مراجعة "هي" ـ "The Odyssey".. حين تصبح العودة أصعب من الحرب

مراجعة "هي" ـ "The Odyssey".. حين تصبح العودة أصعب من الحرب

22 يوليو 2026

 يسرد التاريخ الحروب بمعايير المكسب والخسارة، ويحكي عن الدماء التي سُفكت، والمدن التي أصبحت خرابًا، ويرثي المهزومين والضحايا الأبرياء، ويلعن الخونة والجبناء. لكنه يكتب الصفحات الأطول عن الشجعان الذين عادوا إلى أوطانهم بالنصر.

لكن الحرب لا تترك آثارها على المدن وحدها، بل تتركها في الإنسان أيضًا، حتى يصبح السؤال الحقيقي: هل عاد المحارب فعلًا، أم عاد جسده فقط، بينما ظل جزء منه عالقًا في ساحات القتال؟

لهذا بقيت الأوديسة حيّة طوال هذه القرون؛ فهي لا تحكي، في حقيقتها، عن الانتصار في حرب طروادة، بل عن الثمن الذي دفعه أوديسيوس وهو يحاول أن يعود إلى حياته بعد الحرب.

في انتظار أوديسيوس

يتتبع فيلم "The Odyssey" (الأوديسة) رحلة أوديسيوس (مات ديمون)، ملك إيثاكا المنتصر، بعد انتهاء حرب طروادة، إذ يجلب على نفسه وعلى رجاله غضب الآلهة، مما يحول العودة إلى سلسلة من المواجهات مع المخلوقات الأسطورية والإغواءات التي تعترض طريقه في البحر، بينما تتزايد الضغوط داخل مملكته، حيث يحتشد الخُطّاب في قصره طمعًا في العرش والزواج من زوجته بينيلوبي، مستندين إلى تقاليد الضيافة المقدسة التي تمنع طردهم بالقوة. وفي المقابل، تتمسك بينيلوبي، ومعها ابنهما تيليماكوس، بالأمل في عودة الغائب رغم مرور السنوات، لتصبح إيثاكا ساحة صراع لا تقل قسوة عن البحر الذي يحاول أوديسيوس عبوره.

وانطلاقًا من هذه الخيوط الدرامية، يبني نولان قراءته الخاصة للأسطورة؛ فهو لا يرى رحلة العودة مجرد مغامرات خارقة، بل اختبارًا لرجل عاد يبحث عن حياته القديمة، ليكتشف أن الحرب لم تغيّر العالم وحده، بل غيّرته هو أيضًا.

لكن إذا كانت الحرب قد غيّرت أوديسيوس إلى هذا الحد، فربما لم تعد رحلة العودة هي أصعب ما ينتظره... بل مواجهة الرجل الذي أعاده البحر إلى وطنه.

ي

ندوب الحرب

من هنا يبتعد الفيلم مبكرًا عن الصورة التقليدية للبطل الأسطوري. فأوديسيوس، الذي يجسده مات ديمون، لا يبدو رجلًا لا يُقهر، ولا قائدًا يواصل تحدي الآلهة بثقة مطلقة، بل إنسانًا أنهكته السنوات، وأثقلته الحرب، وصار يحمل عبء النجاة أكثر مما يحتفل بها. لذلك لا تصبح رحلة العودة مجرد انتقال من البحر إلى اليابسة، بل مواجهة لهوية رجل تغيّر، بينما ظل الوطن ثابتًا في ذاكرته. وكل محطة يمر بها لا تبدو عقبة جديدة بقدر ما تبدو مواجهة مع الشخص الذي أصبحه بعد سنوات الغياب.

وهنا تختلف قراءة الفيلم عن كثير من الاقتباسات السابقة للملحمة. فالصراع الحقيقي لا يدور حول الوحوش البحرية، أو غضب الآلهة، أو المخاطر التي تعترض طريق أوديسيوس، بل حول قدرة الإنسان على التعرف إلى نفسه بعد أن تغيّره التجربة. فكل مواجهة خارجية تعكس، في جوهرها، مواجهة داخلية مع ما تركته الحرب من ندوب لا تُرى، حتى يصبح الوصول إلى إيثاكا أقل صعوبة من الوصول إلى الذات التي غادر بها قبل سنوات.

ي

قراءة جديدة للأسطورة

هنا تتجلى قراءة نولان الخاصة للأسطورة، وليس غريبًا أن يقترب منها من هذه الزاوية؛ فمنذ سنوات تنشغل أفلامه بالشخصيات التي تعود من رحلاتها وقد فقدت شيئًا من ذواتها؛ سواء كانت رحلة عبر الزمن كما في "Tenet" (تينيت)، أو عبر الفضاء كما في "Interstellar" (بين النجوم)، أو داخل الذاكرة كما في "Memento" (تذكار)، أو في متاهات العقل والأحلام كما في "Inception" (استهلال). لذلك لا يبدو "The Odyssey" خروجًا عن عالمه بقدر ما يبدو امتدادًا طبيعيًا لأسئلته القديمة، لكن هذه المرة وهو يحاور واحدة من أقدم الحكايات التي عرفتها البشرية.

ن

لا ينظر نولان إلى النص الهوميري بوصفه ملحمة ينبغي إعادة تمثيلها بحذافيرها، ولا باعتباره أثرًا أدبيًا مقدسًا لا يجوز الاقتراب منه، بل بوصفه سؤالًا إنسانيًا لا يزال يطرح نفسه، ليجعل رحلة أوديسيوس أقل ارتباطًا بماضيها الإغريقي، وأكثر اتصالًا بتجربة إنسان يعود من حرب وهو يحمل داخله عالمًا لم يعد يشبه العالم الذي غادره.

ولهذا لا يؤدي الزمن هنا الدور السردي الذي اشتهر به المخرج في أعماله السابقة، بل يتحول إلى تجربة نفسية يعيشها أوديسيوس نفسه؛ إذ تتداخل الذكريات مع الواقع، ويصبح الماضي حاضرًا دائمًا لا يسمح للبطل بأن يعيش لحظة العودة كاملة. وهكذا تبدو الرحلة أقل اهتمامًا بالمسافة بين طروادة وإيثاكا، وأكثر انشغالًا بالمسافة التي تفصل الإنسان عن نفسه، وكأن نولان يعيد تعريف البطولة ذاتها؛ فلا تصبح القدرة على هزيمة الوحوش أو تحدي الآلهة هي الاختبار الحقيقي، بل القدرة على العودة بما تبقى من الذات.

ن

الأرض والبحر والسماء

وتجد هذه الرؤية ترجمتها البصرية في واحد من أكثر أعمال كريستوفر نولان طموحًا على مستوى الصورة، بالتعاون مع مدير التصوير هويت فان هويتما. فمنذ اللقطات الأولى، لا يتعامل الفيلم مع البحر بوصفه مجرد مسرح للأحداث، بل قوة مستقلة تفرض إيقاعها على الشخصيات، وتجعل الإنسان يبدو ضئيلًا أمام اتساع العالم الذي يحاول عبوره. لذلك لا تأتي اللقطات الواسعة لاستعراض المناظر الطبيعية أو إبراز ضخامتها، وإنما لتذكير المشاهد بأن أوديسيوس لا يخوض صراعًا مع المخلوقات الأسطورية وحدها، بل مع طبيعة لا تعترف أصلًا ببطولته، ولا تكترث برغبته في العودة.

ب

ويزداد هذا الإحساس مع استخدام كاميرات "IMAX"، التي يوظفها نولان ليس لاستعراض الدقة البصرية فحسب، بل لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم المحيط به. فالشاشة السينمائية التقليدية، بطابعها الأفقي، تجعل العين تنشغل بما يجري على امتداد الأرض حيث تدور الصراعات البشرية، بينما يمنح الامتداد الرأسي في "IMAX" السماء حضورًا هائلًا داخل الكادر، فتتحول من خلفية بعيدة إلى عنصر بصري يفرض وجوده باستمرار.

وفي فيلم تدور أحداثه تحت أنظار الآلهة وقوى تتجاوز الإنسان، يكتسب هذا التكوين دلالة خاصة؛ إذ لا يعود الفراغ الممتد فوق الشخصيات مجرد مساحة خالية، بل يصبح حضورًا بصريًا لقوى غير مرئية تراقب كل ما يحدث، وكأن الإنسان يتحرك داخل عالم أكبر منه على الدوام. وهنا يحقق نولان أحد أجمل توظيفاته للصورة؛ فكلما اتسع الكادر، بدا أوديسيوس أصغر، وكلما ازدادت روعة المشهد، ازداد شعورنا بأن الطبيعة لا تمنحه أي امتياز لأنه بطل.

ثي

مات ديمون... أزمة المنتصر

ويقع على عاتق مات ديمون الجزء الأصعب في هذه الرؤية، إذ يقدم واحدة من أكثر شخصياته هدوءًا ونضجًا خلال السنوات الأخيرة. فبدلًا من تجسيد أوديسيوس باعتباره قائدًا أسطوريًا لا تهتز ثقته بنفسه، يؤديه كرجل أنهكته التجارب، منحوت على ملامحه ثقل السنوات أكثر من آثار النصر.

وينجح ديمون في نقل هذا التحول من خلال أداء شديد الانضباط، يعتمد على الاقتصاد أكثر من الاستعراض، فلا يبحث عن لحظات انفعالية كبيرة بقدر ما يترك للمشاهد مهمة التقاط ما يدور خلف النظرات، والصمت، وتبدل الملامح. ومع تقدم الرحلة، يصبح واضحًا أن الشخصية تحمل حربها في داخلها، حتى في أكثر لحظات السكون. ورغم هذا الجهد الواضح، يبقى الأداء أقل من أن يُصنَّف ضمن المحطات الاستثنائية في مسيرة ديمون؛ فهو مقنع وصادق، لكنه لا يصل إلى ذلك المستوى الذي يفرض نفسه كأحد أعظم أدواره.

ويظل التركيز منصبًا على أوديسيوس ورحلته، فتأتي معظم الشخصيات، مهما بلغ بريقها، في خدمة هذه الرحلة لا على حسابها. فالفيلم يضم مجموعة كبيرة من الممثلين، بعضهم يحظى بظهور محدود أو بأدوار لا تمنحهم مساحة كافية لإظهار كامل قدراتهم، بينما يكتفي آخرون بحضور خاطف، لكنه يضيف إلى ثراء العالم الذي يبنيه نولان.

ء

شخصيات مساندة

تمنح آن هاثاواي شخصية بينيلوبي نضجًا وهدوءًا ينسجمان مع سنوات الانتظار الطويلة، فتنجح في تقديم شخصية لا تستمد قوتها من الانفعال، بل من الصبر والثبات، وهو ما يضفي على حضورها عمقًا إنسانيًا واضحًا.

أما توم هولاند، فيؤدي دور تيليماكوس بالكفاءة المطلوبة، ويقنع في رحلة الابن الباحث عن أبيه، دون أن يترك الانطباع نفسه الذي تصنعه الشخصيات الأكثر تأثيرًا في الفيلم. إنه أداء يؤدي وظيفته الدرامية بصدق، لكنه لا يسعى إلى خطف الأضواء، ولا يحقق ذلك.

وتبقى سامانثا مورتون، في المقابل، صاحبة الحضور الأكثر إدهاشًا بين الشخصيات المساندة. فهي لا تبدو وكأنها تؤدي دور سيرسي بقدر ما تبدو وكأنها خرجت بالفعل من قلب الأسطورة. ويمنحها هذا الحضور الغامض ثقلًا خاصًا، يجعل ظهورها واحدًا من أكثر لحظات الفيلم سحرًا، ويؤكد أن بعض الشخصيات لا تحتاج إلى مساحة زمنية كبيرة حتى تترك أثرًا يصعب نسيانه.

ب

حين تصبح الأسطورة مسموعة

تتعامل موسيقى لودفيج جورانسون مع عالم "The Odyssey" بوصفه عالمًا له صوته الخاص. لذلك لا تبدو الألحان مجرد خلفية ترفع الإحساس بالخطر أو الحزن أو الانتصار، بل تصبح صوتًا آخر للفيلم، يمنح الشخصيات والأماكن والأسطورة نفسها حضورًا سمعيًا يوازي حضورها البصري.

ويتجلى هذا التوجه حتى في أسماء المقطوعات الموسيقية، فنجد عناوين مثل "أوديسيوس" و"نينولوبي" و"إيثاكا"، وكأن لكل شخصية ولكل مكان هويته السمعية الخاصة. وهكذا لا تصبح الموسيقى تعليقًا على الأحداث، بل جزءًا من بناء هذا العالم، وعنصرًا أساسيًا في تشكيل هويته.

ي

ولا تكتفي الموسيقى بمرافقة الأسطورة، بل تمنحها صوتها الخاص. فهي لا تملي على المشاهد ما ينبغي أن يشعر به في كل لحظة، وإنما تدعوه إلى الإنصات إلى عالم قديم ما زال ينبض بالحياة. ولهذا تتراوح المقطوعات بين الإيقاع الاحتفالي والجنائزي والتأملي، لا بوصفها انعكاسًا مباشرًا لما يحدث على الشاشة، بل تعبيرًا عن الثقل الحضاري والإنساني الذي تحمله هذه الحكاية منذ آلاف السنين.

أما على مستوى التصميم الصوتي، فينجح الفيلم في بناء فضاء سمعي كثيف، تصبح فيه الأمواج والرياح واحتكاك الأخشاب وصدى البحر عناصر درامية لا تقل حضورًا عن الصورة نفسها. غير أن هذا الطموح لا يخلو من مبالغة أحيانًا؛ إذ تطغى الموسيقى والمؤثرات الصوتية في بعض المشاهد على حساب التوازن العام، فتبدو أكثر إلحاحًا مما يتطلبه المشهد، وتنافس الأداء والصورة على جذب انتباه المشاهد، بدلًا من أن تعمل في خدمتهما.

الإنسان والملحمة

لا يتحدث الفيلم عن رحلة رجل يعود إلى وطنه، بل عن الإنسان الذي غيّرته الرحلة. فبين أمواج البحر، والوحوش، وتقلبات الزمن، وسنوات التيه، لا يبقى السؤال الحقيقي: هل سيصل أوديسيوس إلى إيثاكا؟ بل: أيُّ رجلٍ سيصل إليها؟ وهنا يكمن جوهر الفيلم، إذ تتحول العودة من نهاية سعيدة إلى اختبار للهوية، ويصبح الوطن مكانًا يحمل الذكريات أكثر مما يحمل الأشخاص الذين غادروه.

م

ولهذا يبدو "The Odyssey"  قراءةً معاصرةً لنص هوميروس أكثر منه إعادةَ سردٍ له. فهو يحتفظ بعظمة الملحمة واتساع عالمها، لكنه يعيد توجيه اهتمامها نحو الإنسان، لا نحو البطولة. فلا يقيس انتصار أوديسيوس بعدد الوحوش التي هزمها، ولا بعدد البحار التي عبرها، بل بقدرته على مواجهة النسخة الجديدة من نفسه، تلك التي صنعتها الحرب، ولم يعد في وسعه التخلص منها.

ولهذا يظل الفيلم حاضرًا في الذهن بعد انتهاء عرضه، ليس بسبب مشاهده الضخمة، أو طموحه التقني، أو حتى إعادة إحياء واحدة من أشهر الملاحم في التاريخ، بل لأنه يطرح سؤالًا يتجاوز الأسطورة نفسها: ماذا يتبقى من الإنسان بعد أن تنتهي كل الحروب التي خاضها؟ والإجابة التي يقترحها نولان ليست مريحة ولا بطولية، لكنها إنسانية إلى حد بعيد؛ فقد يعود الجسد إلى الوطن، أما الإنسان الذي غادره فلا يعود أبدًا.

ب

الصور من حساب شركة Universal Pictures
 

ناقد فني وكاتب صحافي متخصص في الثقافة والسينما والدراما، يكتب مقالات نقدية في صحف ومؤسسات إعلامية عربية.