قصة وداع الملك هارالد الخامس ملك النرويج

وداع ملكي في أوسلو .. هكذا ودعت عائلات أوروبا الملكية الملك هارالد الخامس

9 سبتمبر 2026

تقفت أوسلو على أعتاب مشهد لم تعرفه النرويج منذ خمسة وثلاثين عاما. حين تسير خلف نعش الملك هارالد الخامس King Harald V مواكب من التيجان والأوسمة قادمة من أنحاء القارة العجوز، لتوديع رجل حكم بلاده خمسة وثلاثين عاما. وترك خلفه إرثا إنسانيا أكثر مما ترك إرثا من البروتوكول والألقاب. فهل تتساءلين من هي العائلات الملكية التي حضرت هذا الوداع، وما القصة الحقيقية التي تختبئ خلف صور الملكة سونيا Queen Sonja وهي تقف أمام جثمان زوج عمرها؟ تعالي نستعرض تفاصيل هذا اليوم الاستثنائي.

جنازة لم تشهدها النرويج منذ جيل كامل

قصة وداع الملك هارالد الخامس ملك النرويج

توفي الملك هارالد الخامس في الثامن والعشرين من أغسطس عن عمر ناهز التاسعة والثمانين. بعد أن أمضى على العرش خمسة وثلاثين عاما تقريبا منذ توليه الحكم في يناير 1991 خلفا لوالده الملك أولاف الخامس King Olav V. وهي فترة حكم جعلت منه أحد أقدم ملوك أوروبا على الإطلاق حتى وفاته. وبمجرد إعلان الوفاة، تولى نجله الأمير تاجا جديدا تحت اسم الملك هاكون الثامن King Haakon VIII. وأعلن فترة حداد وطني تمتد حتى التاسع من أكتوبر، أي شهرا كاملا بعد مراسم الدفن. ولأن آخر جنازة دولة لملك نرويجي راحل كانت جنازة الملك أولاف الخامس نفسه عام 1991. فقد حملت مراسم التاسع من سبتمبر طابعا استثنائيا أعاد إلى الأذهان مشاهد لم يعشها كثير من النرويجيين من قبل. إذ ينطلق موكب النعش من القصر الملكي عند الظهيرة في طريقه إلى كاتدرائية أوسلو. الصلاة في الواحدة ظهرا بتوقيت المدينة. على أن يُنقل الجثمان بعدها في موكب ثانٍ إلى كنيسة القصر داخل قلعة أكرشوس. حيث سيرقد إلى جوار رفات الملك هاكون السابع والملكة مود وأولاف الخامس والأميرة مارثا.

من مثل العروش الأوروبية في كاتدرائية أوسلو

قصة وداع الملك هارالد الخامس ملك النرويج

لم تتأخر بلاطات أوروبا في الإعلان عن ممثليها، إذ مثلت بريطانيا في هذه المناسبة الأمير ويليام Prince William بصفته ممثلا للملك تشارلز، الذي جرت العادة ألا يحضر شخصيا جنازات رؤساء الدول الأخرى. بينما تحضر الأميرة آن Princess Anne بصفة شخصية بوصفها العرابة الروحية للملك هاكون. ومن إسبانيا، وصل الملك فيليبي Felipe VI  برفقة الملكة ليتسيا Queen Letizia والملكة الأم صوفيا Queen Sofía، في حين مثلت بلجيكا بالملك فيليب King Philippe والملكة ماتيلد Queen Mathilde، وهو ابن عم الراحل من الدرجة الأولى.

أما الدنمارك فأرسلت وفدا من خمسة أفراد ضم الملك فريدريك King Frederik والملكة ماري Queen Mary وولي العهد كريستيان Crown Prince Christian والملكة الأم مارغريتا Queen Margrethe والأميرة بنديكته Princess Benedikte. فيما حضرت السويد بأكبر وفد تقريبا، إذ ضم الملك كارل السادس عشر غوستاف King Carl XVI Gustaf والملكة سيلفيا Queen Silvia وولية العهد فيكتوريا Crown Princess Victoria والأمير دانييل والأمير كارل فيليب والأميرة صوفيا والأميرة مادلين وزوجها كريستوفر أونيل، إلى جانب الأميرة كريستينا.

قصة وداع الملك هارالد الخامس ملك النرويج

ولم تغب هولندا عن المشهد، إذ حضر الملك فيلم ألكسندر King Willem-Alexander والملكة ماكسيما Queen Máxima، رفقة الأميرة بياتريكس Princess Beatrix وحفيدتها الأميرة كاثارينا أماليا أميرة أورانج Princess Catharina-Amalia. بينما مثل لوكسمبورغ الدوق الأكبر السابق هنري Henri، الذي تنازل عن العرش العام الماضي، برفقة نجله الدوق الأكبر غيوم Guillaume والدوقة الكبرى ستيفاني Stéphanie. أما ليختنشتاين فأناب عن الأمير هانس آدم وريثه الأمير ألويس Prince Alois وزوجته الأميرة صوفي Princess Sophie. فيما حضر عن موناكو الأمير ألبرت Prince Albert وحده دون تأكيد رسمي لمرافقة زوجته الأميرة شارلين له.

وامتد نطاق الحضور إلى خارج أوروبا، إذ مثل اليابان عن الإمبراطور ناروهيتو ولي عهده الأمير فوميهيتو Crown Prince Fumihito وزوجته الأميرة كيكو Crown Princess Kiko. في تكرار لمشهد شبيه حضره الإمبراطور نفسه في جنازة الملك أولاف الخامس عام 1991.

كذلك يشارك في تشييع جنازة الملك الراحل، العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني وزوجته الملكة رانيا.

استقبال ملكي عشية الوداع

قصة وداع الملك هارالد الخامس ملك النرويج

قبل يوم واحد من الجنازة، بدأت الوفود الملكية بالتوافد على العاصمة النرويجية، حيث شوهد الملك فيليبي وزوجته وهما يغادران حافلة أوصلتهما من مطار أوسلو إلى فندق جراند الفخم. فيما وصل الدوق الأكبر السابق هنري والأميرة أليكسيا اليونانية Princess Alexia of Greece وزوجها كارلوس موراليس كوينتانا Carlos Morales Quintana إلى الفندق نفسه. ووصل الأمير فوميهيتو وزوجته على متن سيارة مرسيدس بشكل منفصل. وبحسب ما نقلته القناة النرويجية TV 2، استقلت مجموعة من الضيوف الملكيين حافلة واحدة متجهة إلى القصر الملكي مساء ذلك اليوم. ضمت الملك فيليبي والملكة ليتسيا والدوق الأكبر هنري وولي عهد صربيا وزوجته، والأمير ألويس، والأميرة أليكسيا اليونانية والملكة آن ماري Queen Anne-Marie. في إشارة إلى استقبال أقامته العائلة المالكة النرويجية لضيوفها قبيل مراسم اليوم التالي. وهو تقليد سبق أن اتبعه الملك تشارلز والملكة كاميلا عشية جنازة الملكة إليزابيث الثانية عام 2022 حين استضافا حفل استقبال في قصر باكنغهام لرؤساء الدول والضيوف الرسميين.

الملكة سونيا .. صور توديع تختصر ثمانية وخمسين عاما من الحب

قصة وداع الملك هارالد الخامس ملك النرويج

بينما كانت الاستعدادات الأخيرة للجنازة جارية، نشر البلاط الملكي النرويجي صورا مؤثرة للملكة سونيا وهي تقف بملابس الحداد أمام جثمان زوجها الراقد داخل مصلى مؤقت أُقيم في القصر الملكي بأوسلو. وما لفت الأنظار في هذه الصور تحديدا بروش الصليب المالطي الذي ارتدته الملكة. وهي قطعة مجوهرات تحمل رمزية خاصة، إذ تعود ملكيتها الأصلية إلى الملكة ألكسندرا ملكة بريطانيا، جدة الملكة مود لأمها. قبل أن تنتقل بالتوارث إلى العائلة الملكية الاسكندنافية لتصبح لاحقا من مقتنيات الملكة مود Queen Maud نفسها. ويتكون هذا البروش من شريط ماسي وأربعة صلبان قابلة للفصل. كانت الملكة سونيا قد ارتدت أحدها من قبل في مناسبة رمزية مماثلة، وتحديدا في يناير 1991 حين توجه هارالد إلى البرلمان النرويجي لأداء القسم ملكا جديدا بعد وفاة والده أولاف الخامس. ما يجعل ظهور القطعة نفسها الآن، بعد رحيله، أشبه بدائرة مغلقة تربط بداية عهده بنهايته.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي تودع فيها الملكة سونيا زوجها الراحل بلغة الرموز والمجوهرات. إذ سبق أن ظهرت بعد وفاته مباشرة مرتدية بروشا تاريخيا آخر من مجموعة شركة الملكة مود للمجوهرات. وهي قطعة من الألماس واللؤلؤ ورثتها الملكة وأعادت تشكيل حضورها الشخصي حولها عبر عقود، إذ لازمتها في المناسبات الرسمية منذ سبعينيات القرن الماضي، غالبا مع تاج مود اللؤلؤي الماسي. كما كشف البلاط الملكي عن إكليل الزهور البيضاء الذي اختارته لوضعه إلى جانب جثمان زوجها. وهو تنسيق يحمل حروف اسمها الأولى وعبارة "شكرا على حياة رائعة". في تعبير مباشر عن امتنانها لمسيرة زواج بدأت رسميا عام 1968 وكاد الزوجان يحتفلان بذكراها الثامنة والخمسين لولا أن الوفاة حالت دون ذلك بيوم واحد فقط. واختتم البلاط سلسلة الصور بلقطة نادرة وشخصية للغاية من عقود مضت، تُظهر هارالد وسونيا وهما يحملان طفليهما، الأميرة مارثا لويز رضيعة والملك هاكون طفلا صغيرا. في مشهد يذكر بأن الرجل الذي وُدع اليوم بكل تلك الأبهة الملكية كان قبل كل شيء أبا وجدا حرص طوال حياته على أن تبقى الأسرة في قلب اهتماماته.

حكاية حب غيّرت قواعد الملكية النرويجية

القصة التي تربط هارالد بسونيا لا تقل أهمية عن مسيرته الملكية نفسها. فقد التقى الأمير الشاب حينها بسونيا هارالدسن، ابنة تاجر أزياء من عامة الشعب. وأصر على الزواج منها رغم اعتراض الأوساط الملكية والسياسية، بل إنه هدد صراحة بالعزوف عن الزواج نهائيا إن حِيل بينه وبين اختياره، وفق ما توثقه مصادر تاريخية عدة. وبعد سنوات من العلاقة السرية، تزوجا أخيرا في 1968 لتصبح سونيا أول ملكة نرويجية من أصل غير نبيل. في سابقة غيرت لاحقا نظرة الأسرة الحاكمة إلى الزيجات من خارج الأوساط الملكية التقليدية. وقد ظل هذا الزواج، الذي بدأ قصة حب قبل أن يتحول إلى شراكة ملكية استمرت ثمانية وخمسين عاما، أحد أكثر الفصول إنسانية في تاريخ الملكية النرويجية الحديثة.

أما هارالد نفسه، فقد وُلد عام 1937 وعاش طفولة استثنائية شهدت نفيه مع والدته وشقيقتيه إلى السويد، ثم إلى الولايات المتحدة هربا من الاحتلال النازي للنرويج. بينما بقي والده وجده في المنفى ببريطانيا مع الحكومة النرويجية. وهي تجربة تُرجح كثير من الباحثين أنها شكلت لاحقا نظرته إلى قيم الحرية والانفتاح التي ميزت خطاباته العلنية. ومن أبرزها كلمته المؤثرة عقب هجمات أوتويا وجزيرة أوتيا عام 2011، وخطابه الشهير عام 2016 في واحدة من أكثر الرسائل الملكية انفتاحا التي صدرت عن عاهل أوروبي في العقد الأخير. وإلى جانب مسيرته السياسية والرمزية، كان هارالد رياضيا شغوفا بالإبحار، مثل بلاده في الألعاب الأولمبية ثلاث مرات، وحصد ميدالية ذهبية في بطولة العالم للإبحار عام 1987

الصور من الانستغرام

محرر يكتب عن المشاهير والعائلات الملكية والديكور والأعراس والسياحة وتطوير الذات.