من بدايات الاتحاد إلى آفاق الفضاء.. محطات غيّرت قصة المرأة الإماراتية
في كل مرة تحتفل فيها دولة الإمارات بيوم المرأة الإماراتية، لا تبدو المناسبة وكأنها وقفة لاستعادة مجموعة من الإنجازات بقدر ما تبدو فرصة لقراءة قصة وطن من زاوية مختلفة؛ قصة كانت المرأة حاضرة في صفحاتها الأولى، ثم مضت معها عامًا بعد آخر، حتى أصبحت اليوم جزءًا من صياغة فصول المستقبل نفسها.
وفي 28 أغسطس 2026، يأتي الاحتفاء تحت شعار «بنظهر الأقوى والأفضل»، وهو شعار يتجاوز الاحتفاء بما تحقق إلى الإشارة نحو ما سيأتي. وقد وجّهت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات» بأن يمتد الاحتفال هذا العام شهرًا كاملًا، من 28 أغسطس حتى 28 سبتمبر، ليصبح مساحة لإبراز القصص الملهمة وإطلاق المبادرات والاحتفاء بمنظومة كاملة شاركت في صناعة نجاح المرأة الإماراتية.
لكن لفهم الصورة التي وصلت إليها ابنة الإمارات اليوم، ربما علينا العودة قليلًا إلى البدايات؛ إلى زمن لم تكن فيه صورتها في مختبر علمي أو قاعة برلمانية أو مركز للتحكم في مهمة فضائية أمرًا يمكن تخيله بسهولة. وبين تلك اللحظة وهذه، تغير الكثير، ليس فقط في الوظائف التي تشغلها المرأة، وإنما في معنى الطموح نفسه.

خطوة البداية.. مشوار ملهم للمرأة الإماراتية
قبل أن تصل المرأة الإماراتية إلى مواقع القيادة، كان عليها أولًا أن تصل إلى مقعد الدراسة.
ولهذا يبدو التعليم أحد أكثر الفصول دلالة في قصتها؛ لأن التحول الذي حدث خلال عقود قليلة لا يُقرأ في الشهادات الجامعية فقط، بل في أجيال كاملة انتقلت فيها الفتاة من البحث عن فرصة للتعلم إلى التفوق داخل بعض أكثر التخصصات العلمية تعقيدًا.
وتكشف الأرقام حجم هذه المسافة؛ ففي عام 1975 بلغت نسبة الأمية بين الإناث نحو 62%، قبل أن تنخفض إلى 1.6% في 2024. وخلال الفترة ذاتها، ارتفع عدد الطالبات في التعليم العام من نحو 27 ألف طالبة إلى أكثر من 890 ألفًا.
لكن القصة الأجمل ربما تبدأ بعد هذه الأرقام؛ حين أصبح السؤال المطروح أمام الفتاة الإماراتية ليس «هل ستكمل تعليمها؟»، وإنما «أي مجال ستختار؟».
فالنساء يشكلن اليوم نسبة كبيرة من خريجي الجامعات، ويظهر حضورهن بصورة لافتة في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وهي مجالات أصبحت في السنوات الأخيرة واحدة من أبرز ساحات حضور الكفاءات النسائية الإماراتية. وتشير بيانات حديثة إلى أن النساء يشكلن نحو 70% من خريجي الجامعات في الدولة، مع حضور قوي في تخصصات STEM.
وهنا تغيرت صورة النجاح. لم تعد الشهادة نهاية الرحلة، بل أصبحت مفتاحًا لقطاعات جديدة لم تكن مألوفة لأجيال سابقة.

حين أصبحت الشراكة مشروع دولة
لم تكن مسيرة المرأة الإماراتية نتيجة تحولات اجتماعية تلقائية فقط، بل ارتبطت منذ سنوات الاتحاد الأولى برؤية اعتبرت مشاركتها جزءًا من عملية بناء الدولة.
وفي عام 1975، تأسس الاتحاد النسائي العام، لتبدأ مرحلة أكثر تنظيمًا في دعم حضور المرأة في التعليم والعمل والمجتمع. وبعد عقود، سيصبح التاريخ نفسه، 28 أغسطس، موعدًا سنويًا ليوم المرأة الإماراتية الذي أطلقته سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك عام 2015.
وعلى امتداد هذه المسيرة، لعبت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك دورًا محوريًا في تحويل تمكين المرأة من طموح إلى منظومة مستمرة؛ منظومة لا تنظر إلى المرأة باعتبارها حالة منفصلة عن الأسرة أو المجتمع، وإنما شريكًا في بناء الاثنين معًا.
وهذا المعنى تحديدًا يعود بقوة في شعار 2026. فـ«بنظهر الأقوى والأفضل» لا يقدم المرأة في مواجهة الرجل، وإنما داخل دائرة أوسع من الأسرة والمجتمع والمؤسسات التي تتيح لها النجاح. وهو ما أكدت عليه «أم الإمارات» عندما أشارت إلى أن إنجاز المرأة ثمرة بيئة آمنت بها وأسرة احتضنت حلمها ومؤسسة أتاحت لها الفرصة.
ربما لهذا السبب تبدو التجربة الإماراتية مختلفة في لغتها؛ فالمشهد لا يقوم فقط على «وصول المرأة»، وإنما على صناعة بيئة يصبح وصولها فيها طبيعيًا.

من مقاعد الدراسة إلى مقاعد القرار
ثم جاءت لحظة أصبح فيها الحضور النسائي داخل المؤسسات الكبرى جزءًا واضحًا من المشهد الإماراتي.
في عام 2004، أصبحت الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي أول امرأة في تاريخ الدولة تتولى حقيبة وزارية، عندما عُينت وزيرة للاقتصاد والتخطيط. وبعد سنوات، صنعت الدكتورة أمل القبيسي محطة أخرى عندما أصبحت أول امرأة تترأس مؤسسة برلمانية على المستوى الإقليمي.
ولم تتوقف المسيرة عند التجارب الفردية؛ فمنذ الدورة الانتخابية لعام 2019، أصبح تمثيل المرأة في المجلس الوطني الاتحادي 50%، أي عشرين مقعدًا من أصل أربعين.
وهنا يصبح التحول أكبر من اسم امرأة وصلت إلى منصب رفيع. فحين تجلس المرأة إلى طاولة صنع القرار بنسبة متساوية داخل مؤسسة وطنية، تنتقل قصتها من الاستثناء إلى المشاركة المؤسسية.
وفي الحكومة والدبلوماسية والاقتصاد والقضاء والثقافة، استمر حضور الإماراتيات في الاتساع، حتى أصبحت الأجيال الأصغر سنًا ترى أمامها نماذج نسائية في مواقع لم تعد تبدو بعيدة أو غير مألوفة.
وذلك ربما أحد أهم آثار التمكين الذي يصعب قياسه بالأرقام: أن تكبر فتاة وهي ترى امرأة تشبهها وزيرة أو سفيرة أو عالمة أو مهندسة أو رائدة أعمال، فلا تبدو هذه المواقع بالنسبة إليها أحلامًا استثنائية، بل احتمالات طبيعية لمستقبلها.
حين تغيرت لغة الطموح
مع دخول الإمارات بقوة إلى مجالات العلوم المتقدمة، ظهر جيل جديد من النساء لا يكتفي بالمشاركة في القطاعات القائمة، بل يدخل إلى القطاعات التي تصنعها التكنولوجيا للمستقبل.
ومن بين أبرز هذه الأسماء معالي سارة بنت يوسف الأميري، التي أصبحت واحدة من الوجوه الإماراتية الأكثر ارتباطًا بالعلوم والتكنولوجيا المتقدمة. وتشغل الأميري منصب وزيرة دولة للتعليم العام والتكنولوجيا المتقدمة، كما تترأس مجلس وكالة الإمارات للفضاء ومجلس علماء الإمارات، وارتبط اسمها كذلك بمهمة الإمارات لاستكشاف المريخ «مسبار الأمل».
لكن أهمية تجربتها لا تكمن فقط في المناصب التي شغلتها، بل في الصورة التي قدمتها لجيل جديد من الفتيات: امرأة شابة تتحدث بلغة الهندسة والبيانات والأبحاث والمهمات العلمية الكبرى، وتقف في قلب مشروع وطني يتعامل مع المعرفة باعتبارها أحد أهم استثمارات المستقبل.
وعندما وصل «مسبار الأمل» إلى مدار المريخ في فبراير 2021، لم يكن الإنجاز فضائيًا فقط. فقد شكلت النساء 80% من الفريق العلمي للمهمة، في واحدة من أكثر الصور تعبيرًا عن المسافة التي قطعتها المرأة الإماراتية في مجالات العلوم.
الصورة هنا مختلفة تمامًا: شابات إماراتيات يجلسن أمام شاشات البيانات، يحللن معلومات قادمة من ملايين الكيلومترات، ويساهمن في أبحاث يستفيد منها علماء ومؤسسات في مختلف أنحاء العالم.
إنها ليست مجرد مشاركة نسائية في مشروع كبير، بل إعادة تعريف لما يمكن أن تكون عليه وظيفة ابنة الإمارات.

نورة المطروشي.. عندما أصبح الحلم يرتدي بدلة رائد فضاء
ثم جاء اسم نورة المطروشي.
في عام 2021، وقع الاختيار عليها ضمن الدفعة الثانية من برنامج الإمارات لرواد الفضاء، لتصبح أول امرأة إماراتية وعربية يتم اختيارها رائدة فضاء. وانضمت لاحقًا إلى برنامج تدريب رواد الفضاء في مركز جونسون التابع لوكالة «ناسا»، وتخرجت ضمن دفعة مرشحي رواد الفضاء التابعة للوكالة.
يحمل هذا الإنجاز قيمة رمزية تتجاوز تفاصيل المهمة الفضائية نفسها.
فالطفلة الإماراتية التي تنظر اليوم إلى صورة نورة المطروشي لا ترى امرأة حققت إنجازًا شخصيًا فقط؛ بل ترى احتمالًا جديدًا بالكامل.
ربما تكون مهندسة طيران. ربما تعمل في أبحاث الكواكب. ربما تدخل مجالًا لم تظهر وظيفته بعد. وربما تصبح هي الأخرى رائدة فضاء.
وهكذا تتغير المجتمعات أحيانًا؛ ليس فقط عندما تُفتح الأبواب، وإنما عندما ترى الأجيال الجديدة بأعينها شخصًا سبقها من خلالها.
الذكاء الاصطناعي.. الفصل الذي يُكتب الآن
إذا كان الفضاء قد شكل أحد أكثر العناوين إثارة في رحلة المرأة الإماراتية خلال العقد الماضي، فإن الذكاء الاصطناعي يبدو مرشحًا ليصبح أحد أهم عناوين المرحلة المقبلة.
ولم تعد مشاركة الإماراتيات في التكنولوجيا محصورة في الدراسة أو الاستخدام؛ إذ تتجه البرامج الوطنية بصورة متزايدة إلى إعداد النساء لتطوير الحلول التقنية وقيادة الشركات الناشئة واتخاذ القرارات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي.
وفي قطاعات مثل الطاقة، أصبح الذكاء الاصطناعي نفسه مساحة جديدة للحضور النسائي؛ إذ تعمل المؤسسات الإماراتية على تأهيل كوادر نسائية في التطبيقات التقنية والهندسية والقيادية المرتبطة بهذه التحولات. وفي «أدنوك» مثلًا، مثلت الإماراتيات أكثر من 40% من خريجي برنامج مسرعات الذكاء الاصطناعي الذي أُعلن عن تخريج نحو 150 مهندسًا منه.
وهكذا تنتقل المرأة الإماراتية من مرحلة استخدام التكنولوجيا إلى مرحلة المشاركة في صنعها وتوجيهها.

النجاح لا يلغي الهوية
وربما تكون إحدى أجمل سمات هذه القصة أن التحول السريع لم يفرض على المرأة الإماراتية أن تختار بين الحداثة وهويتها.
فالمرأة التي تدخل المختبر أو تتولى منصبًا قياديًا أو تعمل في قطاع الفضاء تحمل معها كذلك علاقتها بالأسرة والثقافة والذاكرة المحلية. ولهذا يظل مفهوم التوازن حاضرًا بقوة في الخطاب الإماراتي حول تمكين المرأة.
إنها معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد «امرأة عاملة». إنها ابنة وأم وزوجة وباحثة ومديرة ومبدعة، وقد تجتمع أكثر من هوية داخل المرأة نفسها من دون أن تضطر إلى التخلي عن واحدة كي تثبت نجاح الأخرى.
وهذا تحديدًا ما يجعل قصة المرأة الإماراتية قابلة للقراءة من منظور أكثر إنسانية؛ لأنها ليست مسيرة انتقال من دور إلى آخر، وإنما توسع مستمر لمساحة الاختيار.
«بنظهر الأقوى والأفضل».. لأن القصة لم تنته بعد
بعد أكثر من خمسين عامًا على تأسيس الاتحاد النسائي العام، لم تعد النظرة موجهة فقط إلى ما تحقق.
ففي 2025 أُطلقت «رؤية أم الإمارات 50:50» لتضع أفقًا جديدًا يمتد إلى عام 2075، وتهدف إلى تعزيز حضور المرأة الإماراتية في صناعة المستقبل وصنع القرار الدولي والشراكات العالمية، وتحويل التجربة المحلية إلى نموذج ذي أثر يتجاوز حدود الدولة.
وهنا يصبح شعار يوم المرأة الإماراتية 2026 أكثر وضوحًا.
«بنظهر الأقوى والأفضل» لا يعني أن الرحلة وصلت إلى ذروتها، بل ربما يعني العكس تمامًا: أن ما تحقق حتى الآن أصبح نقطة الانطلاق للمرحلة التالية.

فالمرأة التي احتاجت قبل عقود إلى توسيع فرصها في التعليم، أصبحت اليوم جزءًا من الفريق العلمي لمهمة تستكشف كوكبًا آخر. والفتاة التي كانت تبحث عن مكان في الجامعة أصبحت باحثة في الذكاء الاصطناعي ومهندسة ورائدة فضاء وصانعة قرار.
ومن هنا، ربما لا يكون السؤال الأهم في يوم المرأة الإماراتية: ماذا حققت ابنة الإمارات؟
بل: إلى أين ستصل بعد ذلك؟
فالجيل الجديد لا يبدأ من النقطة التي بدأت منها الأجيال السابقة. إنه يبدأ من جامعة أصبحت أبوابها مفتوحة أمامه، ومن مجلس تجلس المرأة في نصف مقاعده، ومن مختبرات تعمل فيها الباحثات، ومن برنامج فضائي يحمل اسم أول رائدة فضاء عربية، ومن وطن يقول لنساء المستقبل إن ما تحقق ليس سقفًا للطموح.
وفي يوم المرأة الإماراتية، تبدو القصة لذلك أكبر من الاحتفال بإنجازات الماضي. إنها قصة امرأة تغير معها مفهوم الممكن، جيلًا بعد جيل، حتى أصبح المستقبل نفسه مساحة مفتوحة أمامها.
ومن بدايات الاتحاد إلى آفاق الفضاء، ما زالت ابنة الإمارات تكتب قصتها. لكن أجمل فصولها، على الأرجح، لم تُكتب بعد.