سؤالٌ مصيري: لماذا لا يلاحظ معظمنا.. ارتفاع الكوليسترول وسكر الدم؟
كل ارتفاع هو شيءٌ مفيد، إذا ما التزمنا بالمعنى الحرفي له (الارتفاع هو المسافة العمودية بين نقطتين، وغالبًا يُقاس من سطح الأرض إلى نقطة معيّنة أو من قاعدة جسم إلى قمّته. وبمعنى آخر: هو مقدار الصعود إلى الأعلى مقارنةً بمرجع محدد).
إلا في الحالات الصحية، فإن "الارتفاع" غالبًا ما يُقابل بالخوف والقلق. لماذا؟ لأن ارتفاعات بعض الحالات الصحية يمكن أن ينجم عنها مضاعفات خطيرة.
على سبيل المثال، لنأخذ الكوليسترول وسكر الدم. يعلم معظمنا أن الكوليسترول نوعان، جيد وضار؛ ارتفاع الكوليسترول الجيد هو مؤشر على الصحة، في حين أن ارتفاع الكوليسترول الضار يعني زيادة خطر الإصابة بأمراضٍ بعضها قاتل، مثل أمراض القلب.
في حين أن ارتفاع سكر الدم، له وجهٌ واحد فقط، وهو ليس جيدًا إطلاقًا. فهذا الارتفاع سواء في مؤشر الغلوكوز في الدم أو مخزون السكر في الجسم، يُنبئ بخطر الإصابة بأحد الأمراض التي باتت تُعدَ "وباءً" في يومنا الحالي، والمقصود داء السكري بنوعيه الأول والثاني.
للأسف، فإن أكثرية المصابين بارتفاع الكوليسترول أو سكر الدم، قليلًا ما يُلاحظون هذه الارتفاعات الخفية؛ كون هذين المرضين يحدثان بصمت، وهذا هو جوهر المشكلة. فكلاهما يرتفعان داخل الجسم من دون أن يُرسل الأخير إشاراتٍ واضحة في البداية، فيعيش الشخص سنواتٍ وهو لا يعلمُ أن شيئًا خطأ يحدث له. ويستمر الشخص في حياته اليومية دون أن يشعر بأن شيئًا خطيرًا يحدث داخله؛ وهذا ما يجعل الأمر مخادعًا وخطيرًا في الوقت نفسه. إلى أن تحصل المفاجأة عند القيام بفحص طبي غير معتاد، أو الوقوع في مشكلةٍ صحية ما، لتُظهر الاستشارة الطبية والفحوصات وجود ارتفاعٍ غير محمود في الكوليسترول وسكر الدم.

فما الذي يحدث فعلًا داخل الجسم أثناء هذا الارتفاع، وكيف السبيل لتجنبه؟ توجهنا بهذه الأسئلة المصيرية إلى جيمي ريتشاردز، رئيس قسم العافية في ڤاليو هيلث وأخصائي علم المناعة العصبية النفسية السريرية، للحصول على إجابات وافية وشافية، يمكن أن تلعب دورًا مهمًا ومصيريًا في حياة الكثيرين.
ارتفاع الكوليسترول وسكر الدم
يقول ريتشاردز: "في أول محاضرةٍ حضرتها قبل أكثر من 20 عامًا، كانت أول جملة قالها المحاضرُ هي: من يتحكم في مستوى سكر الدم، يتحكم في صحته. وعلى مدار أكثر من 20 عامًا، حاولتُ أن أثبت خطأ هذه المقولة من خلال الخبرة السريرية الواقعية والأبحاث العلمية الدقيقة، لكنني لم أنجح أبدًا."
ويضيف: "ورغم كل التقنيات الحديثة، التطورات، والاتجاهات والصيحات الجديدة، لا يزال التحكم في سكر الدم هو الركيزة الأساسية للصحة. وبينما يؤدي كلٌ من سكر الدم والكوليسترول وظائف مختلفة داخل الجسم، فإن العلاقة بينهما وثيقةٌ ومتداخلة. فحيثما يرتفع سكر الدم، يتبعه الكوليسترول حتمًا. وتُعرف هذه السلسلة من التغيرات باسم متلازمة التمثيل الغذائي."
ما الذي يحصل حينها؟ غالبًا ما نعاني من أعراضٍ غير واضحة مثل انخفاض الطاقة، ضبابية التفكير، اضطراب النوم، وفقدان الحماس. ومن السهل جدًا تجاهل هذه الأعراض واعتبارها نتيجةً طبيعية للضغوط اليومية أو التقدم في العمر أو مجرد الحاجة إلى إجازة، هكذا يفكرُ معظمنا. يعود سبب مرور هذه الحالة دون ملاحظة إلى أنها تتطورُ ببطءٍ شديد، وقد تكون غير مرئية في بدايتها؛ فهي لا تظهر بين ليلة وضحاها، بل قد تستغرق سنواتٍ حتى تتطور، وتفعل ذلك بهدوءٍ وخفاء، إلى أن تجدي نفسكِ عزيزتي، فجأة أمام مشكلة صحية أكبر بكثير.
ما يحدث غالبًا هو أن ارتفاع سكر الدم يدفع الكبد إلى إنتاج كميات أكبر من كوليسترول
HDL المعروف بالكوليسترول "الضار"، بينما ينخفض مستوى كوليسترول LDL، وهو النوع الواقي. كما ترتفع الدهون الثلاثية بما يتناسب بشكلٍ وثيق مع ارتفاع سكر الدم، وتتراكمُ الدهون الزائدة عادةً حول منطقة الخصر، وقد يؤدي ذلك أيضًا إلى اضطراب ضغط الدم. وغالبًا ما يتم التعامل مع كل مشكلة من هذه المشكلات بشكلٍ منفصل، ما يعني علاج الأعراض دون معالجة السبب الحقيقي. ولسوء الحظ، قد يتم الخلط بين هذه الحالة وبين اضطراباتٍ هرمونية أو حتى مشكلاتٍ تتعلق بالصحة النفسية.

كثيرًا ما يتم تفسير نتائج فحوصات سكر الدم بصورة غير دقيقة، ولهذا السبب تُعدَ المتابعة المنتظمة وإجراء الفحوصات بشكلٍ دوري لمراقبة التغيَرات مع مرور الوقت، أمرًا بالغ الأهمية. فقد اعتاد البعض اعتبار النتائج التي تقع ضمن الحد الأعلى من المعدل الطبيعي بأنها "طبيعية" ولا تستدعي القلق، وهذا غير صحيح؛ خاصةً إذا ما كانت مصحوبةً بقراءات غير مستقرة للكوليسترول. فهذه النتائج تُمثَل إشارةً تحذيرية وليست دليلاً على أن كل شيء على ما يرام. وعندما نشعر بأن "هناك شيئًا غير طبيعي"، لكن يتم إخبارنا بأن نتائج الفحوصات سليمة، فقد يكون ذلك مُحبطًا ويجعلنا نشعر بأن معاناتنا لا تلقى الاهتمام الكافي.
إن تجربتك الشخصية تستحقُ أن تُسمع وأن تؤخذ على محمل الجد. تخيَلي معي عزيزتي القارئة، أنكِ تحضرين اجتماعًا لمراجعة مشروع أو تقودينه، ليتم إخباركِ ببساطة بأن الأمور "جيدة" أو "لا بأس بها". من سيجدُ ذلك مقبولًا؟
علاج ارتفاع الكوليسترول وسكر الدم
الخبر الجيد هو أن اضطراب سكر الدم يستجيبُ بشكلٍ ملحوظ حتى للتغييرات البسيطة في نمط الحياة. ففي النهاية، نحو 90٪ من حالات السكري هي من النوع الثاني، ومن بين هذه الحالات يمكن علاج نحو 95٪ منها، أو الأفضل من ذلك، الوقاية منها؛ من خلال تعديل نمط الحياة فقط. ويمكن أن تؤدي التغييرات في النظام الغذائي، ممارسة الرياضة في الأوقات المناسبة، واستخدام المكملات الغذائية المدعومة بالأدلة العلمية (وبالطبع الموصوفة من مقدم الرعاية الصحية)، إلى تحقيق مستوياتٍ أكثر استقرارًا لسكر الدم، تحسين الحالة المزاجية، زيادة الطاقة بشكلٍ مستمر، وتحقيق توازنٍ أفضل في مستويات الكوليسترول خلال ثلاثة أشهر فقط.
كما تنخفض نسبة الدهون في الجسم، ليس فقط بشكلٍ ملحوظ خارجيًا، بل أيضًا حول الأعضاء الحيوية مثل الكبد. والنتيجة هي أن تشعري بتحسن، أن تستعيدي نشاطكِ وحيويتكِ، وأن تصبحي مستعدةً لمواجهة العالم من جديد.
كذلك أصبحت لدينا اليوم خياراتٌ علاجية طبية أكثر تطورًا تستحقُ الاهتمام. فقد أحدثت الأدوية من فئة GLP-1 والمتوفرة تحت أسماءٍ تجارية مختلفة، تحولًا حقيقيًا في حياة بعض الأشخاص. ورغم أنها قد تُحدث فرقًا كبيرًا، فمن المهم الاستفادة من هذه الفرصة لبناء عاداتٍ صحية جديدة تستمرُ معكِ حتى بعد التوقف عن استخدام الدواء (وهنا لبَ الموضوع والهدف التثقيفي من مقالاتنا المتعددة التي تتحدث عن نمط الحياة الصحي المستمر والمستدام).

في الخلاصة؛ فكَري في الأمر بالطريقة نفسها التي تفكرين بها بهاتفكِ المحمول:
عندما تصل البطارية إلى نحو 20٪، تبدأين بالفعل بالتفكير في شحنها. وعند 10٪، يبدأ القلق (الخوف من أن ينطفئ الهاتف تمامًا)، وعند 5٪ تدخلين في وضع الطوارئ. ورغم أن البطارية لم تنفد بعد، إلا أنكِ تتخذين الإجراءات اللازمة لتجنب ذلك، حتى بتِ خبيرةً في إدارة بطارية هاتفكِ. لقد حان الوقت الآن كي تصبحي خبيرةً في إدارة صحتكِ أيضًا، ويبدأ ذلك بالتحكم في مستوى سكر الدم. لا تنتظري حتى تنخفض "بطاريتك الداخلية" إلى 20٪ قبل أن تتخذي خطواتٍ إيجابية لحماية صحتكِ وضمان سلامتها على المدى القصير والطويل.
الصحة أمانةٌ بين أيدينا، وينبغي علينا الاعتناء بها كما نعتني بكافة أمور حياتنا الأخرى، حتى السطحية منها. فإن تدهورت الصحة، تدهورت منظومتنا الحياتية وانهارَت الدعامة الأهم التي تضمن لنا عيشًا أفضل: أجسامنا.