إنغريد ألكسندرا تكتب التاريخ.. عهد جديد يبدأ في النرويج بعد رحيل الملك هارالد
رحل الملك هارالد الخامس ملك النرويج عن عالمنا عن عمر ناهز 89 عاماً، بعد فترة دخل خلالها إلى مستشفى الجامعة في العاصمة أوسلو إثر إصابته بفقر دم انحلالي، وهي حالة نادرة تتسبب في تكسر سريع لخلايا الدم الحمراء يرافقه إرهاق شديد وضيق في التنفس. وأعلن القصر الملكي النرويجي وفاة الملك صباح يوم الجمعة الموافق 28 أغسطس عند الساعة 6:35 صباحاً بتوقيت أوسلو، بعدما كان قد نُقل إلى المستشفى في السابع عشر من الشهر ذاته. كان هارالد الخامس يحمل لقب أكبر ملوك أوروبا سناً على العرش وقت رحيله، وقد ودعه النرويجيون بحشود تجمعت أمام بوابات القصر لوضع الزهور بعدما أُعلن أن حالته الصحية أصبحت "خطيرة للغاية" في أيامه الأخيرة.
بوفاة هارالد الخامس، انتقل العرش تلقائياً إلى نجله الأمير الوارث هاكون، الذي بات يُعرف الآن بالملك هاكون الثامن، وفق الأعراف الدستورية النرويجية التي لا تستوجب مراسم تنصيب منفصلة لانتقال السلطة.
وُلد هارالد الخامس عام 1937 في مدينة آسكر القريبة من أوسلو، ليكون بذلك أول أمير نرويجي يُولد على الأرض النرويجية منذ الملك أولاف الرابع في القرن الرابع عشر، وتوج ملكاً في يناير 1991 بعد وفاة والده الملك أولاف الخامس، ليقود بلاده عبر عقود من الازدهار الاقتصادي المرتبط بالنفط والغاز. أما نجله الملك الجديد هاكون الثامن، فقد بات على رأس واحدة من أعرق الملكيات الأوروبية في لحظة تحمل رمزية خاصة، إذ تنتقل معها ولاية العهد لأول مرة في تاريخ النرويج الحديث إلى امرأة.
إنغريد ألكسندرا... اسم يتهيأ لصناعة التاريخ

الأميرة إنغريد ألكسندرا، الابنة البكر لولي العهد السابق هاكون ووالدتها الأميرة ميت ماريت، وُلدت في الحادي والعشرين من يناير عام 2004، وهي اليوم الوريثة الأولى للعرش النرويجي بعد أن أصبح والدها ملكاً. ما يمنح تنصيبها ولية للعهد بعداً تاريخياً استثنائياً هو أنها، إذا آل إليها العرش يوماً كما هو متوقع، ستكون أول امرأة تحكم النرويج منذ الملكة مارغريت الأولى، التي حكمت النرويج والدنمارك والسويد من أواخر القرن الرابع عشر حتى وفاتها عام 1412، أي أن الفارق الزمني بين عهدين نسائيين في تاريخ البلاد يتجاوز ستة قرون كاملة.

يعود هذا الاستحقاق إلى تعديل دستوري أُقر عام 1990 يمنح الأولوية للمولود الأول بصرف النظر عن جنسه، وهو ما جعل إنغريد ألكسندرا الثانية في ترتيب وراثة العرش منذ لحظة ولادتها، متقدمة على شقيقها الأصغر الأمير سفيري ماغنوس رغم أنه أصغر منها بعام واحد فقط.
من مقاعد الدراسة إلى ميدان التدريب العسكري

تلقت الأميرة تعليمها في عدة مدارس نرويجية، بدأت بمدرسة يانسلوكا الحكومية، ثم انتقلت إلى مدرسة أوسلو الدولية لتعزيز إتقانها اللغة الإنجليزية، قبل أن تتابع دراستها في مدرسة أورانينبورغ وتتخرج عام 2023 من مدرسة إلفيباكن الثانوية العليا. غير أن المسار الأبرز في إعدادها لمقاليد الحكم بدأ مطلع عام 2024، حين التحقت بالخدمة العسكرية في كتيبة المهندسين القتالية التابعة للواء الشمال، بعد تدريب أساسي في معسكر شولد بمنطقة تروميس. حملت خلال هذه الفترة رتبة "الجندي ألكسندرا"، وخدمت جنباً إلى جنب مع بقية المجندين، وتولت مهمة تشغيل مركبة القتال المدرعة من طراز CV90. ومددت خدمتها العسكرية لتصل إلى خمسة عشر شهراً بدلاً من الاثني عشر المقررة أصلاً، قبل أن تُسرَّح رسمياً من الجيش في الرابع من أبريل 2025.

بعد إنهاء التزامها العسكري، اتجهت الأميرة نحو التعليم الجامعي، فالتحقت في أغسطس 2025 ببرنامج بكالوريوس الآداب في جامعة سيدني الأسترالية، واختارت التخصص في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي ضمن برنامج مدته ثلاث سنوات. ومع حلول خريف عام 2026، انتقلت للدراسة في إطار برنامج تبادل أكاديمي إلى كلية العلوم الاجتماعية بجامعة أوسلو، حيث تتابع مواد في السياسة المقارنة وتسوية النزاعات، في مسار يذكر بما مر به والدها الملك هاكون الثامن نفسه حين درس العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا بيركلي قبل أن يكمل دراسات عليا لاحقة.
شخصية بيئية ورياضية تتقدم بثقة نحو العرش

منذ سنواتها الأولى، أظهرت إنغريد ألكسندرا اهتماماً واضحاً بالقضايا البيئية، وكان أول ظهور رسمي لها خارج فعاليات العيد الوطني ومهرجانات التزلج في هولمنكولن هو مشاركتها في فعالية يوم البيئة العالمي عام 2009، حين التقت بأكثر من ألف طفل شاركوا في موكب "عملاء البيئة". وقد عبرت لاحقاً عن اهتمامها الشخصي بقضايا المحيطات والتغير المناخي، فيما تُظهر سيرتها الرياضية جانباً آخر من شخصيتها النشطة، إذ فازت بالميدالية الذهبية في بطولة النرويج لركوب الأمواج للناشئين عام 2020، إلى جانب ممارستها التزلج والكيك بوكسينغ.

ومع بلوغها سن الرشد في يناير 2022، حصلت الأميرة على مكتب خاص بها في القصر الملكي، لكن البلاط الملكي أكد حينها أن التعليم سيبقى أولويتها الأساسية لسنوات قادمة، على أن تتوسع مهامها الرسمية تدريجياً. وبالفعل، شهد عام 2025 بداية مشاركتها الفعلية في الشأن الدبلوماسي، حين حضرت في أبريل من العام ذاته أول زيارة دولة رسمية لها بمناسبة زيارة الرئيسة الآيسلندية هالا توماسدوتير للنرويج، ثم شاركت في يونيو في برنامج الزيارة الرسمية الفرنسية للنرويج. وفي يناير 2026 قامت بأول زيارة رسمية مستقلة لها إلى إقليم فينمارك في أقصى شمال البلاد. تتوزع علاقاتها العائلية أيضاً على الساحة الملكية الأوروبية، إذ يضم قائمة عرابيها كل من الملك فيليبي ملك إسبانيا وولية عهد السويد الأميرة فيكتوريا، كما شاركت طفلة كوصيفة شرف في زفاف الأميرة فيكتوريا عام 2010، في إشارة إلى الروابط الوثيقة التي تجمع الجيل الجديد من وليات العهد الأوروبيات، وهو ما يقودنا إلى الموضوع الثاني.
الصور من الانستغرام وفيسبوك