الدكتورة ماماتا بوثرا، أخصائية طب الأطفال وحديثي الولادة بالمشفى الدولي الحديث دبي

الدكتورة ماماتا بوثرا لـ «هي»..أفضل دعم للرضاعة الطبيعية يأتي من الحب

الرضاعة الطبيعية ليست مجرد وسيلة لتغذية الطفل، بل هي أول رابط عاطفي عميق يجمع بين الأم ورضيعها منذ لحظاته الأولى في الحياة. فهي تمنحه الغذاء المتكامل الذي يحتاج إليه للنمو، وتوفر له الحماية المناعية، والدفء، والشعور بالأمان، وفي المقابل تعود على الأم بفوائد صحية ونفسية عديدة تمتد آثارها إلى ما بعد فترة الرضاعة. ورغم أن الرضاعة الطبيعية تبدو أمرًا فطريًا، فإنها قد ترافقها تحديات وتساؤلات تحتاج إلى الوعي والدعم. لذلك يبقى التعرف إلى فوائدها، وأفضل الممارسات المرتبطة بها، خطوة مهمة تساعد كل أم على خوض هذه التجربة بثقة واطمئنان.

وفي كل عام، من الأول إلى السابع من أغسطس، يحتفل العالم بـالأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية، وهي حملة عالمية تنسقها التحالف العالمي للعمل من أجل الرضاعة الطبيعية (WABA)  بالشراكة مع منظمة الصحة العالمية (WHO) واليونيسف (UNICEF). ويهدف هذا الأسبوع إلى التذكير بأن الرضاعة الطبيعية هي الوسيلة الأكثر فطرة لتغذية الطفل، لكنها ليست دائماً سهلة، ولا ينبغي لأي أم أن تخوض هذه الرحلة وحدها.

الرضاعة الطبيعية تقي الطفل من الأمراض

الرضاعة الطبيعية لبداية مستدامة للحياة

توصي منظمة الصحة العالمية بالاعتماد على الرضاعة الطبيعية الحصرية خلال الأشهر الستة الأولى من عمر الطفل، ثم إدخال الأغذية التكميلية المناسبة مع الاستمرار في الرضاعة الطبيعية حتى عمر سنتين أو أكثر، طالما رغبت الأم والطفل في ذلك. ولأهمية الرضاعة الطبيعية، يُسعدنا أن نتعرف عليها عن قرب من الدكتورة ماماتا بوثرا، أخصائية طب الأطفال وحديثي الولادة بالمشفى الدولي الحديث دبي.

كيف تصفين أولة مرة رضاعة طبيعية في حياة المولود؟

الساعة الذهبية ستون دقيقة قد تغيّر حياة كاملة، فهي من أجمل اللحظات التي نشهدها في الطب وتحدث بهدوء شديد. فور الولادة، يُوضع المولود على صدر أمه. يرفع رأسه ببطء، ويبحث، ثم يجد الثدي بفطرته دون تعليمات، ودون مقاطع يوتيوب، ودون تطبيقات لتربية الأطفال. إنها الطبيعة، وهي تقوم بما أتقنته عبر ملايين السنين. هذه الساعة الثمينة، المعروفة باسم "الساعة الذهبية"، تساعد على تنظيم حرارة جسم الطفل، وتنفسه، ومستوى السكر في دمه، كما تعزز الترابط العاطفي بين الأم وطفلها، وتزيد فرص نجاح الرضاعة الطبيعية، وتحسن النتائج الصحية على المدى الطويل. ثم تأتي أولى قطرات الحليب اللبأ Colostrum، ويُطلق عليه غالباً "أول لقاح طبيعي"، لأنه غني بالأجسام المضادة والخلايا المناعية وعوامل النمو التي تحمي الطفل من العدوى، وتساعد في بناء جهاز مناعي قوي منذ اليوم الأول من حياته.

ما هي فوائد الرضاعة الطبيعية؟

الرضاعة الطبيعية ليست مجرد وسيلة لإشباع معدة صغيرة. فهي أكثر من مجرد غذاء الرضاعة الطبيعية هي الحب في أنقى صوره.

أبرز فوائدها ما يلي:

  • تطمئن الطفل عندما يخاف.
  • تخفف ألمه بعد التطعيم.
  • تمنحه الدفء أثناء المرض.
  • تعزز شعوره بالأمان.
  • في كل رضعة، تساهم بهدوء في بناء دماغه وتقوية جهازه المناعي.

فقد أكدت الدراسات أن الأطفال الذين يرضعون رضاعة طبيعية أقل عرضة للإصابة بالإسهال، والالتهاب الرئوي، والتهابات الأذن، والحساسية، والسمنة، والسكري، والعديد من الأمراض المزمنة لاحقاً في الحياة. كما ترتبط الرضاعة الطبيعية بتحسن النمو المعرفي والصحة النفسية والعاطفية. ولا تقتصر فوائد الرضاعة الطبيعية على الطفل وحده.فبالنسبة للأم، تساعد الرضاعة الطبيعية على عودة الرحم إلى حجمه الطبيعي بعد الولادة، وتقليل النزيف بعد الولادة، وتسريع التعافي، كما تقلل خطر الإصابة بسرطان الثدي، وسرطان المبيض، والسكري من النوع الثاني، وأمراض القلب على المدى الطويل.

الدكتورة ماماتا بوثرا، أخصائية طب الأطفال وحديثي الولادة بالمشفى الدولي الحديث دبي
الدكتورة ماماتا بوثرا أخصائية طب الأطفال وحديثي الولادة بالمشفى الدولي الحديث دبي

ما هي المفاهيم الشائعة حول الرضاعة الطبيعية؟

يمتلك الطفل حديث الولادة معدة صغيرة جداً، كما أن حليب الأم يُهضم بسرعة، لذلك فإن الرضاعة كل ساعة إلى ثلاث ساعات أمر طبيعي تماماً. وكثرة الرضاعة لا تعني أبداً أن الحليب غير كافٍ، بل هي الطريقة التي يحفز بها الطفل جسم الأم لإنتاج المزيد من الحليب.

ومن أكثر الحوارات التي أكررها يومياً مع الأمهات الجدد:

  • "دكتورة… أشعر أن حليبي غير كافٍ."

وأجيب بهدوء: "لا توجد أم يبدأ جسمها بإنتاج كميات كبيرة من الحليب منذ اليوم الأول."فالطبيعة لا تعمل بهذه الطريقة. في الأيام الأولى بعد الولادة، ينتج الجسم كميات صغيرة من اللبأ، تلك القطرات الذهبية الثمينة التي تُعرف بأول لقاح طبيعي. ورغم أن الكمية تبدو قليلة، فإنها كافية تماماً لأن معدة المولود تكون صغيرة جداً في البداية. ومع تكرار رضاعة الطفل، يتلقى جسم الأم الإشارة لإنتاج المزيد من الحليب. إنها منظومة رائعة تقوم على العرض والطلب.

فكلما رضع الطفل بكفاءة أكبر، زاد إنتاج الحليب. وخلال الأيام التالية، تزداد كمية الحليب تدريجياً لتواكب احتياجات الطفل المتنامية. ومن أكثر الجوانب المذهلة في الرضاعة الطبيعية أن حليب الأم مصمم خصيصاً لطفلها. فهو يتغير من شهر إلى آخر، ومن رضعة إلى أخرى، بل وحتى خلال اليوم الواحد.

ويحتوي دائماً على التوازن المثالي من الماء، والعناصر الغذائية، والدهون الصحية، والبروتينات، والأجسام المضادة، والهرمونات، والعوامل المناعية التي يحتاجها الطفل في كل مرحلة من مراحل نموه.

لا يوجد اختصاصي تغذية أفضل من جسم الأم نفسه. وبحكم إقامتي في دولة الإمارات، أسمع سؤالاً آخر بشكل شبه يومي:

  • "هل يحتاج طفلي إلى الماء في حرارة الصيف؟"

والإجابة مطمئنة.

فالرضيع السليم الذي يعتمد على الرضاعة الطبيعية الحصرية لا يحتاج إلى أي ماء إضافي خلال الأشهر الستة الأولى من عمره، حتى في حرارة الصيف في دولة الإمارات.

فحليب الأم يحتوي على نحو 88% ماء، ويوفر كل السوائل التي يحتاجها الطفل. كما تقلق كثير من الأمهات عندما يلاحظن أن الثدي أصبح أكثر ليونة بعد عدة أسابيع. وهذه في الحقيقة علامة جيدة. إذ تعني أن الجسم أصبح أكثر كفاءة في إنتاج الحليب، وليس أن الحليب قد اختفى.

  • خبرات الجدات والأجداد

ثم يأتي دور الأجداد والجدات بارك الله فيهم، فنصائحهم تنبع من الحب، ولكن ليس دائماً من العلم.

فيقولون:

  • "حليبك خفيف."
  • "الطفل بكى مرة… أعطيه حليباً صناعياً."
  • "لم ينم أربع ساعات متواصلة."

ولحسن الحظ، الأطفال لا يقيمون الحليب من خلال شكله. فحليب الأم يتغير طبيعياً أثناء الرضعة نفسها. إذ يروي الحليب الأول (Foremilk) عطش الطفل، بينما يحتوي الحليب الأخير (Hindmilk) على نسبة أعلى من الدهون والطاقة التي يحتاجها للنمو.

لقد أتقنت الطبيعة ذلك قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي بوقت طويل.

ما هي أكثر النصائح فعالية للأم بعد الولادة؟

لكل أم لطفل حديث الولادة، التزمي بما يلي:

  • راقبي طفلكِ لا الساعة. أرضعي طفلك عندما تظهر عليه علامات الجوع مثل البحث عن الثدي، أو مص اليدين، أو تحريك الشفتين، مع مراقبة نشاطه، وبكائه، وحالته العامة، وترطيبه.
  • انتبهي لعدد الحفاضات المبللة لا الآراء. بعد الأيام الأولى، يُعد وجود ست حفاضات مبللة أو أكثر يومياً مؤشراً جيداً على كفاية الرضاعة.
  • لا تقارني طفلك بطفل الجيران أو الأقارب. فكل طفل مختلف.
  • اطلبي المساعدة مبكراً. إذا كانت الرضاعة مؤلمة، فمن الممكن غالباً تصحيح وضعية الالتقام بسهولة عند التدخل مبكراً. اهتم بصحتك وتغذيتك. فالأم السليمة أكثر قدرة على رعاية طفل سليم.
  • للأم، عليكِ بالرحة كلما استطعت. الغسيل يمكن أن ينتظر، أما الأطفال فلا.
  • ثقي بنفسك. غالباً ما تعرف الأمهات أطفالهن أكثر مما يعتقدن.

هل للأب دور في تعزيز نجاح الرضاعة الطبيعية؟

بالتأكيد، إلى كل أب لطفل حديث الولادة: قد لا تستطيع إرضاع طفلك عزيزي الأب. لكن يمكنك أن تكون أكبر داعم للرضاعة الطبيعية في المنزل من خلال فعل ما يلي:

  • أحضر لها كوب ماء.
  • أعد لها وجبة.
  • غيّر الحفاض.
  • احمل الطفل بعد الرضاعة.
  • وفر لها وقتاً للراحة.
  • أخبرها بأنها تقوم بعمل رائع.

متى يجب مراجعة طبيب الأطفال؟

ينبغي استشارة طبيب الأطفال إذا كان الطفل شديد النعاس بصورة غير معتادة، أو يرفض الرضاعة، أو يقل عدد حفاضاته المبللة عن ست يومياً بعد الأسبوع الأول، أو ظهرت عليه الحمى، أو استمر اليرقان، أو لم يكتسب الوزن بالشكل المناسب.

كما ينبغي للأم مراجعة الطبيب إذا كانت الرضاعة مؤلمة باستمرار، أو ظهر احمرار في الثدي، أو ارتفعت حرارتها، أو راودتها مخاوف بشأن كمية الحليب.

وتذكروا أن، معظم تحديات الرضاعة الطبيعية مؤقتة. ومعظمها يمكن التغلب عليه. وفي كثير من الأحيان، تحتاج الأم إلى التشجيع والطمأنة أكثر من حاجتها إلى الحليب الصناعي. في هذا الأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية، دعونا نستبدل الخرافات بالعلم، والانتقاد بالتشجيع، والضغط بالتعاطف.

فالرضاعة الطبيعية ليست مجرد أول وجبة للطفل. إنها أول لقاح، وأول حضن، وأول شعور بالأمان، وأول وعد بصحة تدوم مدى الحياة.

كاتبة محتوى متخصصة في الصحة ومواضيع الأم والطفل والعلاقات.