في يوم المرأة الإماراتية.. سيدات يُسهمن في رسم مستقبل الطفولة المبكرة
يبدأ بناء المستقبل قبل أن يدخل الطفل المدرسة بسنوات؛ داخل أسرة تمنحه الأمان والمعرفة، ومن خلال خدمات تستجيب لاحتياجاته، وسياسات تحمي حقه في النمو وتحقيق إمكاناته. وخلف هذه المنظومة المتكاملة، تقف قيادات إماراتيات يعملن على تطوير قطاع تنمية الطفولة المبكرة، ويحوّلن خبراتهن المهنية ورؤيتهن الإنسانية إلى مبادرات وقرارات تترك أثرًا ممتدًا في حياة الأطفال وأسرهم.
ومع امتداد فعاليات الاحتفاء بيوم المرأة الإماراتية على مدار شهر، من 28 أغسطس إلى 28 سبتمبر 2026، تفتح "هي" نافذة على تجارب ثلاث قيادات يعملن في مجالات مختلفة ومتكاملة؛ من حماية الطفل والصحة النفسية إلى التخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة الصحية، لنكتشف من خلال مسيراتهن كيف أصبحت المرأة الإماراتية شريكًا فاعلًا في صياغة السياسات وقيادة المبادرات وبناء منظومة وطنية ترى في السنوات الأولى استثمارًا طويل المدى في الإنسان والأسرة والمجتمع.
ومن مواقع مهنية مختلفة، تلتقي آمنة الحوسني، أخصائي رئيسي حماية الطفل في هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة؛ والدكتورة سلوى الحوسني، طبيب استشاري طب الأمراض النفسية للأطفال والمراهقين والمدير الطبي لخدمات الطفل والأسرة لدى المركز الأمريكي للطب النفسي والأعصاب؛ وشيخة محمد نخيره الظاهري، مدير مشاريع خاصة لدى هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة، حول رؤية واحدة: الاستثمار الحقيقي في مستقبل المجتمع يبدأ من الطفل، ولا يكتمل من دون أسرة مُمكّنة ومنظومة متكاملة وكفاءات قادرة على تحويل الرؤى إلى أثر ملموس.

من فهم الإنسان إلى حماية الطفل والأسرة
بدأ شغف آمنة الحوسني بعلم النفس منذ سنوات المراهقة، مدفوعًا بأسئلة حول تكوين شخصية الإنسان وتأثير تجارب الطفولة في حياته المستقبلية. وقادها هذا الفضول إلى دراسة علم النفس والخدمات الإنسانية، ثم التخصص في تحليل السلوك التطبيقي، قبل أن تبدأ العمل المباشر مع الأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد وأسرهم.
وفي أحد مراكز التدخل المبكر، شاهدت آمنة كيف يمكن لمهارة تبدو بسيطة في نظر الآخرين أن تغيّر حياة أسرة بأكملها؛ طفل يستطيع التعبير عن احتياجاته، أو يشارك عائلته نشاطًا، أو يعتمد على نفسه في إحدى تفاصيل يومه. وفي الوقت نفسه، كشفت لها التجربة أن دعم الطفل وحده لا يكفي، وأن منح الوالدين المعرفة والأدوات المناسبة يمكن أن ينقل الأسرة من القلق والحيرة إلى الفهم والثقة والقدرة على المساندة.
ومن العمل الميداني، انتقلت الحوسني تدريجيًا إلى العمل على السياسات والمبادرات والمنظومات في مجالي حماية الطفل والصحة النفسية، من دون أن تغيب عنها التجارب الإنسانية التي صنعت بداية مسيرتها. ولذلك، بقي سؤال واحد يوجّه عملها مهما اتسع نطاق المشروع: "ما الذي سيتغير فعلاً في حياة الطفل وأسرته؟".
بالنسبة إليها، هذا هو المعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة أو خدمة؛ ليس جودة الفكرة على الورق فحسب، وإنما سهولة وصول الأسرة إليها، ووضوحها للوالدين، وملاءمتها لاحتياجات الطفل، وقدرتها على تحسين حياته اليومية.
التدخل المبكر فرصة قد تغيّر مسار الحياة
أما الدكتورة سلوى الحوسني، فقد جعلها تخصصها في الصحة النفسية للأطفال والمراهقين تدرك أن كثيرًا من التحديات النفسية والسلوكية والنمائية التي تظهر في مراحل عمرية لاحقة، يمكن تغيير مسارها إذا تم اكتشافها والتعامل معها مبكرًا. ومن هنا، أصبح نشر الوعي بأهمية التدخل المبكر، وخصوصًا في الاضطرابات النمائية العصبية، جزءًا أساسيًا من رسالتها المهنية، إلى جانب الحد من الوصمة المرتبطة بالتشخيصات النفسية والنمائية التي قد تدفع بعض الأسر إلى تأخير طلب المساعدة.
وخلال مسيرتها، شاهدت الدكتورة سلوى التحول الذي يحدث عندما يصل الدعم المناسب في الوقت المناسب؛ أطفال تتطور قدراتهم على التعلم والتواصل والتكيف، وأسر تصبح أكثر فهمًا لاحتياجات أطفالها وقدرة على التعامل معها. ولذلك، تصف التدخل المبكر بأنه ليس مجرد خدمة تُقدَّم للطفل، بل فرصة يمكن أن تغيّر مسار نموه وحياته وتمكّن أسرته في الوقت نفسه.
ومن المبادرات التي تعتز بمشاركتها فيها برنامج الوقاية من التنمر في المدارس، الذي أطلقه المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، وأسهم في رفع الوعي بالآثار النفسية والاجتماعية للتنمر، وتعزيز قدرة الطلبة وأولياء الأمور والعاملين في المدارس على التعرف إليه والتعامل معه بوعي وفاعلية.
ولم يقتصر البرنامج على دعم الطفل الذي يتعرض للتنمر، بل اهتم أيضًا بفهم احتياجات الطفل الذي يمارس هذا السلوك والتدخل معه بصورة مناسبة. وتؤكد الدكتورة سلوى أن مثل هذه المبادرات تصنع لغة مشتركة بين الطفل والأسرة والمدرسة والمختصين، وتحول الوعي من مفهوم نظري إلى وقاية ودعم حقيقيين.

حين يبدأ الأثر قبل تقديم الخدمة
تجسّد مسيرة شيخة محمد نخيره الظاهري جانبًا من التحول الذي شهده حضور المرأة الإماراتية في القطاعات الحيوية؛ إذ لم يعد إسهامها يقتصر على تقديم الخدمات، بل امتد إلى استشراف الاحتياجات وصياغة السياسات وبناء المنظومات التي تحدد جودة هذه الخدمات وأثرها المستقبلي.
ومن هذا المنظور، تنظر الظاهري إلى تنمية الطفولة المبكرة بوصفها قطاعًا يحتاج إلى رؤية بعيدة المدى تبدأ قبل وصول الخدمة إلى الطفل والأسرة؛ من خلال التخطيط السليم، والكفاءات المؤهلة، والأدوار الواضحة، والمؤسسات القادرة على العمل بصورة متكاملة والاستعداد للاحتياجات المتغيرة.
وتشكّلت هذه الرؤية عبر مسيرة تمتد لأكثر من 19 عامًا في التخطيط الاستراتيجي وتطوير السياسات والإشراف على تنفيذ المبادرات والمشاريع، انتقلت خلالها من العمل في القطاع الصحي إلى دورها الحالي في هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة. كما أسهم التحاقها ببرامج تعليمية وتدريبية متخصصة في الدراسات الاستراتيجية، من بينها كلية الدفاع الوطني وبرنامج "جدارة"، في صقل قدرتها على تحويل الرؤى الوطنية الكبرى إلى خطط قابلة للتنفيذ.
وتجلّى ذلك عندما قادت إطلاق أول خطة استراتيجية للقوى العاملة الصحية في إمارة أبوظبي، بهدف استشراف احتياجات القطاع من الكوادر وضمان جاهزيته لمواصلة تقديم خدمات عالية الجودة، بدلًا من الاكتفاء بالاستجابة للاحتياجات الآنية.
وتحمل الظاهري هذه الخبرة اليوم إلى قطاع تنمية الطفولة المبكرة، انطلاقًا من قناعة بأن الاستثمار في الطفل يبدأ ببناء المنظومة المحيطة به. فالسياسات والبرامج مهما بلغت جودتها، لا تحقق أثرها ما لم تدعمها كفاءات متخصصة وخدمات مترابطة تصل إلى الطفل وأسرته في الوقت المناسب.
ومن هنا، ترى أن تنمية الطفولة المبكرة مسؤولية مشتركة تتكامل فيها قطاعات الصحة والتعليم والحماية والتنمية الاجتماعية، وأن المرأة الإماراتية تؤدي دورًا محوريًا في قيادة هذا التكامل بما تجمعه من رؤية استراتيجية وفهم عميق للأثر الإنساني للقرارات. وبالنسبة إليها، لا يُقاس نجاح المنظومة بعدد المبادرات التي تطلقها، بل بما تُحدثه فعليًا في حياة الطفل وأسرته، وبقدرتها على بناء أثر مستدام يمتد إلى مستقبل المجتمع بأكمله.
المرأة الإماراتية من تقديم الخدمات إلى صناعة القرار
تكشف المسارات المهنية للسيدات الثلاث عن التحول الكبير الذي شهده حضور المرأة الإماراتية في قطاع تنمية الطفولة المبكرة والقطاعات الاجتماعية المرتبطة به. فلم يعد دورها يقتصر على تنفيذ البرامج أو تقديم الخدمات، بل أصبحت شريكًا في صياغة السياسات ووضع الخطط الاستراتيجية وقيادة المبادرات والفرق وإدارة الأزمات وتصميم الأنظمة والحلول المبتكرة.
هذا الحضور، في نظرهن، لم يأتِ مصادفة، بل هو ثمرة رؤية وطنية آمنت منذ وقت مبكر بقدرات المرأة، ووفرت لها التعليم والتأهيل والثقة والمساحة اللازمة للمشاركة في اتخاذ القرار. كما استلهمت المرأة الإماراتية قيم القيادة والعطاء من دعم القيادة الرشيدة، ومن النموذج الملهم الذي قدمته سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك "أم الإمارات" في تمكين المرأة ودعم الأسرة والطفولة.
وتشير الدكتورة سلوى إلى أن المرأة الإماراتية تقود بطموح وإلهام، مستندة إلى فهم عميق لثقافة مجتمعها واحتياجات الأسرة والطفل. ويظهر أثر ذلك خصوصًا في المجالات الصحية والنفسية والاجتماعية، حيث يسهم وجود مختصات إماراتيات في تعزيز ثقة الأسر بالخدمات، وفهم التحديات ضمن سياقها الثقافي والاجتماعي، وتقديم الدعم بطريقة تراعي خصوصية كل أسرة.
أما آمنة الحوسني، فترى أن تمكين المرأة ليس إنجازًا يخصها وحدها؛ "فحين تتسع قدرتها على التأثير، تتحسن القرارات والخدمات التي تمس الأسرة والمجتمع بأكمله".
بينما تؤكد شيخة الظاهري أن ما يميز إسهام المرأة الإماراتية هو قدرتها على الجمع بين الرؤية الاستراتيجية وفهم الأثر الإنساني للقرارات، مستندة إلى تجربتها في المشاركة في لجان استراتيجية وفنية وتشغيلية، وقيادة مشاريع جمعت جهات حكومية ومؤسسات من القطاع الخاص. ومن هذه التجارب، تعلمت أن القيادة لا ترتبط بمنصب أو مسمى وظيفي، بل بالاستعداد لتحمل المسؤولية، وتحويل التحديات إلى خطوات عملية، وتوحيد جهود الشركاء للوصول إلى نتائج مشتركة.
منظومة لا تترك الأسرة تبحث وحدها عن الطريق
تتطلع السيدات الثلاث إلى قطاع أكثر تكاملًا واستعدادًا للمستقبل؛ ينتقل من الاستجابة بعد تفاقم التحديات إلى رصد الاحتياجات والتدخل مبكرًا، ويستند إلى البيانات في تحديد الأولويات، ويستثمر بصورة مستدامة في الكفاءات العاملة مع الأطفال والأسر، ويوفر للأسرة مسارات دعم واضحة ومترابطة.
وتختصر آمنة الحوسني هذا الطموح بقولها إن الطفل لا يعيش حياته وفق الحدود الإدارية للجهات، ولذلك يجب ألا تضطر أسرته إلى التنقل بين خدمات متفرقة، أو تكرار قصتها في كل مرة، أو محاولة اكتشاف الطريق الصحيح وحدها.
وترى آمنة أنه سيكون للبيانات والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي دور أكبر في استشراف التحديات وتوجيه الموارد واكتشاف الاحتياجات مبكرًا، ولكن ضمن إطار حوكمة واضح ومعايير أخلاقية ومهنية تحمي خصوصية الطفل والأسرة، ومن دون أن تحل التقنية محل الخبرة الإنسانية. كما يُتوقع أن يحظى صوت الطفل بمساحة أكبر في تصميم السياسات والخدمات، بوسائل تراعي عمره وقدرته على التعبير.
"عام الأسرة" تمكين للوالدين واستثمار في المستقبل
يأتي "عام الأسرة" ليؤكد أن الطفل لا ينمو بمعزل عن أسرته؛ فهي بيئته الأولى، ومنها يستمد شعوره بالأمان، وتتكون تجاربه الأولى في التعلم والتواصل وبناء العلاقات.
وترى السيدات الثلاث أن هذا التوجه الوطني يجب أن ينعكس على أولويات القطاع من خلال تعزيز الوقاية والتدخل المبكر، وتمكين الوالدين، وتوفير معلومات موثوقة وأدوات عملية وخدمات مترابطة تساعد الأسرة على اتخاذ القرارات المناسبة لأطفالها.
وتؤكد شيخة الظاهري أن المستقبل المنشود هو منظومة لا تترك الأسرة تبحث وحدها عن طريق الدعم، بل توفر لها مسارات واضحة وخدمات متكاملة تواكب احتياجاتها في مختلف مراحل نمو الطفل، وتقوم فيها كل جهة بدورها المكمل للأخرى.
وبوصفها أمًا ومتخصصة، تؤكد آمنة الحوسني أن الأسر لا تحتاج إلى مزيد من الرسائل المتفرقة أو الأحكام، بل إلى إجابات واضحة: ماذا نفعل؟ إلى أين نتجه؟ وما الخطوة التالية؟ فالاختبار الحقيقي لأي منظومة هو قدرتها على إيصال المساندة في الوقت المناسب، من دون أن تضطر الأسرة أولًا إلى فهم تعقيدات الجهات حتى تحصل عليها.
وفي الختام، تكشف هذه التجارب الدور المؤثر الذي تؤديه المرأة الإماراتية في دعم الأولويات الوطنية والمساهمة في رسم مستقبل القطاعات الحيوية، ويبرز هذا الدور بوضوح في قطاع تنمية الطفولة المبكرة، الذي يحظى باهتمام بالغ في دولة الإمارات من خلال تطوير تشريعات ومبادرات نوعية تستهدف الأطفال منذ الولادة وحتى سن الثامنة، من بينها قانون الطفولة المبكرة، والمجلس الوطني لتنمية الطفولة المبكرة، والملف الموحد لكل طفل.
وضمن منظومة تتكامل فيها جهود الجهات المعنية بالصحة والتعليم والحماية والتنمية الاجتماعية، مثل هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة ودائرة تنمية المجتمع، تسهم المرأة الإماراتية في ترجمة هذه الأولويات إلى سياسات وخدمات ومبادرات تُحدث أثرًا ملموسًا في حياة الأطفال وأسرهم.
ومن هنا، لا يقتصر الاحتفاء بالمرأة الإماراتية في يومها على تقدير إنجازاتها اليوم، بل يمتد إلى أثرها في تنشئة أجيال أكثر أمانًا وثقة وقدرة على تحقيق إمكاناتها، والإسهام في بناء مستقبل تبدأ أسسه من السنوات الأولى للطفل.