خاص هي: ماذا يتذكّر البحر؟ دانة المطوع وأرشيف الساحل الشرقي

خاص هي: ماذا يتذكّر البحر؟ دانة المطوع وأرشيف الساحل الشرقي

7 سبتمبر 2026

ثمة أماكن نسكنها، وأماكن تسكننا. تدخل في ذاكرتنا بهدوء، تستقر في طريقة رؤيتنا للعالم، ثم نحتاج إلى الابتعاد عنها كي ندرك حجم المساحة التي احتلتها في داخلنا. بالنسبة إلى الفنانة الكويتية دانة المطوع، كان البحر واحداً من تلك الأماكن.

بدأت علاقتها بالفن في الخامسة عشرة، ثم خاضت تجربتها الأولى مع الأعمال التركيبية في الثامنة عشرة، حين وضعت أثاث غرفة دراسة كاملة داخل البحر في عملها المبكر To Be This Gentle. كانت تفكر في الاحتمالات التي تتأخر الحياة في منحها لنا، وفي المسافة بين الواقع الذي نعيشه والحياة التي نتخيلها لأنفسنا. اختارت الماء فضاءً لذلك السؤال، قبل أن تدرك أن البحر سيعود بعد سنوات ليصبح أحد أهم مفردات لغتها الفنية.

اليوم، تعمل المطوع عبر وسائط تمتد من الأعمال التركيبية والصورة المتحركة والصوت إلى التصوير والوسائط الرقمية، وتدور ممارستها حول الذاكرة والتاريخ الشفهي وانتقال المعرفة الثقافية عبر المجتمعات الساحلية في الخليج، مع حضور واضح لتجارب النساء وحكاياتهن.

ورغم اتساع أدواتها، بقيت الأسئلة الأولى ترافقها. تقول دانة في حديثها الخاص مع "هي": “أشعر أنني إلى اليوم أبحث في الأسئلة نفسها. لكن بعد ما عشت وتنقلت بين أكثر من بلد، بدأت أشوف أن كثيراً من هذه الأسئلة عن المرأة والمكان والذاكرة أوسع من تجربتي الشخصية فقط، وأكثر شمولاً لتجارب نساء في أماكن مختلفة.” 

الفنانة الكويتية دانة المطوع
الفنانة الكويتية دانة المطوع 

المسافة التي كشفت البحر

قبل عامين، انتقلت المطوع إلى الرياض، بعيداً عن المشهد الساحلي الذي أحاط بذاكرتها منذ الطفولة. صنعت تلك المسافة تحولاً في علاقتها بالمكان. تقول: “أكثر شيء اكتشفته بعد انتقالي إلى الرياض هو أن الإنسان فعلاً يحمل معه شيئاً من طبيعة المكان الذي نشأ فيه.” ثم تضيف: “لما كنت قريبة من البحر ما كنت أفكر فيه بهذه الطريقة، لأنه كان شيئاً طبيعياً وموجوداً دائماً. لكن لما ابتعدت عنه، بدأت أفهم هو داخل في ذاكرتي وفي إحساسي بالمكان.” 

أحياناً، تحتاج الذاكرة إلى مسافة كي ترى نفسها.

خلال إقامتها بعيداً عن الكويت، أخذ حلم واحد يتكرر: دانة غارقة تحت أعماق البحر. ومع تكراره بدأت تنظر إلى الذاكرة بالطريقة نفسها التي تنظر بها إلى الماء؛ مادة متحركة يعاد تشكيلها مع الزمن. ومن هذه المنطقة تشكل مشروعها "الساليه"، الذي قدمته عام 2026 في معهد مسك للفنون، ضمن بحثها في الذاكرة الساحلية.

Al-Saliyah في معرض مسك للفنون
Al-Saliyah في معهد مسك للفنون 

ومع الوقت، أخذ بحثها يتجه نحو فكرة أكثر طموحاً: تكوين أرشيف للمنطقة الساحلية الشرقية.

لكن أي أرشيف يستطيع الاحتفاظ بالبحر؟ أرشيف لما تعجز الوثيقة عن حفظه.

Al-Saliyah في معهد مسك للفنون 
Al-Saliyah في معهد مسك للفنون 

الأرشيف، في صورته التقليدية، يحب الأشياء التي يمكن تثبيتها: تاريخ، صورة، اسم، وثيقة، حدث. دانة تبحث في منطقة أكثر مراوغة. تقول: “أكثر شيء يهمني هو الأشياء التي الوثيقة التقليدية ما تحفظها دائماً: الإحساس، والانتظار، والخوف، وطريقة الناس في الحديث عن الذاكرة المحلية.”  لهذا تعود إلى الفلكلور الشفهي، إلى القصائد والأهازيج والأمثال. وتتوقف أمام عبارة “يا بحر ردهم سالمين”، التي تراها توثيقاً لإحساس كامل وعلاقة كاملة مع البحر. خلف الكلمات امرأة تنتظر، وغائب في البحر، ومجتمع تعلم أن يعيش بمحاذاة قوة تمنحه الرزق وتحمل معها احتمالات الفقد.

ويكتسب هذا البحث ثقله حين تدخل المرأة الخليجية إلى الصورة. ففي قراءتها للفلكلور الساحلي، لاحظت المطوع أن البحر كثيراً ما يُخاطب كما لو كان شخصاً؛ النساء يطلبن منه عودة الغائب، ويطلبن منه أن يخفف قسوته، وينتظرن منه الرزق والحياة. تقول دانة: “أنت تعيشين بجانب شيء يعطيك الكثير، لكنك تعرفين أيضاً أنك ما تقدرين تتحكمين فيه بالكامل. وأعتقد أن هذا يخلق نوعاً من المرونة والقبول مع الوقت.” 

ثم تصل إلى جملة تختصر جانباً كبيراً من فلسفتها: “البحر دائماً يذكرني أن الأشياء الجميلة في حياتنا نحن فقط مؤتمنون عليها لفترة. نقدر نحبها ونعتني فيها ونفرح فيها، لكن في نفس الوقت لازم نتقبل ما أُعطينا وما فقدناه.”

دانة المطوع في Al-Saliyah في معهد مسك للفنون 
دانة المطوع في Al-Saliyah في معهد مسك للفنون

امرأة خرجت من الأرشيف

وسط هذا البحث، عثرت دانة على محادثة قديمة تعود إلى الأربعينيات. استمعت إلى امرأة وشعرت بشيء مألوف فيها، ثم اكتشفت أن المرأة التي تعرفت إليها قبل أن تعرف اسمها كانت جدتها: فاطمة حسين.

تقول عنها: “جدتي فاطمة حسين بالنسبة لي ليست فقط جدتي، هي أيضاً من رائدات جيلها في الكويت؛ كانت أول صحفية، ومن أوائل من عملن في إعداد البرامج التلفزيونية، ودرست في الخارج في وقت كان ذلك بحد ذاته استثنائياً للمرأة.” 

وحين وضعت صوت جدتها داخل مساحة المعرض، كان الزوار يتوقفون للاستماع، ثم تبدأ بينهم النقاشات. التقت في تلك اللحظة طبقتان من الأرشيف: العام والخاص. الصوت الذي ينتمي إلى تاريخ الكويت الإعلامي هو ذاته صوت الجدة التي تشتاق إليها حفيدتها. ومن فاطمة حسين جاء أيضاً أحد المفاتيح الفكرية في تجربة دانة. في تسجيل قديم، طرحت الجدة فكرة أن القادم يملك احتماله الخاص في أن يكون أجمل. وصلت كلماتها إلى دانة في فترة كانت تفكر فيها بالعودة، وأعادت تشكيل علاقتها بالحنين.

تقول: “أحياناً الاشتياق لمكان أو شخص لا يعني بالضرورة أن علينا أن نعود، ولا يعني أن ما تركناه كان أفضل. أحياناً هو فقط أثر للمحبة والمسافة.” 

دانة المطوع في Al-Saliyah في معهد مسك للفنون 
دانة المطوع في Al-Saliyah في معهد مسك للفنون

حين يشارك البحر في صناعة العمل

في أعمال دانة المطوع، يتجاوز البحر موقع الموضوع والمجاز، ويصبح أحياناً شريكاً فعلياً في صناعة العمل.

في تجربتها مع السيانوتايب، عرّضت الصور للشمس على الشاطئ ثم غسلتها مباشرة بأمواج البحر. تقول: “الملوحة وحركة الماء غيرت تفاعل المواد وطلعت آثار وفقاعات وأشكال ما كنت أقدر أخطط لها، وبعضها كان يشبه الأمواج أو الطيور.” وتختصر علاقتها بهذه المصادفة الفنية بجملة جميلة: “إذا العمل عن البحر، أحب أن البحر نفسه يكون له يد في النتيجة.” 

وهكذا يصبح البحر مؤلفاً مشاركاً. الملح أداة، والموج حركة، والشمس جزء من عملية التحميض.

حتى الأصداف تتحول لديها إلى لغة. في "الساليه" رتبتها وفق نظام رمزي مستوحى من شفرة مورس، كأنها أبجدية غير مكتوبة تحمل رسائل عن الذاكرة والفقد والصمود والعودة.

 من أعمال دانة المطوع في Al-Saliyah في معهد مسك للفنون 
 من أعمال دانة المطوع في Al-Saliyah في معهد مسك للفنون
 من أعمال دانة المطوع في Al-Saliyah في معهد مسك للفنون 
 من أعمال دانة المطوع في Al-Saliyah في معهد مسك للفنون
 من أعمال دانة المطوع في Al-Saliyah في معهد مسك للفنون 
 من أعمال دانة المطوع في Al-Saliyah في معهد مسك للفنون

ماذا يتذكّر البحر؟

ثمة مفارقة جميلة في محاولة صناعة أرشيف للبحر. الأرشيف يبحث عن الثبات، والبحر يعيش بالحركة. يمحو أثراً ويترك آخر، يعيد رسم الساحل، ويحرك الأشياء، ويعيد بعضها إلى اليابسة في هيئة مختلفة.

ودانة مهتمة بهذا التوتر تحديداً. تقول: “الأرشيف نفكر فيه كشيء ثابت، لكن البحر دائماً يتغير، والذاكرة أيضاً تتغير كل مرة نرجع لها.” وتتصور الأرشيف كمساحة “ممكن تظل مفتوحة وتتغير مع الشخص الذي يرجع لها.” 

الأرشيف الذي تبنيه دانة المطوع يجمع شظايا الساحل: صوت امرأة من الأربعينيات، أهزوجة تناجي البحر، صورة غسلتها الملوحة، حلماً متكرراً بالغرق، وحكاية عائلية عادت بعد عقود لتجد حفيدتها. وكل واحدة منها تحفظ شيئاً تعجز الوثيقة الرسمية عن الإمساك به وحدها: كيف كان شعور الحياة بالقرب من البحر.

وعندما سألتها عمّا تريد أن يبقى من النساء اللواتي عشن على ذلك الساحل، قالت:

“إذا استطاع عملي أن يكون جزءاً صغيراً من أرشيف أكبر تصنعه النساء والفنانات والباحثات في الخليج عن الحياة الساحلية، فهذا بالنسبة لي يكفيني… يهمني أن يصل لجيل جديد ليس فقط ما حدث، لكن أيضاً شيء من الإحساس الذي كان موجوداً في هذه الحياة.” 

 

وهنا يعود السؤال الذي بدأ منه كل شيء: ماذا يتذكّر البحر؟

ربما يتذكّر أصوات النساء اللواتي انتظرن أمامه، والأغنيات التي خاطبته ككائن يسمع ويجيب، والوجوه التي غابت ثم عادت داخل صورة أو تسجيل. وربما يحتفظ بكل ذلك بالطريقة الوحيدة التي يعرفها البحر: متحركاً، متغيراً، يعيد الحكاية إلى الشاطئ في كل مرة بصورة جديدة.

دانة المطوع في Al-Saliyah في معهد مسك للفنون 
دانة المطوع في Al-Saliyah في معهد مسك للفنون

 

محرّرة في مجال الموضة والأزياء، تُعدّ من أبرز الأسماء في صحافة الموضة السعودية