خطة. فقد يكون هناك موظف لم ينجز ما التزم به، أو شريك اختار الاختلاف معك في لحظة شديدة الحساسية، أو عميل غيّر رأيه بعد توقيع الاتفاق، أو مستثمر أبدى اهتماماً واضحاً ثم تراجع فجأة من دون تفسير، وفي الوقت نفسه قد تجدين فريقك بحاجة إلى التحفيز والدعم بينما تحاولين أنتِ إخفاء مقدار الضغط الذي تعيشينه حتى لا ينعكس عليهم.

في مثل هذه المواقف، لا تكفي المعرفة المهنية وحدها، لأن التعامل معها يحتاج إلى قدرة حقيقية على فهم المشاعر وتنظيمها، بدءاً من مشاعرك أنت ثم مشاعر الأشخاص الذين يعملون معك أو يتعاملون مع مشروعك.

لأن القرارات لا تُتّخذ في فراغ عاطفي

هل يمكن للذكاء العاطفي أن يصنع فارقًا حقيقيًا في رحلة رائدة الأعمال؟
هل يمكن للذكاء العاطفي أن يصنع فارقًا حقيقيًا في رحلة رائدة الأعمال؟

من الأفكار الشائعة أن القرار الجيد يجب أن يكون قراراً بارداً، وأن أفضل ما يمكن فعله هو استبعاد المشاعر تماماً والاعتماد على المنطق وحده. لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك، فالمشاعر ليست عنصراً خارجياً يمكن فصله بسهولة عن عملية اتخاذ القرار، بل تدخل بصورة طبيعية في الطريقة التي نقيّم بها الخيارات ونستجيب للمواقف ونحدد ما نراه مهماً.

ولهذا، فالمطلوب ليس أن تطردي مشاعرك من غرفة القرار، وإنما أن تعرفي كيف تمنحينها مكانها الصحيح من دون أن تسمحي لها بالسيطرة عليك.

لأن بناء الفريق يبدأ وينتهي بالثقة

لا يمكن لمشروع أن يستمر في النمو اعتماداً على جهد شخص واحد إلى الأبد، فمع اتساع العمل ستحتاجين إلى أشخاص يشاركونك المسؤوليات، سواء كانوا موظفين أو شركاء أو متعاونين. لكن وجود مجموعة من الأشخاص حولك لا يعني بالضرورة أنك بنيت فريقاً حقيقياً، لأن الفريق الذي يعمل بكفاءة يحتاج قبل أي شيء إلى الثقة، والثقة لا تنشأ من اللوائح والإجراءات وحدها، بل تتكون من التفاصيل اليومية التي يعيشها الأشخاص أثناء تعاملهم مع القائدة.

فهي تظهر في نبرة صوتك عندما تكونين تحت ضغط، وفي الطريقة التي تستقبلين بها الخطأ، وفي قدرتك على الاستماع عندما يعرض أحد أفراد الفريق مشكلة، وفي مدى شعور الأشخاص من حولك بأن آراءهم مسموعة وأن جهودهم محل تقدير. وكل موقف من هذه المواقف يترك أثراً، حتى لو بدا بسيطاً في لحظته.

لأن العلاقة مع العملاء تُبنى على التواصل الإنساني

في سوق تتشابه فيه المنتجات والخدمات أكثر فأكثر، قد لا يكون ما تقدمينه وحده هو العامل الذي يجعل العميلة تختارك مرة أخرى، وإنما الطريقة التي تشعر بها أثناء تعاملها معك ومع مشروعك. فالعميلة التي تشعر بأنها مسموعة ومفهومة ومقدرة، وليست مجرد اسم أو رقم في سجل العملاء، تكون أكثر استعداداً للاستمرار في علاقتها بالمشروع والتحدث عنه أمام الآخرين.

حتى العميل الغاضب يمكن أن تتغير علاقته بالمشروع عندما يجد أمامه شخصاً لا يتعامل مع انفعاله باعتباره هجوماً شخصياً، وإنما يحاول أولاً أن يفهم السبب الحقيقي وراءه. وقد تتحول شكوى بدأت بتوتر إلى علاقة أكثر قوة عندما تشعر العميلة بأن مشكلتها أخذت بجدية وأن الطرف الآخر لم يحاول الدفاع عن نفسه قبل أن يستمع إليها.

لأن الضغط في ريادة الأعمال لا يتوقف

الذكاء العاطفي مهارة أساسية يمكن أن تغيّر طريقة إدارتك لمشروعك
الذكاء العاطفي مهارة أساسية يمكن أن تغيّر طريقة إدارتك لمشروعك

تأتي ريادة الأعمال مصحوبة بقدر كبير من الغموض وعدم اليقين، وقد يستمر هذا الشعور لفترات طويلة. لا يوجد دائماً راتب ثابت يمكنك الاعتماد عليه، ولا توجد خريطة طريق مضمونة تخبرك بما سيحدث غداً، كما لا يوجد شخص يقف إلى جانبك كل صباح ليؤكد لك أن كل ما تفعلينه يسير في الاتجاه الصحيح.

وفي وسط هذا القدر من عدم اليقين، تصبح القدرة على التعامل مع القلق والخوف والشك والإحباط جزءاً أساسياً من قدرتك على الاستمرار. فالمشكلة ليست في أن تشعري بهذه المشاعر، فهي طبيعية في رحلة مليئة بالمخاطر والمسؤوليات، وإنما في أن تتركيها تتراكم داخلك إلى أن تبدأ في التأثير على قراراتك وطريقة حديثك وطاقة العمل التي تمنحينها لمن حولك.

القيادة في جوهرها تأثير

قد تصل رائدة الأعمال إلى مرحلة تكتشف فيها أن امتلاك الصلاحية لاتخاذ القرار لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على جعل الآخرين يؤمنون به. يمكنك إصدار قرار رسمي، لكنك لا تستطيعين إجبار فريقك على تنفيذه بحماس حقيقي، كما يمكنك تحديد أهداف واضحة، لكنك لن تستطيعي أن تفرضي على شخص ما أن يشعر بالحماس تجاهها لمجرد أنك أعلنتها.

فالقيادة الحقيقية تتجاوز السلطة إلى التأثير، والتأثير الذي يجعل الناس يتحركون بدافع داخلي لا بسبب الخوف من العقوبة أو الرغبة في إرضاء المسؤول، يبدأ من الاتصال الإنساني. وهذا الاتصال لا ينفصل عن الذكاء العاطفي، لأنه يتطلب القدرة على فهم ما يحفز الآخرين، وما يقلقهم، وما يحتاجون إليه حتى يشعروا بأنهم جزء حقيقي من الرؤية التي يعملون من أجلها.

هل الذكاء العاطفي موهبة أم مهارة؟

هذا السؤال مهم جداً، لأن الإجابة عنه تحدد الطريقة التي تنظرين بها إلى قدرتك على تطوير هذا الجانب من شخصيتك. فإذا اعتبرتِ الذكاء العاطفي صفة ثابتة يولد بها بعض الناس ويحرم منها آخرون، فقد يبدو تطويره أمراً خارج قدرتك. أما إذا نظرتِ إليه باعتباره مهارة يمكن تنميتها، فستصبح كل تجربة يومية فرصة للتدريب والتحسن.

فالذكاء العاطفي يمكن تطويره من خلال الوعي والممارسة المتعمدة. وتشير الأبحاث إلى إمكانية تطويره في مراحل مختلفة من الحياة، كما يمكن للتدريب المقصود على هذه المهارات أن ينعكس بصورة قابلة للملاحظة والقياس على أداء الأشخاص وعلاقاتهم.

ويمكن أن يبدأ هذا التطوير من الداخل، من خلال الاعتياد على التوقف للحظة وسؤال نفسك: ماذا أشعر الآن؟ وما السبب الحقيقي وراء هذا الشعور؟ ومع تكرار هذه الملاحظة، يصبح من الأسهل عليك أن تميزي بين الشعور نفسه وبين التصرف الذي قد ينتج عنه. وفي لحظات الغضب أو الاندفاع، جربي أيضاً أن تتركي فاصلاً صغيراً بين الموقف ورد فعلك، حتى لو لم يتجاوز بضع ثوانٍ، لأن هذه المساحة البسيطة تمنحك فرصة لاختيار استجابة أكثر وعياً.

محررة في قسم المجوهرات واللايف ستايل