العُلا: وجهة عالمية لتصوير الأزياء

العُلا: وجهة عالمية لتصوير الأزياء... لماذا تختارها كبرى دور الموضة لحملاتها الفاخرة؟

1 سبتمبر 2026

لم تعد العُلا مجرد اسم يتردد في نشرات السياحة، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى شيء أعمق من ذلك بكثير: مشهد تبحث عنه عدسات كبار المصورين ودور الأزياء حول العالم.

بين جبالها الرملية الذهبية وآثارها النبطية العريقة، وجدت دور أزياء عالمية وعارضات من طراز كيت موس شيئًا لم يجدنه في أي استوديو تصوير آخر: خلفية حقيقية، بلا فلاتر ولا ديكورات مصطنعة، تختصر آلاف السنين من الجمال في كادر واحد.

وفي هذا التقرير، نأخذكِ في جولة على أبرز اللحظات التي أثبتت فيها العُلا أنها ليست مجرد وجهة سياحية، بل "استوديو تصوير" العالم بامتياز.

أديداس.. أول من اكتشف السر

من حملة _Change is a Team Sport_ التي أطلقتها أديداس في العُلا احتفاءً بمرور 50 عامًا على حذاء _سوبرستار_ الأيقوني
من حملة "Change is a Team Sport" التي أطلقتها أديداس في العُلا احتفاءً بمرور 50 عامًا على حذاء "سوبرستار" الأيقوني

في فبراير 2020، كانت "أديداس" أول علامة عالمية كبرى تصوّر حملة كاملة داخل موقع تراث عالمي مسجّل لدى اليونسكو في العُلا.

وجاءت الحملة بعنوان "Change is a Team Sport" احتفاءً بمرور 50 عامًا على إطلاق حذاء "سوبرستار" الأيقوني، واختارت أربع سعوديات ملهمات لتمثيلها: المصممة آلاء البلخي ومغنية الراب أسيل سراج والمدونة جوري الميمان والممثلة ولاعبة التزلج على اللوح سارة الطيبة.

ولم تكن الحملة مجرد صور جميلة على خلفية صحراوية، بل شكّلت أول إعلان عالمي فعلي بأن العُلا مستعدة لاستقبال أكبر الأسماء.

ديور.. من إطلاق عطر على صخرة الفيل إلى حضور العُلا في معرض "Designer of Dreams"

إطلاق عطر “Sauvage Elixir” من ديور في العُلا، مع إسقاط اسم الدار على صخرة الفيل في مشهد جمع بين الفخامة والطبيعة الصحراوية.
إطلاق عطر “Sauvage Elixir” من ديور في العُلا، مع إسقاط اسم الدار على صخرة الفيل في مشهد جمع بين الفخامة والطبيعة الصحراوية.

في نوفمبر 2021، اختارت "ديور" العُلا مسرحًا لإطلاق عطرها الجديد "Sauvage Elixir"، وأسقطت اسمها بأحرف ضخمة مضيئة على صخرة الفيل الشهيرة وسط الصحراء، في احتفالية وُصفت بالمذهلة والجريئة، بما يليق بمستوى الفخامة الذي أرادت الدار تقديمه لعطرها الجديد.

واحة العُلا ضمن مصادر الإلهام التي احتفى بها معرض _Christian Dior Designer of Dreams_
واحة العُلا ضمن مصادر الإلهام التي احتفى بها معرض "Christian Dior: Designer of Dreams"

ولم يتوقف ارتباط الدار بالعُلا عند حدث واحد. ففي نوفمبر 2024، استضاف المتحف الوطني السعودي في الرياض معرض "Christian Dior: Designer of Dreams"، الذي استعرض أكثر من 75 عامًا من إرث الدار، وكانت واحة العُلا من بين مصادر الإلهام التي احتفى بها العرض إلى جانب رموز أخرى من تاريخ الدار.

دولتشي آند غابانا.. عرض أزياء وسط جبل إكمة

من عرض _Alta Moda_ لدار دولتشي آند غابانا في العُلا
من عرض "Alta Moda" لدار دولتشي آند غابانا في العُلا

لم تكتفِ دور الأزياء بالتصوير فقط، بل ذهبت أبعد من ذلك.

اختارت "دولتشي آند غابانا" جبل إكمة التاريخي، المعروف بنقوشه الصخرية القديمة، لإقامة عرض "Alta Moda" الاستثنائي، وسط الجبال والخيول، في مشهد بدا وكأنه أقرب إلى ملحمة تاريخية منه إلى عرض أزياء تقليدي.

دور أخرى مثل بياجيه وديور بيوتي وهارفي نيكولز كان لها حضور في العُلا أيضًا، ما يؤكد أن الأمر تجاوز حملة واحدة أو حدثًا واحدًا، وأصبح علاقة مستمرة بين صناعة الأزياء العالمية وهذه البقعة السعودية.

من نخيل العُلا إلى الأزياء المعاصرة

المصممة السعودية تالا أبوخالد خلال إقامتها الفنية في "فيلا الحجر".
المصممة السعودية تالا أبوخالد خلال إقامتها الفنية في "فيلا الحجر".

لم يقتصر تأثير العُلا على العلامات العالمية فقط. فقد استضافت "فيلا الحجر" المصممة السعودية تالا أبو خالد، مؤسسة علامة "Rebirth"، ضمن أول برنامج إقامة فنية في مجال الأزياء تنظمه الفيلا.

وفي حوار سابق مع "هي"، تحدثت تالا عن كيف قادها البحث في نخيل العُلا وحِرفها التقليدية إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الخامة والهوية والتصميم المعاصر، بالتعاون مع حرفيين محليين من المنطقة نفسها.

وتؤكد هذه التجربة أن إلهام العُلا لم يعد حكرًا على دور الأزياء العالمية، بل امتد ليصبح محطة حقيقية في مسيرة مصممات سعوديات يبنين هويتهن الإبداعية من قلب المكان نفسه

وادي عشار.. حين تحوّلت الصحراء إلى حيّ للتسوّق الفاخر

متاجر _البوب أب_ الفاخرة في وادي عشار بالعُلا، حيث تجتمع أسماء مثل عزة فهمي ومايكل سينكو وسامر حليمة وسط المشهد الصحراوي
متاجر "البوب أب" الفاخرة في وادي عشار بالعُلا، حيث تجتمع أسماء مثل عزة فهمي ومايكل سينكو وسامر حليمة وسط المشهد الصحراوي

لمن يظن أن حضور الأزياء في العُلا يقتصر على حملات تصوير موسمية، فإن "وادي عشار" يثبت العكس.

تستضيف المنطقة بشكل دوري متاجر "بوب أب" فاخرة لعلامات عالمية وإقليمية مرموقة، من أسوولين ومايكل سينكو إلى عزة فهمي وسامر حليمة وفيانيه هالتر، إلى جانب متجر "تافوني" المفاهيمي، الذي يجمع تحت سقف واحد أبرز المصممين السعوديين الصاعدين.

إنها تجربة تسوق لا تشبه أي مركز تجاري تقليدي، لأن الخلفية نفسها، من الرمال والجبال والسماء المفتوحة، تصبح جزءًا من التجربة المعروضة.

British Fashion Council في العُلا.. استثمار طويل الأمد، لا خطوة منفردة

إيفا هرزيغوفا وهيلينا كريستنسن برفقة كارولين راش، الرئيسة التنفيذية للمجلس البريطاني للأزياء، خلال زيارة إلى العُلا ضمن مبادرة _AlUla Creates_.
إيفا هرزيغوفا وهيلينا كريستنسن برفقة كارولين راش، الرئيسة التنفيذية للمجلس البريطاني للأزياء، خلال زيارة إلى العُلا ضمن مبادرة "AlUla Creates".

ربما الأهم من كل ذلك هو أن العُلا لم تكتفِ باستقبال العلامات، بل بدأت في بناء بنية تحتية دائمة لصناعة الأزياء والأفلام.

ومن خلال مبادرة "AlUla Creates"، عقدت "Film AlUla" شراكة رسمية مع مجلس الأزياء البريطاني "British Fashion Council"، بمشاركة عارضتي الأزياء العالميتين هيلينا كريستنسن وإيفا هرزيغوفا كسفيرتين للمبادرة، بهدف دعم المخرجات والمبدعات في مجالي الأزياء والسينما.

ولاحقًا انضمت الممثلة الأمريكية كايتي هولمز لقيادة المرحلة الثانية من البرنامج.

ويعني هذا التوجه أن حضور الأزياء في العُلا لم يعد صدفة أو موجة عابرة، بل أصبح جزءًا من استراتيجية مدروسة تهدف إلى ترسيخ موقعها على خريطة صناعة الأزياء العالمية لسنوات مقبلة.

وجهه تحتضن الإبداع والمواهب

القصة اليوم لم تعد تقتصر على استضافة نجوم الموضة العالمية لحملة تصوير واحدة ثم الرحيل.

أطلقت العُلا في عام 2025 النسخة الرابعة من "جائزة العُلا للتصميم"، بمسار مخصص بالكامل للأزياء، يمنح المصممين الفائزين 30 ألف ريال، إلى جانب منصة عرض حقيقية في مهرجان فنون العُلا. كما فازت بلقب "أفضل مشروع للسياحة الثقافية بالشرق الأوسط" للسنة الثانية على التوالي ضمن جوائز السفر العالمية "World Travel Awards".

حين تصبح الوجهه جزءًا من الحكاية

بمعنى آخر، تبني العُلا اليوم منظومة إبداعية دائمة تحتضن المواهب، السعودية والعالمية، على المدى الطويل، لا مجرد خلفية جميلة لجلسة تصوير منفردة.

من حذاء رياضي احتفل بعيده الخمسين، إلى عرض أزياء تتقدمه الخيول وسط جبل يعود تاريخه إلى آلاف السنين، تروي العُلا اليوم قصة مختلفة تمامًا عن أي وجهة تصوير أخرى في العالم.

فهي لا تُعار للكاميرا فقط، بل تفرض حضورها كجزء من الحكاية نفسها. وربما هذا بالضبط ما يفسر استمرار أبرز أسماء الموضة العالمية في العودة إليها، مرة تلو الأخرى.