إيتون بين الإرث والجدل .. ماذا ينتظر الأمير جورج؟
يتبادر إلى ذهن كثيرين أن التحاق طفل في الثالثة عشرة من عمره بمدرسة داخلية بعيدا عن أسرته أمر قاس بالضرورة. غير أن الحقيقة الأقل شهرة أن هذا الجدل نفسه يشغل الأوساط النفسية والتربوية البريطانية منذ عقود، دون أن يصل إلى إجابة حاسمة. وها هو الأمير جورج، ابن أمير ويلز وأميرة ويلز، يخوض هذه التجربة اليوم بعد التحاقه بمدرسة إيتون كوليدج Eton College سائرا على خطى والده وعمه الأمير هاري من قبله. وبعيدا عن تفاصيل يومه الأول، تستحق هذه المحطة وقفة أعمق تتناول ما يقوله العلم عن المدارس الداخلية. وكيف عاشت عائلات ملكية أخرى حول العالم تجربة مشابهة. وأصل مدرسة تحولت عبر ستة قرون من ملجأ للفقراء إلى مصنع لرؤساء الوزراء.
بين الاستقلالية والقلق.. ما يقوله الخبراء عن المدارس الداخلية

حرص الأمير ويليام وكيت ميدلتون على إبراز أن قرار إرسال جورج إلى مدرسة داخلية في هذه السن المبكرة نسبيا لا يعني ابتعادا عن أسرته، بقدر ما هو خطوة محسوبة نحو الاستقلالية. إذ يقع مقر إقامة العائلة في فورست لودج Forest Lodge على مسافة قريبة جدا من إيتون، حتى إن مباني المدرسة تُرى من داخل قلعة وندسور، وبما أن الطلاب يحظون بقدر من الحرية للتنقل بين المدرسة والمنزل في عطلات نهاية الأسبوع، فإن جورج لن يبتعد كثيرا عن المنزل. من جهتها قالت الدكتورة سارة ليبوفيتز، وهي أخصائية نفسية ومستشارة في القبول المدرسي، إن تجربة جورج تحمل طابعا عصريا رغم ارتباطها بإرث عائلي عريق. موضحة أن ابتعاد الطالب عن المنزل لا يعني بالضرورة ابتعاده عن أسرته. وأن العودة المنتظمة إلى المنزل تعكس نهجا أكثر حداثة في التربية يمنح الطفل مساحة لبناء استقلاليته دون فقدان صلته بأسرته.

في المقابل، لا تخلو فكرة إرسال الأطفال إلى مدارس داخلية في سن مبكرة من جدل علمي مستمر. فقد رصدت عدة دراسات نفسية بريطانية ما يعرف بمصطلح "متلازمة المدرسة الداخلية"، وهي حالة نفسية تصف اضطرابات عاطفية طويلة الأمد قد تصيب بعض من مروا بتجربة الفصل المبكر عن أسرهم. من بينها صعوبات في العلاقات وشعور بالعزلة العاطفية. غير أن أبحاثا أحدث أجرتها جامعة إسكس شككت في وجود علاقة سببية مباشرة بين المدرسة الداخلية بحد ذاتها وهذه الاضطرابات. واقترحت الباحثة سوزان ماكفيرسون إعادة تسمية الظاهرة بما يشبه "متلازمة الأسرة الملحقة بالمدرسة". لتؤكد أن أسلوب التنشئة داخل المنزل وقدرة الأسرة على التعبير العاطفي يلعبان دورا أكبر في تحديد الأثر النفسي مقارنة بنظام المدرسة نفسه. وهذا بالضبط ما يراهن عليه ويليام وكيت، إذ يصفهما من عرفهما بأنهما والدان حاضران بقوة في حياة أبنائهما الثلاثة، وهو ما قد يمنح جورج حماية إضافية لم تكن متوفرة بالضرورة للأجيال الملكية السابقة.
وفي هذا السياق، رأى السير أنتوني سيلدون، المدير السابق لمدرستي ويلينغتون وبرايتون كوليدج، أن إيتون تحديدا تمتلك خبرة تراكمية في التعامل مع أبناء العائلات ذات الحضور العام الكبير. قائلا إن المدرسة تعرف كيف توفر لولي عهد المملكة بيئة لا يتحول فيها إلى محط أنظار دائم. وأضاف أن ما يحتاجه جورج فعليا هو خمس سنوات من الحياة بعيدا عن أضواء الإعلام كي ينضج ويستعد لعقود من الواجبات العامة التي تنتظره مستقبلا.
كيف اختبر أبناء العائلات الملكية الأخرى يومهم الأول؟

لم يكن جورج وحده من عاش عودة مدرسية هذا الخريف. فشقيقته شارلوت ذات الأحد عشر عاما وشقيقه لويس ذو الثماني سنوات باشرا دراستهما في الصف السابع والصف الرابع على التوالي في مدرسة لامبروك ذاتها. وعلى الصعيد الأوروبي عاشت عائلات ملكية أخرى محطات مشابهة عبر السنين، فالأميرتان الإسبانيتان ليونور وإنفانتا صوفيا التحقتا بمدرسة سانتا ماريا دي لوس روزاليس ممسكتين بيد بعضهما البعض عام 2010. بينما تشرف صوفيا حاليا على إنهاء سنتها الجامعية الثانية في باريس بعد أن بدأت مسيرتها الأكاديمية في لشبونة. في حين تبدأ ليونور بعد سنوات ثلاث من الخدمة العسكرية دراسة العلوم السياسية في جامعة كارلوس الثالث بمدريد.
أما الأميرة إستيل ولية عهد السويد فقد التحقت برياض الأطفال عام 2014. والأميرة إنغريد ألكسندرا ولية عهد النرويج بدأت تعليمها عام 2010 وسط حرص رسمي معلن على حمايتها من "أي اهتمام غير ضروري" لضمان تعليم طبيعي قدر الإمكان. وفي هولندا أنهت الأميرة كاتارينا أماليا مؤخرا دراستها الجامعية الأولى في السياسة وعلم النفس والقانون والاقتصاد لتبدأ درجة جديدة في القانون الهولندي. وفي بلجيكا والدنمارك عاش الأمير غابرييل والأميرة إليزابيث والأمير كريستيان لحظات مشابهة من الحضور العائلي في أيامهم الدراسية الأولى. وهو ما يكشف أن مسألة موازنة الحياة الملكية مع طفولة طبيعية نسبيا هم مشترك بين عروش أوروبا جميعها وليس حكرا على العائلة البريطانية وحدها.
من مدرسة للفقراء إلى مصنع لرؤساء الوزراء

يحمل اختيار إيتون تحديدا مفارقة تاريخية طريفة تستحق التوقف عندها. فالمدرسة التي تُعد اليوم رمزا للنخبوية البريطانية لم تُؤسس أصلا لهذا الغرض. إذ أنشأها الملك هنري السادس عام 1440 لتكون مدرسة خيرية تستوعب سبعين طالبا فقيرا يتلقون تعليمهم مجانا تمهيدا لالتحاقهم بكلية الملك في كامبريدج. غير أن مسار المدرسة انقلب جذريا مع القرون، فباتت اليوم موطنا لأبناء الطبقة الأرستقراطية والثرية. وتخرج منها عشرون رئيس وزراء بريطاني من أصل سبعة وخمسين شغلوا المنصب عبر التاريخ. من بينهم بوريس جونسون وديفيد كاميرون. كما تضم قائمة خريجيها ممثلين مثل توم هيدلستون وهيو لوري وإيدي ريدماين، والكاتبين جورج أورويل ويان فلمنغ، والمغامر بير غريلس. وهذا التناقض بين النشأة الخيرية والمكانة النخبوية الحالية يغذي منذ عقود جدلا بريطانيا متجددا حول عدالة نظام التعليم الخاص، ودوره في إعادة إنتاج طبقة حاكمة محدودة.
بين والدين يراهنان على الاستقلالية المبكرة والحضور الأسري الدافئ في آن واحد، وعلم نفس لا يزال منقسما حول أثر الفصل المبكر عن الأسرة، وتاريخ مدرسي طويل يحمل تناقضاته الخاصة. يبقى السؤال الذي يشغل المراقبين هو كيف سيوازن جورج بين متطلبات مؤسسة تعود لستة قرون ونصف من التقاليد الصارمة، وبين حاجته الطبيعية كأي فتى في الثالثة عشرة لأن يخطئ ويتعلم بعيدا عن أعين العالم.
الصور من الانستغرام