هل تؤثر اللغة التي يتحدث بها طفلكِ في طريقة تعبيره عن مشاعره؟
اللغة التي يتحدث بها طفلكِ لا تمنحه الكلمات التي يستخدمها للتواصل مع الآخرين فحسب، بل قد تصبح مع الوقت جزءًا من الطريقة التي يفهم بها نفسه، ويصف بها مشاعره، ويتعامل من خلالها مع الحزن والغضب والقلق والحب وغيرها من الأحاسيس.
ويصبح الأمر أكثر إثارة للاهتمام عندما ينشأ الطفل في بيئة متعددة اللغات، كما يحدث في كثير من الأسر اليوم؛ فقد يستخدم لغة داخل المنزل، وأخرى في المدرسة، وربما يتعرض للإنجليزية بصورة مستمرة من خلال الأفلام والموسيقى والكتب ومقاطع الفيديو والبودكاست. وهنا قد تلاحظ الأم أن طفلها أو ابنها المراهق يستطيع الحديث عن بعض مشاعره بسهولة أكبر بلغة دون أخرى، أو أنه يلجأ تلقائيًا إلى لغة معينة عندما يريد وصف تجربة عاطفية صعبة.
فهل تؤثر اللغة بالفعل في الطريقة التي نعبر بها عن مشاعرنا؟ ولماذا قد نشعر أحيانًا بأن قول "أنا لست بخير" أسهل بلغة، بينما تحمل لغة أخرى مشاعر ومعاني لا تستطيع الترجمة نقلها بالكامل؟
معنا اليوم الخبيرة حليمة سعيد من مركز ثرايف للصحة النفسية للإجابة على كل هده الأسئلة في النقاط التوضيحية التالية.
الطفل لا يتعلم الكلمات فقط.. بل يتعلم كيف يُعبّر عن مشاعره
لا تتشكل ثقافة الإنسان فقط من جذوره الوطنية أو العرقية، وإنما تبدأ من مساحة أصغر وأكثر قربًا منه: البيت. فلكل أسرة ثقافتها العاطفية الخاصة، حتى وإن لم ينتبه أفرادها إلى ذلك. وفي كثير من البيوت، لا يتم التعبير عن الحب أو الحزن أو الغضب أو التوتر بالكلمات بصورة مباشرة، وإنما تظهر المشاعر من خلال الأفعال والسلوكيات.
قد يرى الطفل أحد والديه يلجأ إلى تنظيف المنزل عندما يشعر بالغضب أو الحزن، أو يطيل ساعات العمل عندما يثقل عليه الضغط، أو يلتزم الصمت عندما يعجز عن التعبير عما يشعر به. وفي بعض الأسر، قد يصبح الصمت نفسه أبلغ من الكلمات في الإعلان عن أن شيئًا ما ليس على ما يرام.
وهكذا لا يتعلم الطفل اللغة فحسب، وإنما يتعلم معها القواعد العاطفية للأسرة: ما المشاعر التي يمكن الحديث عنها؟ وما المشاعر التي ينبغي إخفاؤها؟ هل من المقبول أن نقول إننا خائفون أو حزينون؟ وهل التعبير عن الألم بالكلمات أمر طبيعي، أم أن الطريقة المعتادة لمواجهته هي الصمت أو الانشغال أو الاستمرار في أداء المسؤوليات؟
نحن نرث طرق التعبير عن المشاعر قبل أن نتعلم وصفها
ينشأ بعض الأطفال في أسر تشجعهم منذ الصغر على الحديث بصراحة عن المشاعر الصعبة، بينما يتعلم آخرون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن الألم يُواجه بالصمت، أو بالانشغال بالمسؤوليات، أو بالعمل والإنتاجية المستمرة.
ومع مرور السنوات، قد تصبح هذه الأنماط جزءًا من الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع مشاعره دون أن يدرك مصدرها.
فالطفل الذي لم يسمع كثيرًا عبارات تصف الحزن أو الخوف أو القلق داخل المنزل قد يعرف أنه يشعر بشيء مزعج، لكنه لا يمتلك دائمًا المفردات التي تساعده على وصفه. وفي المقابل، فإن الطفل الذي اعتاد سماع مشاعره وهي تُسمى ويُسمح له بالحديث عنها قد يجد سهولة أكبر في التعرف إليها والتعبير عنها. ومن هنا تظهر أهمية البيئة العاطفية التي تصاحب اللغة؛ لأن المسألة لا تتعلق بالمفردات وحدها، وإنما بما تعلمناه ونحن نستخدم هذه المفردات.
لماذا قد يكون التعبير عن المشاعر بالإنجليزية أسهل لدى بعض الأشخاص؟
بالنسبة إلى كثير من الأشخاص متعددي اللغات، أصبحت الإنجليزية مرتبطة بمساحة واسعة من التعبير المباشر عن المشاعر والأحاسيس. فمن خلال الأفلام والموسيقى والكتب والبودكاست وغيرها من أشكال المحتوى، اعتادوا سماع شخصيات تعترف بأنها تمر بوقت عصيب، وأغانٍ تصف ألم الفراق، ونقاشات تتناول القلق والخوف والصحة النفسية والمشكلات العاطفية بصراحة.
وقد تعرّفهم هذه التجارب إلى مفردات ومفاهيم تساعدهم على وصف مشاعر ربما لم يكن الحديث عنها شائعًا في المنزل أو البيئة التي نشأوا فيها. ومع تكرار التعرض لهذه اللغة العاطفية، قد تصبح عبارات مثل "لست بخير" أكثر ألفة وأسهل في الاستخدام.
لكن هذا لا يعني أن اللغة الإنجليزية أكثر قدرة بطبيعتها على التعبير عن المشاعر، أو أن لغة ما أغنى عاطفيًا من أخرى. فالدلالات والمشاعر التي نربطها بأي لغة تتشكل إلى حد كبير من خلال التجارب التي عشناها أثناء استخدامها.
عندما ترتبط اللغة الأولى بالأسرة والثانية بالاستقلال
قد تصبح القواعد العاطفية التي تعلمناها في طفولتنا مرتبطة باللغة التي نشأنا على التحدث بها. وفي المقابل، يمكن أن تكتسب اللغة الثانية معنى عاطفيًا مختلفًا تمامًا إذا ارتبطت بمرحلة جديدة من الحياة أو بالمدرسة أو الجامعة أو الصداقات أو الاستقلالية.
وقد ترتبط أيضًا بمساحات أتاحت للإنسان التعبير عن جوانب من ذاته لم يكن معتادًا على إظهارها من قبل. ولهذا قد يشعر بعض الأشخاص متعددي اللغات بأنهم أكثر جرأة أو انفتاحًا عند الحديث عن بعض الموضوعات بلغة ثانية؛ ليس لأن هذه اللغة تمتلك كلمات "أفضل"، وإنما لأن علاقتهم النفسية بها مختلفة.
هل تمنحنا اللغة الثانية مسافة عاطفية آمنة؟
تشير أبحاث ثنائية وتعدد اللغات إلى أن استخدام لغة ثانية يمكن، لدى بعض الأشخاص وفي بعض المواقف، أن يوفر قدرًا من المسافة العاطفية. وقد تجعل هذه المسافة الحديث عن موضوع حساس أو مؤلم أقل وطأة نسبيًا، خصوصًا إذا كان الموضوع مرتبطًا بالخجل أو الوصمة الاجتماعية أو بتجربة يصعب الحديث عنها داخل الثقافة الأسرية المعتادة. وكأن اللغة الثانية تمنح الشخص خطوة صغيرة إلى الخلف، يستطيع من خلالها النظر إلى تجربته والتحدث عنها دون أن تغمره المشاعر بالقوة نفسها.
لكن ذلك لا يحدث مع الجميع، ولا يعني أن التعبير عن المشاعر يصبح دائمًا أسهل باستخدام اللغة الثانية. ففي بعض الحالات يحدث العكس تمامًا، وتصبح اللغة الأم هي الوحيدة القادرة على حمل المعنى الحقيقي لما يشعر به الإنسان.
أحيانًا لا تستطيع الترجمة نقل ما نشعر به
يظهر الوجه الآخر للعلاقة بين اللغة والمشاعر عندما يحاول الشخص وصف إحساس عميق بلغة ثانية، ثم يكتشف أنه لا يجد الكلمات المناسبة. وفي الجلسات العلاجية مع أشخاص يتحدثون أكثر من لغة، قد يتوقف أحدهم ليقول: "لا أعرف كيف أعبّر عن هذا باللغة الإنجليزية، لا أستطيع قوله إلا بلغتي الأخرى". وفي كثير من الأحيان، لا يكون ما يريد قوله مجرد كلمة، وإنما مثلًا أو استعارة أو تعبيرًا ثقافيًا يحمل معنى أعمق بكثير مما تستطيع الترجمة الحرفية نقله.
فهذه التعبيرات قد تختزن خبرات وحكمة ثقافية متوارثة حول كيفية فهم الحزن أو الحب أو الفقد أو الصبر أو التعايش مع الألم وتجاوزه، وهي معانٍ يصعب أحيانًا اختصارها في كلمة واحدة بلغة أخرى. ولا يقتصر هذا الثراء على لغة بعينها، فالكثير من اللغات تحمل داخلها طبقات عميقة من المعاني العاطفية والثقافية. لذلك، ليست القضية أن الإنجليزية أكثر قدرة على التعبير، وإنما أنها قد تقدم لبعض الأشخاص طريقة مختلفة لتنظيم المشاعر وتسميتها، تمامًا كما قد تقدم اللغة الأم عمقًا عاطفيًا وثقافيًا لا يمكن تعويضه.
اللغة جزء من هوية طفلكِ وشعوره بالانتماء
تتكون الهوية والشعور بالانتماء من طبقات عديدة، وتؤدي اللغة دورًا مهمًا في تشكيل الطريقة التي نفهم بها أنفسنا. فقد ترتبط إحدى اللغات لدى الطفل بالمنزل والأسرة والجذور والذكريات الأولى، بينما ترتبط أخرى بالمدرسة والأصدقاء والاستقلال واكتشاف العالم الخارجي. ومع نموه، قد يجد نفسه قادرًا على تسمية بعض المشاعر بلغة معينة بسهولة أكبر، بينما يجد في لغة أخرى حكمة أعمق أو شعورًا أكبر بالأمان والانتماء أو معاني يصعب عليه التعبير عنها بغيرها. وهذا الاختلاف لا ينبغي النظر إليه بوصفه مشكلة، بل قد يكون جزءًا طبيعيًا من التجربة العاطفية للأشخاص الذين يعيشون بين لغتين أو أكثر.
ماذا يعني ذلك للأم التي تربي طفلًا متعدد اللغات؟
إذا لاحظتِ أن طفلكِ يختار لغة معينة عندما يتحدث عن مشاعره، فلا تتسرعي في مطالبته باستخدام لغة أخرى، ولا تفترضي أن اختياره يعني رفضه للغته الأم أو ابتعاده عن ثقافة أسرته. والتزمي بما يلي:
الأهم أن يجد مساحة آمنة يستطيع داخلها التعبير عما يشعر به.
استمعي أولًا إلى المعنى الذي يحاول إيصاله، حتى إذا مزج بين لغتين في الجملة نفسها. وإذا استخدم كلمة بلغة أخرى لوصف شعور ما، يمكنكِ مساعدته لاحقًا على معرفة المقابل المناسب لها بلغته الأم، دون تحويل الحديث العاطفي إلى درس لغوي أو تصحيح مستمر.
ومن المفيد أيضًا أن يعتاد الطفل داخل المنزل سماع أسماء المشاعر المختلفة والتحدث عنها بصورة طبيعية. قولي مثلًا: "يبدو أنك حزين"، أو "أشعر أنك منزعج مما حدث"، أو "من الطبيعي أن تشعر بالإحباط عندما لا تسير الأمور كما أردت".
بهذه الطريقة، لا تمنحين طفلكِ مفردات جديدة فقط، وإنما تساعدينه على بناء قاموس عاطفي يستطيع استخدامه لفهم نفسه والتواصل معكِ ومع الآخرين.
لا تجعلي اللغة حاجزًا أمام مشاعر طفلكِ
في الختام، لكل لغة نقاط قوتها وارتباطاتها الخاصة داخل الإنسان. وقد تكون لغة ما هي لغة الحنان والذكريات والعائلة، وأخرى لغة الاستقلال والصداقة والتعبير المباشر، بينما تتداخل الاثنتان في تشكيل هوية واحدة أكثر ثراءً وتعقيدًا.
لذلك، فالسؤال الأهم ليس: بأي لغة يتحدث طفلكِ عن مشاعره؟ بل: هل يشعر بالأمان الكافي ليتحدث عنها أصلًا؟
فحين يجد الطفل من يستمع إليه دون حكم، ويتقبل كلماته مهما كانت اللغة التي اختارها، ويتعلم أن الحزن والخوف والغضب والقلق مشاعر يمكن تسميتها والحديث عنها، تصبح اللغة جسرًا للوصول إليه، لا حاجزًا يفصل بينه وبين أسرته.

