"كائنات هشّة" في "تشكيل"... حمد المزيني يقرأ مشاهد المدينة من تفاصيلها المنسية
في معرضه الفردي الأول، يحوّل الفنان والمعماري حمد المزيني العناصر الحضرية المهملة والمشاهد اليومية العابرة إلى مدخل للتأمل في علاقتنا بالمدينة، والمكان، والهوية.
افتتح مركز "تشكيل" في دبي معرض "كائنات هشّة"، أول معرض فردي للفنان والمعماري حمد المزيني، والذي يستمر حتى 11 أكتوبر 2026، مقدّمًا تجربة فنية تتوقف عند التفاصيل التي غالبًا ما نعبر بجانبها من دون أن نلاحظها، لتعيد من خلالها قراءة مدينة الكويت وإيقاعاتها الحضرية الخفية.
وبدلًا من الالتفات إلى المباني الضخمة والمعالم المعمارية البارزة، يختار المزيني أن يوجّه عدسته إلى الهامشي والمتروك والمتضرر؛ من معدات الصيانة المهملة إلى أجزاء البنية التحتية التي تحمل آثار الزمن والاستخدام. ومن خلال التصوير الفوتوغرافي والرسم والنحت، تتحول هذه العناصر المألوفة إلى مادة للتساؤل حول الكيفية التي نصنع بها مفهوم المكان، وكيف نتكيف مع البيئات التي نعيش فيها ونمنحها، بوعي أو من دونه، معانيها الخاصة.

المدينة كما لا نراها عادة
ينطلق "كائنات هشّة" من مفهوم الهوية الحضرية لمدينة الكويت، في أعقاب مخططها الحضري الحديث الذي وُضع عام 1951، إلا أن اهتمام المزيني لا ينصب على التحولات العمرانية الكبرى بقدر ما يتجه نحو ما تركته الحياة اليومية داخل هذه البيئة المخططة.
فالأشياء المهملة أو المتضررة في الأماكن العامة لا تظهر في المعرض باعتبارها مجرد شواهد مادية، بل تفتح الباب أمام قراءات مختلفة؛ هل تعكس غيابًا للإشراف؟ أم مناطق من الغموض الإداري؟ أم أنها تخلق، بصورة غير مباشرة، مساحة يستطيع الأفراد من خلالها إعادة تشكيل علاقتهم بالمكان؟
ويستكشف الفنان هذه الأسئلة من خلال ثلاثة أطر هي الموضوعات والمواقف والمحاكاة، لينقل ملاحظاته من شوارع المدينة إلى فضاء المعرض، ويكشف ما تخفيه البيئة العمرانية من سلوكيات بشرية وتفاهمات غير مكتوبة ودوافع تبدو بسيطة، لكنها تسهم مجتمعة في تشكيل الحياة المدنية.

حمد المزيني... بين الفن والعمارة
تأتي الممارسة الفنية متعددة التخصصات للمزيني عند نقطة تقاطع بين خلفيته المعمارية واهتمامه بالفنون البصرية. وهو ينطلق من العناصر اليومية والمألوفة لفهم الطريقة التي يتفاعل بها الإنسان مع المساحات المصممة من حوله، وكيف يمكن لتدخلات صغيرة وغير مخطط لها أن تغيّر إحساسنا بالمدينة.
ويقول حمد المزيني عن هذه المقاربة: "تستكشف ممارستي الفنية الطريقة التي نتكيف بها مع البيئات العمرانية المحيطة بنا ونضفي عليها المعنى، وغالبًا ما أنطلق من التفاصيل اليومية والمألوفة للكشف عن السلوكيات والسرديات التي تشكل إحساسنا بالمكان".
ويمثّل المعرض أيضًا ثمرة مشاركته في برنامج «الممارسة النقدية» لدى مركز «تشكيل»، وهي تجربة يصفها بأنها كانت محورية في تطوير نهجه الفني، إذ وفرت له مساحة لمراجعة ممارسته وطرح الأسئلة حولها وصقل الأدوات والأفكار التي تشكل اليوم جوهر معرضه الأول.

تفاصيل صغيرة تعيد تعريف المكان
من جانبها، ترى بخيتة غانم، المدير العام لدى مركز "تشكيل"، أن أعمال المزيني تفتح زاوية مختلفة للنظر إلى المساحات العامة والبنية التحتية والأماكن التي نطلق عليها اسم الوطن، موضحة أنه يسلّط الضوء على التدخلات البشرية الدقيقة التي تشكل إحساسنا بالمكان من خلال التركيز على التفاصيل "المهمَلة والمتروكة والمجزأة" في مدينة الكويت.
وفي "كائنات هشّة"، تصبح هذه التفاصيل الصغيرة بطلة المشهد. فالمعرض لا يقدّم المدينة كما تبدو في صورها المعمارية المثالية، بل كما تُعاش فعلًا، مدينة تتغير باستمرار من خلال سكانها، استخداماتهم، آثارهم والتعديلات الصغيرة التي يتركونها وراءهم.
وبين الفن والعمارة والملاحظة الاجتماعية، يدعو حمد المزيني زوار معرضه إلى إعادة النظر في الأشياء التي اعتدنا تجاهلها، واكتشاف أن هوية المكان قد لا تكمن دائمًا في معالمه الكبرى، بل في تلك التفاصيل الهشّة والصامتة التي تصنع، يومًا بعد يوم، علاقتنا بالمدينة.

يستمر معرض "كائنات هشّة" حتى 11 أكتوبر 2026 في صالة عرض مركز "تشكيل" في ند الشبا 1 دبي.
