"ميريل ستريب" Meryl Streep فيلم The Devil Wears Prada

ميريل ستريب واللحظة التي قررت فيها ألا تقبل بأقل مما تستحق.. ماذا علّمتنا عن معرفة قيمتنا؟

كم مرة أدركتِ أنكِ تستحقين راتباً أعلى، لكنكِ ترددتِ في طلبه؟ كم مرة شعرتِ أن علاقة ما لم تعد تمنحكِ ما تستحقين من احترام، لكنكِ بقيتِ لأن المغادرة بدت أكثر كلفة من الاحتمال؟ وكم مرة قبلتِ فرصة بأقل مما كنتِ تعرفين أنكِ قادرة على تقديمه، فقط لأنكِ خشيتِ أن يبدو طلب المزيد جشعاً أو مبالغة؟

معرفة قيمتكِ تكتسب معناها الحقيقي عندما تصبح أساساً لقراراتكِ، حتى في غياب ضمانات بأن يراها الآخرون بالطريقة نفسها. ربما لهذا تبدو حكاية "ميريل ستريب" Meryl Streep مع فيلم The Devil Wears Prada أكثر أهمية مما توحي به في ظاهرها. ليست الحكاية عن نجمة تفاوضت على أجر أعلى فحسب، بل عن امرأة وصلت إلى لحظة قررت فيها أن تتعامل مع قيمتها باعتبارها حقيقة، لا باعتبارها أمراً ينتظر موافقة الآخرين.

1

اللحظة التي يصبح فيها "لا" أكثر صدقاً من "نعم"

عندما عُرض على "ميريل ستريب" دور "ميراندا بريستلي" في الفيلم عام 2005، لم ترَ أن العرض المالي يعكس قيمتها بالنسبة إلى المشروع، فوصفته بأنه لم يكن، في نظرها، انعكاساً حقيقياً لقيمتها. رفضت العرض، وطالبت بضعف المبلغ، فتمت مضاعفة العرض بالفعل. وفي تصريحاتها اللاحقة، قالت إنها كانت تعرف أن الفيلم سيكون ناجحاً، وإنها شعرت بأنهم بحاجة إليها بقدر حاجتها إلى الدور.

لكن اللافت في القصة ليس الرقم. اللافت أنها كانت مستعدة لاحتمال ألا تحصل على ما طلبته.

وهنا تحديداً تكمن إحدى أكثر الحقائق تعقيداً في تقدير الذات: أن تعرفي قيمتكِ يعني أحياناً أن تكوني مستعدة لخسارة شيء لا يناسبها. فنحن لا نخاف دائماً من طلب المزيد. أحياناً نخاف من الإجابة التي قد تأتي بعد الطلب.

ماذا لو قالوا لا؟ ماذا لو اعتبروني صعبة؟ ماذا لو ابتعدوا؟ ماذا لو لم تتج لي فرصة أخرى؟

لهذا قد يبدو القبول أسهل من المطالبة. يمنحكِ القبول راحة اللحظة، حتى لو كان ثمنه أن تتنازلي، مرة بعد أخرى، عن شيء تعرفين في داخلكِ أنكِ تستحقينه.

2

تحوُّل الامتنان إلى وسيلة للتقليل من الذات

الامتنان قيمة جميلة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سبب يمنعكِ من طلب ما تستحقين. يمكنكِ أن تكوني ممتنة لفرصة وأن تطلبي أجراً عادلاً. أن تقدّري علاقة وأن تطلبي فيها احتراماً أكبر. أن تحبي عملكِ وأن ترفضي أن تتحملي ما يتجاوز حدودكِ. وأن تكوني سعيدة بما لديكِ، من دون أن يعني ذلك أنكِ مطالبة بالتوقف عن الرغبة في المزيد.

المشكلة تبدأ حين تصبح عبارة "كوني ممتنة" طريقة لإسكات السؤال الأكثر أهمية: هل هذا مناسب لي فعلاً؟ فليست كل فرصة جيدة لمجرد أنها فرصة، وليس كل مقعد يستحق أن نتمسك به لمجرد أننا نجحنا في الوصول إليه.

القيمة الذاتية لا تُقاس بمقارنتكِ بالآخرين

وهنا ربما نحتاج إلى إعادة النظر في معنى "معرفة القيمة". معرفة قيمتكِ لا تعني أن تدخلي كل تفاوض وأنتِ مقتنعة بأنكِ تستحقين كل شيء. ولا تعني أن ترفضي النقد، أو أن تعتبري كل تنازل ضعفاً، أو أن تحولي الحياة إلى سلسلة من المطالب. على العكس، القيمة الذاتية الأكثر نضجاً لا تحتاج إلى إعلان نفسها باستمرار. إنها هدوء داخلي يسمح لكِ بأن تقولي: هذا يناسبني، وهذا لا يناسبني. هذا أقبله، وهذا لا أستطيع الاستمرار فيه.

أن تعرفي قيمتكِ يعني أيضاً أن تعرفي حدودها الواقعية، وأن تفرقي بين ما هو طموح وما هو وهم، وبين التنازل الصحي والتنازل الذي يجعلكِ أقل حضوراً في حياتكِ.

لماذا تخشى النساء أحياناً طلب المزيد؟

لأن المرأة لا تفاوض دائماً على الرقم وحده؛ إنها تفاوض أحياناً على الصورة التي سيحملها الآخرون عنها بعد أن تطلب.

هناك خوف قديم من أن تبدو المرأة "صعبة"، "مادية"، "طموحة أكثر من اللازم"، أو "غير ممتنة". ولهذا قد تتعلم بعض النساء، من دون أن يشعرن، أن يكون القبول أسرع من التفاوض، وأن يكون التبرير أسهل من وضع الحدود.

لكن طلبكِ لا يصبح طمعاً لمجرد أنه أكبر مما اعتاد الآخرون تقديمه لكِ. ولا يصبح حضوركِ أقل لطفاً لأنكِ أصبحتِ أكثر وضوحاً.

وربما واحدة من أكثر علامات النضج أن تتوقفي عن محاولة أن تكوني مقبولة في كل موقف، وأن تبدئي بالسؤال عمّا إذا كنتِ أنتِ راضية عمّا تقبلينه.

الاستحقاق الحقيقي يبدأ قبل لحظة الطلب

قد يبدو أن التفاوض يبدأ عندما تقولين الرقم الذي تريدينه، لكنه يبدأ قبل ذلك بكثير. يبدأ عندما تعرفين ما الذي تقدمينه فعلاً، وحين تتوقفين عن انتظار أن يكتشف الآخرون قيمتكِ من تلقاء أنفسهم وعندما تتعلمين أن تفرقي بين التواضع والتقليل من الذات.

لا أحد يستطيع أن يقدّر كل ما تفعلينه إذا لم تكوني أنتِ قادرة على تسميته أولاً. وهذا لا يعني أن تتحدثي عن إنجازاتكِ طوال الوقت، بل أن تكون لديكِ صورة واضحة عن أثر عملكِ، ووقتكِ، وخبرتكِ، وما تضيفينه إلى المكان أو العلاقة التي أنتِ جزء منها.

وماذا لو قالوا لا؟

ربما هذه هي النقطة التي تستحق التفكير أكثر من غيرها. معرفة قيمتكِ لا تمنحكِ ضماناً بأن الآخرين سيوافقون عليها. قد تطلبين زيادة ولا تحصلين عليها، وقد تطلبين دوراً ولا يكون لكِ، وقد تضعين حداً ولا يعجب الطرف الآخر، وقد تختارين المغادرة بينما كنتِ تتمنين أن يتغير شيء ما.

لكن الرفض لا يحدد قيمتكِ.

أحياناً يكون "لا" مجرد معلومة: هذا المكان لا يستطيع، أو لا يريد، أن يمنحكِ ما تطلبين. وعندها يصبح السؤال مختلفاً. ليس: كيف أقنعهم بأنني أستحق؟

بل: ماذا سأفعل بهذه المعلومة؟ وهنا يتحول احترام الذات من فكرة جميلة إلى ممارسة حقيقية.

لأن تقدير الذات ليس أن تحصلي دائماً على ما تريدين، بل أن ترفضي أن يصبح عدم حصولكِ عليه سبباً للتشكيك في قيمتكِ.

ليس عليكِ أن تثبتي أنكِ تستحقين المزيد

ربما لا نحتاج إلى مزيد من النساء اللواتي يتحدثن بصوت أعلى عن قيمتهن، بقدر ما نحتاج إلى نساء أكثر وضوحاً مع أنفسهن. نساء يعرفن متى يطلبن، ومتى يتفاوضن، ومتى يعطين فرصة أخرى، ومتى يكتفين، ومتى يغادرن.

فالقيمة الذاتية ليست مكافأة تصل بعد النجاح، ولا تصفيقاً يأتي من الخارج، ولا رقماً في عقد، ولا لقباً مهنياً. إنها العلاقة التي تبنينها مع نفسكِ حين تتوقفين عن قياس استحقاقكِ بردود أفعال الآخرين.

 وقد لا يكون أكثر ما يمكن أن تقوليه شجاعة هو: "أنا أستحق أكثر". بل ربما يكون: "إذا لم يكن هذا المكان قادراً على منحي ما أستحق، فأنا أملك شجاعة أن أقرر ما الذي سأفعله بعد ذلك".

مسؤولة التحرير في النسخة الورقية من مجلة "هي" ومسؤولة قسم تطوير الذات في الموقع الإلكتروني.