روتشا دارياني، مؤسِّسة The Second Act

من امرأة الأمس إلى امرأة اليوم: كيف نعيد اكتشاف أنفسنا حين تغيّر الحياة مسارها

هناك لحظة غريبة تأتي بعد أن يهدأ كل شيء. يعود الهاتف إلى صمته، تستأنف الأيام إيقاعها المعتاد، ويبدأ من حولكِ بالتعامل معكِ كما لو أن الأمور عادت إلى طبيعتها. ربما تبدين بخير فعلًا. تخرجين، تعملين، تضحكين، وتقومين بكل ما اعتدتِ القيام به. لكن في داخلكِ سؤال لا يهدأ: أين أنا من كل هذا؟
هذا تحديدًا ما واجهته روتشا دارياني، مؤسِّسة The Second Act، هي حركة مقرّها الإمارات تهدف إلى مساعدة النساء على إعادة بناء حياتهن بعد التحوّلات الكبرى، بدءًا من المرض والاحتراق النفسي، وصولًا إلى الأمومة والطلاق والتغيّرات الجذرية في المسار المهني، بعد إصابتها بسكتة دماغية في الثامنة والثلاثين من عمرها. أمضت فترة في إعادة تعلّم المشي والكلام والقيام بتفاصيل يومية بدت في وقتها إنجازات كبيرة. ثم بدأت تبدو بخير. وهنا، بحسب تجربتها، بدأت الحيرة الحقيقية، فقد استعادت كثيرًا مما فقدته جسديًا، لكنها لم تستعد الإحساس بأنها المرأة نفسها.
كانت المشكلة، ببساطة، أنها لم تجد الكلمات التي تصف ما تشعر به. كيف تشرحين أنكِ لستِ مريضة بالمعنى الذي يفهمه الآخرون، لكنكِ أيضًا لم تعودي كما كنتِ؟ كيف تتعاملين مع حياة تبدو مكتملة من الخارج، بينما تحاولين في الداخل أن تفهمي من أصبحتِ؟
هذا السؤال لم يكن خاصًا بروتشا وحدها. في أحاديثها مع نساء مررن بالطلاق، أو الأمومة، أو الاحتراق النفسي، أو تغيّر المسار المهني، وجدت الشعور نفسه يتكرر بأشكال مختلفة: لم أعد أعرف نفسي. ليس بالضرورة لأنهن أردن حياة جديدة، بل لأن الحياة التي اعتدنها لم تعد تشبههن تمامًا.
من هنا جاءت The Second Act؛ مساحة لا تطلب من المرأة أن "تعود إلى نفسها"، ولا أن تتجاوز ما حدث بسرعة، ولا أن تحوّل تجربتها إلى قصة ملهمة. بل أن تجلس قليلًا مع السؤال، من دون استعجال الإجابة: من أنا الآن؟
ربما لا يكون التعافي عودة إلى المرأة التي كنّاها، بل تعرّفًا بطيئًا إلى المرأة التي أصبحتنا. وربما لا نحتاج إلى خطة واضحة، أو نسخة جديدة ومثالية من أنفسنا. أحيانًا يكفي أن نسمح لأنفسنا بأن نتغيّر، وأن نواصل الحياة بينما نكتشف إلى أين يقودنا هذا التغيّر.
إليكم هذه المقابلة الملهمة مع روتشا دارياني..

 

1

تحدثتِ عن المرحلة التي أعقبت السكتة الدماغية، حين افترض الناس أنكِ بخير لأنكِ بدوتِ كذلك من الخارج. ماذا علّمتك تلك المرحلة من التعافي عن الهوية وعن الفرق بين الشفاء الجسدي والشعور بأنكِ عدت إلى نفسكِ من جديد؟
الغريب في تلك المرحلة أن الشفاء الجسدي كان مرئيًا. كانت هناك فحوصات ومراحل واضحة وفريق وعملية كاملة. كان الناس قادرين على رؤية تحسّني، ولذلك افترضوا أن كل ما في داخلي يتحسن بالسرعة نفسها. لكن ما كنت أعيشه عاطفيًا، والتغيير الذي كنت أشعر أنه يحدث داخلي، لم يكن مرئيًا ولم أكن قادرة على شرحه. لم أكن أملك الكلمات له حتى لنفسي.
أتذكر أنني كنت ألتقي أصدقاء متحمسين جدًا لرؤيتي، وكان الأمر صعبًا بطريقة لا أستطع تفسيرها. كانوا الأصدقاء أنفسهم الذين عرفتهم من قبل. والطاولات نفسها التي جلست إليها مئات المرات. كنت أبدو بخير، وكنت موجودة، ومع ذلك لم أكن حاضرة. وكنت أسأل نفسي باستمرار: ماذا يحدث لي؟ لم يتغير شيء من حولي. شيء ما داخلي هو الذي تغيّر.
كانت تلك هي المرحلة غير المرئية. التعافي كان له دعم؛ كانت هناك فرق وعمليات وأشخاص يرافقونني خلاله. أما العمل الآخر فلم يكن له حتى اسم. كنت أدرك أن هناك شيئًا ما مفقود، لكنني لم أستطع أن أقول ما هو. وهذا ما كنت أبحث عنه حقًا في ذلك الوقت: اللغة. لو كان هناك من يستطيع أن يضع كلمات لما كنت أشعر به، لكان ذلك غيّر تلك الأشهر. لم يستطع أحد فعل ذلك، وبناء المكان الذي تجد فيه النساء تلك اللغة هو جزء كبير من سبب وجود The Second Act.
والهوية كلمة كبيرة جدًا، وهذا جزء من المشكلة. تبدو كأنها أزمة، وكأن كل شيء يجب أن يكون موضع تساؤل. لكنها لم تأتِ إليّ كسؤال كبير. جاءت بطرق صغيرة وملموسة. كنت لا أزال أمًا وزوجة وامرأة تأمل أن تعود إلى العمل، ومع ذلك لم أعد أستطيع أن أقود أطفالي إلى المدرسة. لم أعد أستطيع الوصول إلى الرمل على الشاطئ. الكثير مني بقي كما هو والكثير تغيّر، وكان الأمران صحيحين في الوقت نفسه. متى تشعرين بأنكِ أصبحتِ نفسكِ من جديد بعد ذلك؟ وأي نسخة من نفسكِ؟
وفي الوقت نفسه، لأنني كنت أبدو بخير، كان الجميع من حولي يرددون: خذي وقتك، تمهلي. كانوا يقولون ذلك بنية طيبة. لكن في بعض الأيام كانت الإجابة الصادقة: ماذا لو لم أستطع تحمل الأمر أصلًا؟ لم يكن هناك مكان لهذه الجملة في النص الذي يتوقعه الآخرون. وهذا هو الفرق في النهاية. الشفاء الجسدي كان له خط نهاية يمكن للآخرين رؤيته. أما الشعور بأنني نفسي من جديد فلم يكن له خط واضح ولا خطة أو كلمات تعبر عنه، وقد أصبحت أؤمن أن هذه الرحلة الثانية تستحق القدر نفسه من الجدية الذي نمنحه للأولى.


عبارة "لم أعد أتعرف إلى نفسي" هي شعور تختبره كثير من النساء بعد تحولات كبرى في الحياة، سواء بعد المرض أو الأمومة أو الطلاق أو الاحتراق النفسي أو تعطل المسار المهني. لماذا تعتقدين أننا غير مستعدات لفقدان الهوية الذي قد يرافق هذه التجارب؟
فكرت في هذا الأمر كثيرًا، لأنني كنت غير مستعدة مثل أي شخص آخر. حتى إنني أمضيت سنوات أجلس مع أمهات يقلن هذه الكلمات نفسها: "لم أعد أتعرف إلى نفسي"، وعندما جاء دوري، فاجأني الأمر رغم ذلك. أعتقد أن السبب الأول هو أننا نستعد للأحداث لا لما يأتي بعدها. حفلات الزفاف والولادات والعلاجات والاستقالات، كل شيء يتم تنظيمه حول اللحظة نفسها. ثم تمر اللحظة، ويعود الجميع إلى بيوتهم، وتبدأ المرحلة الانتقالية الحقيقية بهدوء في الأشهر التي لم يجهّزك لها أحد.
السبب الثاني هو التوقيت. عندما يحدث شيء كبير، ينشغل الجميع بالمشكلة الفورية. في مرحلة المرض، كان الناس يسألون عن العلاج والتوقعات الطبية، جزئيًا لأن ذلك كان الأمر العاجل وجزئيًا لأنها التفاصيل التي اعتاد الناس السؤال عنها. وهذا طبيعي؛ عندما يكون هناك حريق، تطفئين الحريق. لكنك لا تكتشفين ما أحدثه الحريق إلا في اليوم التالي، عندما تسيرين داخل المكان. وفقدان الهوية يعمل بهذه الطريقة.
لا يحدث عادة بين ليلة وضحاها، إلا إذا فرضه حدث جذري. إنه يتسرب ببطء على مدى أشهر، وبالوتيرة نفسها التي يمضي بها كل من حولك في حياته. ولذلك لا يلتقي الدعم مع الفقدان. وبحلول الوقت الذي تبدأ فيه المرأة بسؤال نفسها بصمت: "من أنا الآن؟"، يكون العالم قد توقف منذ زمن عن سؤالها عن أي شيء.
السبب الثالث هو المبادئ التي يزرعها الجميع في تفكير المرأة:  كوني قوية. كوني مرنة. ابقي إيجابية. اخرجي من التجربة أقوى من قبل. كثير من ذلك ليس سوى إيجابية تحولت إلى عبء سام، والنساء يحصلن على النصيب الأكبر منه لأن المتوقع منا ببساطة أن نتحمل. إذا كانت النسخة الوحيدة المقبولة منكِ هي النسخة القوية، فإن عدم التعرف إلى نفسكِ يبدو كأنه فشل، لذلك تخفيه النساء. ولأن الجميع يخفيه، تعتقد كل امرأة تشعر به أنها الوحيدة، ويستمر الصمت في ترك المرأة التالية غير مستعدة أيضًا.
بالنسبة لي، كان الأمر يتعلق بالكلمات. عندما كنت أعيش التجربة، كنت أتمنى لو أن أحداً بإمكانه صياغة ما أشعر به، لأنني لم أكن قادرة على ذلك. لم تكن تلك الكلمات موجودة بالنسبة لي في أي مكان. لم يعطني أحد حتى فكرة أن هذا الفقدان أمر معروف وطبيعي وله شكل. وهذا ما أريد أن تمنحه The Second Act للنساء: الكلمات والأدوات والدليل على أن هذا الشعور سبق وأن شعرت به نساء أخريات. لا أستطيع منع فقدان الهوية من الحدوث. لكن يمكنني أن أضمن أنه عندما يحدث، لن تضطر المرأة إلى مواجهته بلا دعم أو شرح وبمفردها.


كثيرًا ما نتحدث عن "العودة إلى أنفسنا" بعد فصل صعب. لكن ماذا لو لم يكن الهدف هو العودة؟ كيف تتعلمين التصالح مع فكرة أنكِ ربما تغيرتِ بشكل جذري؟
العودة إلى نفسي. كان تعافيّي بأكمله مؤطرًا بهذه الفكرة، ولم يكن على أحد أن يقولها بصوت عالٍ، لكنها كانت تظهر في الأسئلة التي يطرحها الناس وفي الأشياء التي يلمحون إليها وفي الطريقة التي كان يُقاس بها التقدم. وكنت أؤمن بهذه الفكرة تمامًا لأنها فكرة تمنح الأمل. تقول لك إن الاضطراب مؤقت. تقول إن هناك نسخة منكِ تنتظركِ في الجانب الآخر، كاملة كما كانت، وكل ما عليكِ هو الوصول إليها.
لكنني لم أعد تلك المرأة، ولم يكن هناك أي قدر من المحاولة سيجعلني أعود إليها. جسدي لا يعمل بالطريقة التي كان يعمل بها جسدها. لم أعد أريد الأشياء التي كانت تريدها. وبصراحة، لو قال لي أحد ما إنني لن أعود إلى نفسي السابقة، لا أعتقد أنني كنت سأصدقه. كنت سأسمع ذلك وكأنه تخلى عني. كان عليّ أن أصل إلى هذه الحقيقة بنفسي، ببطء، وقد استغرق ذلك ما يقارب عامين.
وللصراحة،لست متأكدة من أنك تتصالحين مع ذلك بالكامل يومًا، وقد توقفت عن وعد نفسي بأنني سأفعل. كنت أعتقد أن السلام محطة في التعافي، تأتي بعد الشفاء الجسدي، لحظة تقبلين فيها ما حدث وتشعرين بالاستقرار تجاه من أصبحتِ. بعد عامين ونصف، ما زلت أنتظر أن أشعر بالاستقرار. في بعض الأسابيع أشعر حقًا أنني في بيتي داخل هذه الحياة الجديدة. ثم يحدث شيء صغير، صورة قديمة أو أمر لم أعد أستطيع فعله، فيعود الحزن حاضرًا كما لو كان جديدًا تمامًا. لفترة طويلة تعاملت مع تلك اللحظات كدليل على أنني أفشل في المضي قدمًا. الآن أعتقد أنها ببساطة حقيقة الأمر. لا تصنعين السلام مرة واحدة. تصنعينه مرارًا وتكرارًا.
ما تغيّر بالنسبة لي هو أنني توقفت عن المطاردة. طوال عامين تقريبًا، كان كل جهدي يتجه في اتجاه واحد: أن أصبح هي مرة أخرى، أن أتابع من حيث توقفت. كان ذلك مرهقًا فوق إرهاق التعافي نفسه، لأنني لم أكن أتعافى فقط، بل كنت أطارد. في اليوم الذي سألت فيه نفسي للمرة الأولى: "ماذا لو أنني لن أعود؟"، توقعت أن أشعر بأنني أستسلم. بدلًا من ذلك، شعرت وكأنني أضع حملًا ثقيلًا عن كتفي. لم يكن سلامًا. كان فقط راحة التوقف عن الجري خلف شيء يبتعد باستمرار.
كان عليّ أيضًا أن أتعلم أن الحزن على نفسي القديمة أمر مسموح. لا بأس أن تشتاقي إلى الشخص الذي كنتِ عليه. اشتياقكِ إليها لا يعني أنكِ فشلتِ في المضي قدمًا، وبناء حياة جديدة لا يعني أنكِ لم تحبي الحياة القديمة. كنت أعتقد أن عليّ اختيار شعور واحد. لكنك تحملين الاثنين معًا، ومن يقول لكِ غير ذلك لم يعش التجربة.
لذلك عندما تسألني امرأة كيف تتصالح مع أنها تغيرت جذريًا، أقول لها الحقيقة: لا أستطيع أن أعلّمها ذلك، لأنني لم أنتهِ منه بعد. ما أستطيع قوله هو أن السلام ليس شرطًا مسبقًا. ليس عليكِ أن تكوني في سلام كي تعيشي وتبني وتضحكي وتبدئي شيئًا جديدًا. أنا أفعل كل هذه الأشياء والسؤال لا يزال مفتوحًا. ربما تكون هذه هي الإجابة الحقيقية. ليس سلامًا بدلًا من الحزن، بل حياة كبيرة بما يكفي لتحمل الاثنين بينما تنمو.


تُشجَّع النساء باستمرار على أن يكنّ مرنات ومنتجات وأن "ينهضن سريعًا". ما الذي تتجاهله هذه التوقعات عن حقيقة إعادة البناء؟ وهل يمكن أن تصبح المرونة أحيانًا ضغطًا إضافيًا يُطلب من النساء أداؤه؟
انظري إلى العبارة نفسها. النهوض والعودة. إنها تصف كرة تصطدم بجدار ثم تعود إلى مكانها بسرعة ومن دون أن تتغير، وهذا وحده يقول الكثير عن توقعاتنا من النساء في أوقات الصعوبة. اخرجي من التجربة بسرعة وبكامل قوتك وكأنك الشخص نفسه. إعادة البناء لا تشبه ذلك أبدًا. إنها بطيئة وغير ثابتة ولا تنتهي حيث بدأت. لذلك فالعبارة لا تضع معيارًا صعبًا فحسب، بل تصف شيئًا غير موجود.
أكثر ما تتجاهله هذه التوقعات هو الوقت. الجميع يقلل من تقدير المدة التي تستغرقها المرحلة اللاحقة فعلًا. الحدث له تاريخ يمكن تحديده، والناس يتذكرونه، لكن إعادة البناء تستمر بهدوء لسنوات بعد أن يكون الجميع قد تابع حياته. كما أنها تتجاهل إلى أي حد يكون العمل عاديًا وغير لامع. لا أحد يرى اليوم الذي تلغين فيه شيئًا لأنك لا تستطيعين تحمله، أو اليوم الذي تخبرين فيه شخصًا بالحقيقة عن نفسك. إعادة البناء تتكون تقريبًا من هذه الأيام كلها، ولا شيء فيها يشبه قصة عودة ملهمة.
ونعم، تصبح المرونة أداءً. أعرف ذلك لأنني أديتها. عندما تبدين بخير، وعندما تكونين أمًا، وعندما يرتاح الناس لرؤيتكِ تعودين، يكون هناك ضغط هائل لتكوني النسخة التي تطمئن الجميع. أنا بخير. أنا أتحسن. أنا ممتنة جدًا. تقولين ذلك لأنك ترين كم يحتاج الناس إلى سماعه، ولأن البديل، أي أن تقولي إنك ما زلتِ تكافحين بعد أشهر من اعتقاد الجميع أن الأمر انتهى، يبدو سخيفًا. فتؤدين الدور، ويستهلك الأداء طاقة لا تملكينها، والأسوأ من ذلك أنه يجعل الحقيقة غير مرئية للمرأة التالية التي تكافح وتعتقد أنها الوحيدة.
هناك نسخة من المرونة أؤمن بها، وهي هادئة جدًا. أن تنهضي في يوم لا يراكِ فيه أحد. أن تطلبي المساعدة. أن تقولي بصوت عالٍ: «لا أستطيع فعل ذلك اليوم». هذا النوع لا يُؤدى لأحد، لأنه لا جمهور له ولا يبدو مثيرًا للإعجاب.
ما أود رؤيته هو أن نسمح للنساء بأن يكنّ صادقات بدلًا من أن يكنّ ملهمات. أن تكوني ملهمة يتطلب الكثير من العمل، وغالبًا ما يكون عملًا يُنجز لراحة الآخرين. الصدق أصعب على من ينظر إليه، لكنه النسخة الوحيدة التي تساعد المرأة الواقفة خلفك، تراقب كيف تفعلين ذلك، وتتساءل إن كان ما تشعر به مسموحًا.


تصفين نهجكِ بأنه «شجاعة ناعمة». ماذا يعني ذلك بالنسبة لكِ؟ وكيف تبدو الشجاعة الناعمة عندما تبدئين من جديد من دون أن تعرفي إلى أين ستقودك البداية الجديدة؟
بعد السكتة الدماغية، ظل الجميع يصفونني بالشجاعة. أعرف أنهم كانوا يقولون ذلك بلطف، لكنه كان يغضبني، لأنني لم أشعر بالشجاعة. شعرت بالخوف والبطء وبأنني لا أشبه تلك الكلمة التي كانوا يمنحونني إياها. الشجاعة كانت تنتمي إلى النسخة الدرامية من قصتي، وأنا لم أكن أعيش تلك النسخة. كنت أعيش النسخة التي يتطلب فيها ارتداء الملابس تخطيطًا.
كان معالجي النفسي هو من غيّر الكلمة بالنسبة لي. بدأ يشير إلى أشياء كنت أستبعدها تمامًا. الذهاب إلى تجمع بينما لا أستطيع رؤية سوى الشخص الواقف أمامي. الجلوس إلى الإفطار وأنا أعرف أن يدي قد تحرجانني. قول "أنا لست بخير" لشخص افترض أنني بخير. قال لي إن الشجاعة لا يجب أن تبدو بالطريقة التي عُرضت علينا. يمكن أن تكون هادئة ويومية وغير مرئية. هذا ما أعنيه بالشجاعة الناعمة.
وعندما تبدئين من جديد، أعتقد أن الاستمرار هو الشجاعة. لا توجد فيه لحظة بطولية. تكونين خائفة، ولا ترين إلى أين يمكن أن يقودك أي من هذا، ولا تملكين دليلًا على أنه سينجح، ومع ذلك تواصلين. هذا هو الأمر كله. لا نسميه شجاعة لأنه لا يبدو كشيء واضح، لكنني لست متأكدة من أن هناك نسخة أصعب منها.
كما أنك لا تتغلبين على الخوف أولًا ثم تبدئين. تحملينه معك طوال الطريق. تفعلين الشيء التالي من دون أن تعرفي إن كان يقود إلى أي مكان، ثم تفعلين شيئًا آخر غدًا، وأنتِ ما زلتِ خائفة وما زلتِ من دون دليل.
لا أستطيع أن أقول لكِ اليوم إلى أين سيقودني هذا. لا أعرف ماذا ستصبح The Second Act بعد خمس سنوات، ولو طلب مني أحد خطة فسأجد صعوبة في تقديمها. ما أعرفه هو أنني أتحرك معها، في الظلام، وما زلت خائفة في أوقات كثيرة. في الأيام الصعبة، يبدو ذلك النوع الوحيد من الشجاعة الحقيقية.
لو استطعت أن أقول للنساء شيئًا واحدًا عنها، فهو أنهن يفعلنها بالفعل ولا يحتسبنها. أن تنهضي وتواصلي عندما لا ترين النهاية ليس أمرًا بسيطًا. إنه أشجع ما سيفعله معظمنا يومًا، وتقريبًا لا أحد يصفق له.


بدأ فصلكِ الثاني بإعادة تعلم المشي والكلام والقدرة على أداء وظائفك اليومية. ماذا علّمتك هذه العملية عن البدء من جديد، خصوصًا عندما يكون التقدم بطيئًا أو غير مؤكد أو غير مرئي للآخرين؟
أول ما يعلمكِ إياه التأهيل هو كم تكون وحدات التقدم صغيرة حقًا. لا أحد يخبرك بهذا مسبقًا. تتخيلين التعافي كسلسلة من المحطات، ثم تجدين نفسكِ تعملين لأسابيع على شيء مثل إغلاق يدك بشكل صحيح، وهذا هو كل ما تسعين إليه. يصبح عالمك صغيرًا جدًا وبطيئًا جدًا، والغريب أن هذا الصغر هو العمل نفسه. التقدم على هذا المقياس هو تقدم حقيقي، حتى عندما لا يبدو شيئًا للآخرين.
علّمني ذلك شيئًا حملته معي في كل ما جاء بعده. لا يمكنكِ الحكم على ما إذا كنتِ تتقدمين من خلال شعورك اليومي، لأن اليوم بيومه يبدو وكأن لا شيء يحدث. لا ترين الحركة إلا عندما تنظرين إلى الوراء بعد أشهر. لذلك عليكِ أن تتوقفي عن سؤال نفسك كل صباح: "هل ينجح هذا؟" وأن تفعلي الشيء نفسه اليوم مرة أخرى. لم أصل إلى هذه الذهنية من باب الحكمة. العلاج الفيزيائي هو من يرسخها فيكِ.
علّمني أيضًا أن التقدم غير المرئي يبقى تقدمًا، وأن عليكِ أن تتعلمي احتسابه بنفسك. لا أحد يصفق للأشياء الصغيرة. لم يكن أحد يعرف متى بدأ شيء كان يتطلب مني محاولتين يحدث بمحاولة واحدة. لو انتظرت أن يلاحظ الآخرون أنني أتحسن، لاستنتجت أنني لا أتحسن. تصبحين شاهدة على نفسك. إنها مهارة غريبة أن تتعلميها في أواخر الثلاثينات، وأعتقد أنها أكثر ما أفادني من تلك المرحلة.
كان عدم اليقين أصعب من البطء، بصراحة. لم يستطع أحد أن يخبرني كم من الوظائف سيعود أو متى سيتوقف التحسن. كان عليّ أن أبذل جهدًا كبيرًا في شيء لا يضمن أحد أنه سيعطي نتيجة. وهذا بالضبط ما يبدو عليه البدء من جديد الآن؛ بناء شيء من دون وعد بأنه سينجح. منحني التعافي تدريبًا طويلًا على بذل الجهد من دون يقين، وأنا أستخدم هذا التدريب كل أسبوع.
آخر ما علّمني إياه هو أكثر ما فاجأني. في التأهيل، تكونين محاطة بأشخاص يفهمون المقياس الذي تعملين عليه. المعالج الذي يعرف أن إغلاق يدك إنجاز هائل. والشخص بجانبك الذي يعمل على شيء صغير بالقدر نفسه. لا يحتاج أحد في تلك الغرفة إلى أن تشرحي لماذا كان اليوم مهمًا. ثم ينتهي التأهيل وتفقدين ذلك، وتبدئين إعادة بناء حياة بين أشخاص لا يستطيعون رؤية الوحدات التي تعملين بها. هذا الفقدان هو جزء كبير من سبب بنائي لـ The Second Act. كل شخص يستحق غرفة تُحتسب فيها الأشياء الصغيرة، لا فقط من حالفهم الحظ بالحصول على واحدة عبر المستشفى.


هل كانت هناك لحظة تحول معينة أدركتِ فيها أن ما عشتِه يمكن أن يصبح أكبر من قصتك الشخصية، وأن هناك حاجة إلى حركة مثل The Second Act؟
أتمنى لو كان بإمكاني أن أعطيكِ لحظة. كانت ستجعل القصة أفضل. لكن لم تكن هناك لحظة واحدة، وقد توقفت عن التظاهر بغير ذلك، لأن هذا ينطبق على كل شيء تقريبًا في تعافيّي. لم يصل أي شيء على شكل إدراك مفاجئ. كل شيء وصل ببطء، بينما لم أكن أنظر.
ما يمكنني الإشارة إليه هو التراكم. كانت المحادثات. عندما بدأت أتحدث بصدق عما أعيشه، بدأت النساء يخبرنني بأشياء لم يقلنها لأحد. لم تكن جميعهن قد مررن بمرض. إحداهن كانت خارجة من طلاق، وأخرى تركت مسارها المهني، وثالثة كانت في قلب الأمومة ولا تستطيع أن تقول بصوت عالٍ إنها تشعر بالضياع. وكلهن كن يصفن الشيء نفسه. الارتباك نفسه، والشعور نفسه بأنهن لم يعدن يتعرفن إلى أنفسهن، والصمت نفسه حول ذلك. استمر هذا في الحدوث، مرة بعد مرة، وفي مرحلة ما لم يعد يبدو صدفة.
أعتقد أن التحول كان في فهمي لطبيعة المشكلة. لفترة طويلة، اعتقدت أنني أتعامل مع شيء حدث لي أنا. جلطة دماغية وتعافٍ وهوية يجب أن أفهمها. احتجت إلى الكثير من تلك المحادثات لأرى أن الجزء الصعب لم يكن خاصًا بي على الإطلاق. إنه بنيوي. نحن نعتني بالنساء خلال الحدث ثم نتركهن في المرحلة اللاحقة، وكل امرأة في تلك المرحلة تعتقد أنها تفشل وحدها في التعامل معه.
بمجرد أن تري ذلك، لا يمكنكِ أن تتجاهليه. هذا أقرب ما لديّ إلى لحظة التحول. ليس لحظة وضوح، بل تراكمًا بطيئًا لقصص الآخرين حتى أصبح النمط أوضح من أن يُتجاهل.
وبصراحة، كان هناك شيء لي أيضًا في ذلك. كنت بحاجة إلى الشيء الذي أبنيه. وما زلت بحاجة إليه. عندما كنت أبحث عنه، لم أجده في أي مكان، وتوقفت عن انتظار أن يصنعه شخص آخر. لذلك The Second Act ليست قصة أنني تعافيت ثم التفتُّ لمساعدة الآخرين. بل هي أنني ما زلت داخل التجربة، أبني الغرفة التي كنت أحتاجها، وأكتشف أن كثيرًا من النساء كن يحتجنها أيضًا.


 The Second Act ليست علاجًا نفسيًا ولا تدريبًا حياتيًا ولا برنامجًا تقليديًا. ما الفجوة التي رأيتها في الطريقة التي ندعم بها النساء خلال التحولات الكبرى في الحياة؟ وما الذي أردتِ ابتكاره بشكل مختلف؟
عندما مرضت، كان أول ما شعرت بالحاجة إليه هو العثور على ناجين آخرين من السكتة الدماغية. ليس أطباء ولا برنامجًا، بل أشخاص مروا بما مررت به. لأنك عندما تعيشين شيئًا كهذا، تقتنعين بأن الشخص الذي عاشه وحده يستطيع أن يفهم حقًا أين أنتِ، وغالبًا ما تكونين على حق.
ما وجدته عندما بحثت عن الدعم هو أن كل ما كان موجودًا بُني لسؤال مختلف عن سؤالي. هناك العلاج النفسي، وهو سريري وقيّم، وأنا أخضع له بنفسي. وهناك التدريب ومساحة العافية الأوسع، وهي تقوم بعمل حقيقي لكثيرين، غالبًا حول وضع الأهداف والمضي قدمًا. وهناك مجتمعات الناجين، وهي رائعة، لكنها منظمة حول التشخيص؛ السكتة الدماغية هنا والسرطان هناك.
لم يكن أي من ذلك مصممًا لما كنت أحتاج المساعدة فيه فعلًا، ولم يكن ذلك جلطة الدماغ. كان السؤال: من أنا الآن؟ هذا السؤال يقع تحت الجزء الطبي وخارج جزء تحديد الأهداف، ولم يكن يبدو أنه ينتمي إلى أي مكان.
ما جعل الفجوة واضحة تمامًا أنني رأيت الشكل نفسه من مكان مختلف تمامًا. عندما كنت أدير The Mum Identity Project، كانت هناك شبكات للنساء المهنيات ومجالس أعمال من جهة، وأمهات يلتقين على القهوة للحديث عن أطفالهن من جهة أخرى. لم يكن هناك شيء للمرأة الواقعة في المنتصف، المرأة الموجودة في المنزل التي لم تخرج إلى العمل، والتي كانت تحمل هوية كاملة لا تجد لها غرفة. ظروف مختلفة تمامًا والفجوة نفسها. وعندما ترين ذلك مرتين، تتوقفين عن اعتباره سوء حظ شخصيًا وتبدئين في رؤيته كأمر بنيوي.
لذلك تتعمد The Second Act أن تكون في هذا المنتصف. ليست علاجًا نفسيًا، لأنني لست مؤهلة سريريًا وهذا العمل يتولاه مختصون. وليست برنامجًا له نتيجة محددة، لأنني لا أعتقد أن المرأة في مرحلة انتقالية تحتاج إلى إصلاح. وليست منظمة حول تشخيص، لأن المرأة بعد المرض والمرأة بعد الطلاق والمرأة في نهاية مسار مهني يجلسن جميعًا مع السؤال نفسه في العمق.
ما أردته هو مكان تقوده امرأة لا تزال تعيش التجربة. مكان لا يحتاج فيه أحد منكِ أن تكوني ملهمة، والشخص الذي يتحدث إليكِ كان داخل الضباب، لا يقرأ عنه فقط. هذا هو الفرق. ليست خبرة تُلقى من الأعلى، بل رفقة من امرأة ما زالت في قلب فصلها الثاني.

بناء حركة من تجربة شخصية عميقة يتطلب تحويل الهشاشة إلى شيء يمكن أن يخدم الآخرين. ما أكبر الشكوك أو المخاوف أو القرارات الصعبة التي واجهتِها أثناء إحياء The Second Act؟
أولها، وما زال يرافقني، هو ما إذا كنت الشخص المناسب للقيام بهذا. أنا لم أخرج إلى الجانب الآخر. لا أكتب من مكان حُلّ فيه الأمر، وهناك صوت يقول إن عليكِ الانتظار، وأن تمضي أبعد قليلًا، وأن تكوني أكثر ترتيبًا قبل أن تطلبي من أحد أن يستمع. قررت العكس، أن وجودي داخل التجربة هو الموقف الصادق الوحيد الذي أستطيع التحدث منه، لكنني لن أدعي أن الشك اختفى. إنه يعود في معظم الأسابيع.
الثاني هو السؤال المستمر: كم أقول؟ قصتي ليست ملكي وحدي. هناك أشخاص داخلها، أطفالي قبل كل شيء، وهناك نسخة من بناء شيء كهذا تستخدمين فيها حياتك مادة، ولا تلاحظين أنك تستخدمين حياتهم أيضًا. الاختبار الذي أحاول تطبيقه هو ما إذا كان التفصيل موجودًا لأنه يساعد المرأة التي تقرأ، أم لأنني أريد قوله. بعض الأشياء تنجح في هذا الاختبار. وبعضها لا، فيبقى خاصًا. ولا أصيب الخط دائمًا.
ثم هناك الخوف من أن أتحول إلى قصة. هناك شهية لنوع معين من السرد: المرأة التي سقطت ثم نهضت، ملهمة ومرتبة ومكتملة. هذه القصة ليست صحيحة، وهي عكس ما أحاول قوله تمامًا. لذلك كان كثير من القرارات الصعبة يدور حول مقاومة النسخة الأسهل والأكثر قابلية للبيع، والنسخة الأسهل مغرية فعلًا لأنها تسافر أبعد.
أما أصعب قرار عملي فكان الإيقاع. صحتي ليست شيئًا يمكنني دفعه بالقوة. لا توجد نسخة من هذا أعمل فيها بالطريقة التي يُفترض أن يعمل بها المؤسسون، وقد اضطررت إلى البناء ببطء، ورفض بعض الأشياء، وقبول أن بعض الفرص تمر لأنني لم أكن قادرة على تحملها في ذلك الوقت. كل غريزة داخلي تقول أسرعي. جسدي يملك الصوت الحاسم.
وتحت كل ذلك، هناك الخوف العادي. ألا ينجح. أن أضع نفسي في العلن وأقول كل هذا، ثم لا يتحول إلى شيء. لا أملك طريقة لتجاوز هذا الخوف. أنا فقط أفعل الشيء التالي رغم ذلك، وهذا ما كانت كل الدروس التي تعلمتها في العامين ونصف الماضيين تدربني عليه.

رغم أن النساء قد يصلن إلى The Second Act من تجارب مختلفة جدًا، ما الخيط العاطفي المشترك الذي اكتشفتِه بينهن؟ وما الذي تبحث عنه النساء حقًا عندما يقلن إنهن يرغبن في "البدء من جديد"؟
الخيط الذي أراه باستمرار هو نوع خاص جدًا من الوحدة. ليس أن تكون المرأة وحيدة؛ فمعظم هؤلاء النساء محاطات بالناس. إنها وحدة المرور بشيء هائل لا يستطيع أحد من حولك رؤيته. الجميع انتقل إلى الشيء التالي، والحياة تبدو طبيعية من الخارج، بينما أنتِ تعيشين بهدوء في واقع مختلف تمامًا. هذا ما يتكرر مرارًا، أيًا كان السبب الذي أوصلها إلى هناك.
وتحت ذلك مباشرة غالبًا يوجد خجل، حتى لو لم يسمّه أحد بهذا الاسم. تعتقد أنها كان يجب أن تكون أبعد مما هي عليه الآن. تنظر إلى نساء أخريات يبدون وكأنهن تعاملن مع الشيء نفسه بطريقة أفضل، فتستنتج أن هناك شيئًا خاطئًا فيها هي تحديدًا. هذا هو الاعتقاد الذي أسمعه غالبًا، وهو في معظم الأحيان غير صحيح. هي ليست متأخرة. هي فقط داخل التجربة، ولم يخبرها أحد كم تستمر مرحلة "الوجود داخلها".
ثم هناك الارتباك الناتج عن عدم التعرف إلى الذات. سواء جاء ذلك من مرض أو طلاق أو أمومة أو نهاية مسار مهني، فإن الوصف متشابه بشكل لافت. لا أعرف من أنا الآن. لا أشعر أنني نفسي. الظروف مختلفة تمامًا والجملة تكاد تكون واحدة.
أما ما تبحث عنه النساء حقًا عندما يقلن إنهن يردن البدء من جديد، فلا أعتقد أن معظمهن يقصدن حياة جديدة. هذا ما توحي به العبارة، لكنه ليس المقصود عادة. ما يردنه هو التوقف عن الشعور بأنهن يفشلن في الحياة التي لديهن. يردن أن يخف ضغط أن يكنّ كما كنّ من قبل. يردن الإذن بأن يصبحن مختلفات الآن، وأن يكون ذلك مقبولًا لا خيبة أمل لكل من حولهن.
في العمق، أعتقد أنهن يردن أن يُرى ما يعشنه. لا أن يتم إصلاحهن أو نصحهن أو إلهامهن. فقط أن يقول لهن أحد: نعم، هذا حقيقي، وهو صعب بقدر ما تعتقدين، ولستِ الوحيدة. يبدو ذلك قليلًا جدًا. لكن عندما تحملين شيئًا غير مرئي لفترة طويلة، يصبح تقريبًا كل شيء.


هل تؤمنين بأن الفصل الثاني شيء نختاره بوعي، أم أنه قد ينشأ أحيانًا من ظروف لم نكن لنختارها لأنفسنا؟
يكاد لا أحد يختاره. هذا ما وجدته. الفصل الثاني عادة شيء تدفعك إليه الحياة، لا شيء تقررينه. تُلقى عليكِ أمور، وينتهي بكِ الأمر في مكان لم تخططي للوصول إليه، ثم عليكِ أن تتعلمي التعامل مع ما وُضع بين يديكِ.
وهذا صحيح بالنسبة إلى معظم النساء اللواتي أتحدث إليهن تقريبًا. مرض لم تتوقعه. زواج انتهى. وظيفة اختفت. أمومة، ربما اختارتها، لكنها جاءت بشكل لم تتوقعه إطلاقًا. لم تستيقظ أي منهن صباحًا وتقرر أن تبدأ من جديد. وُضعت على خط البداية بفعل ظروف خارجة عن سيطرتها.
حيث يدخل الاختيار هو بعد ذلك، وهو أصغر بكثير مما توحي به الكلمة. ليس قرارًا كبيرًا بإعادة اختراع نفسك. بل سلسلة بطيئة من الخيارات العادية حول كيفية العيش مع ما حدث. هل تواصلين مطاردة الحياة التي كانت لديكِ، أم تبدئين العمل مع الحياة الموجودة أمامكِ؟ هذا الجزء اختيار، حتى لو استغرق الوصول إليه سنوات.
وقد يكون الفصل الثاني مختارًا بوعي. بعض النساء يتركن مسارًا مهنيًا أو ينهين علاقة أو ينتقلن إلى بلد آخر وفق شروطهن الخاصة تمامًا. هذا حقيقي، وهو أيضًا فصل ثانٍ. لكن في تجربتي، هذه هي المجموعة الأصغر. معظم النساء يصلن إلى هنا لأن شيئًا ما وصل أولًا.
لا أعتقد أن دفعكِ إليه يجعله أقل ملكًا لكِ. ما تبنينه بعد ذلك ملككِ بالكامل، حتى لو لم تكوني لتختاري أبدًا الظروف التي قادتكِ إليه.

بينما تستعد The Second Act للانطلاق علنًا، ما الذي تأملين أن تأخذه منها امرأة تشعر بالضياع أو التغير أو الانفصال عن ذاتها السابقة؟ وماذا تقولين لها اليوم؟
ما آمل أن تأخذه قبل أي شيء هو أنها ليست الوحيدة. هذا هو الأمر كله. عندما تشعرين بالانفصال عمن كنتِ عليه، تفترضين أنه فشل شخصي، شيء يخصكِ أنتِ وأن النساء الأخريات تفادينه بطريقة ما. أريدها أن تكتشف كم أن هذا الشعور عادي. ليس عاديًا بمعنى أنه غير مهم، بل عاديًا بمعنى أنه مشترك بين عدد هائل من النساء اللواتي يلتزمن الصمت بشأنه.
آمل أيضًا أن تأخذ لغة. عندما كنت داخل التجربة، لم أستطع أن أشرح ما كان يحدث لي، وعدم القدرة على تسمية شيء يجعله أثقل بكثير. إذا وجدت هنا كلمات لما تحمله، فهذا وحده يغيّر شيئًا.
وآمل أن تتوقف عن قياس نفسها وفق جدول زمني. لا يوجد جدول لهذا. أن تكوني بعد عامين وما زلتِ تحاولين الفهم لا يعني أنكِ متأخرة. إنه فقط المكان الذي أنتِ فيه.
وما سأقوله لها اليوم هو أنها لا تحتاج إلى أن تعرف من هي بعد. يمكن لهذا السؤال أن يبقى مفتوحًا. لقد بقي مفتوحًا بالنسبة لي لعامين ونصف، ومع ذلك بنيت أشياء، وربّيت أطفالي، وضحكت في عشاءات، وبدأت شيئًا جديدًا. لا تحتاجين إلى حل نفسكِ قبل أن يُسمح لكِ بأن تعيشي.
سأقول لها إن الاشتياق إلى من كانت أمر طبيعي. هذا ليس علامة على الفشل في المضي قدمًا، بل صدق. وسأقول لها إن الشعور بالضياع ليس نهاية القصة. غالبًا ما يكون بداية قصة مختلفة، رغم أنه لا يبدو كذلك وأنتِ داخله. لا تحتاجين إلى أن تكوني ملهمة بشأن أي من هذا. ولا تحتاجين إلى خطة. تحتاجين فقط إلى أن تواصلي، وليس عليكِ أن تفعلي ذلك وحدكِ.

مسؤولة التحرير في النسخة الورقية من مجلة "هي" ومسؤولة قسم تطوير الذات في الموقع الإلكتروني.