خاص بـ "هي": الخطاطة السعودية نهى المحمادي ورحلة فنية لاستكشاف أصالة الخط العربي برؤية معاصرة
في عالم الخط العربي، لا تقف نهى المحمادي عند حدود القواعد التقليدية، بل تنطلق بالحرف إلى آفاق معاصرة تجمع بين الأصالة والتجريب.. فمنذ أكثر من عشر سنوات، تخوض الخطاطة السعودية رحلة فنية لاستكشاف الخط العربي؛ جماله، وإيقاعه، وقدرته على التعبير عن المعنى قبل الشكل، حيث بدأت رحلتها مع الخط خلال دراستها للتصميم الداخلي، عندما تعرّفت إلى الخط الكوفي المربع، ثم انتقلت إلى الخط الحر، ومع الوقت بدأت بتطوير أسلوبها الخاص، وها هي اليوم تستخدم الحرف العربي مع تقنيات فرشاة السومي المستخدمة في فنون الحبر شرق الآسيوية، في تجربة تستلهم إرث الخط العربي المكتوب بالفرشاة، ومنه الخط الصيني الإسلامي (Sini) ، بينما لا يرتبط أسلوبها بمدرسة أو منطقة جغرافية محددة، بل بالحرف العربي نفسه، فهي تبحث دائمًا عن طرق جديدة للتعبير عنه، مع الحفاظ على روحه وهويته.. لنتعرف من خلال هذا الحوار الخاص معها على بداياتها، وفلسفتها الفنية، ومصادر إلهامها، ورؤيتها لمستقبل الخط العربي بوصفه فنًا حيًا قادرًا على مواكبة العصر.

كيف بدأت رحلتكِ مع الخط العربي، وما الذي جذبكِ إليه منذ البداية؟
كانت بدايتي مع الخط عام 2014 من خلال دراستي للتصميم الداخلي.. اكتشفته بالصدفة أثناء عملي على أحد مشاريع الجامعة، وكان تصميم فيلا بالطراز الحجازي، كنت أبحث عن فكرة لعمل فني على أحد الجدران، فوقع اختياري على الخط الكوفي المربع، كنت أعرف هذا النوع من الخط، لكنني كنت دائمًا أتساءل كيف يُرسم بهذه الدقة، فبدأت أتعلمه بنفسي.. أكثر ما شدّني هو كيف يمكن للحرف العربي أن يتحول إلى تكوين هندسي متكامل.

بعد الجامعة استمررت في التجربة والاستكشاف، ومع الوقت اتجهت أكثر إلى الخط الحر لأنه منحني مساحة أوسع للتعبير. ومع ذلك، ما زلت أدمج الخط الكوفي في بعض أعمالي، وأرى أن لكل أسلوب شخصيته وجماله، وأن الجمع بينهما يفتح لي مساحات جديدة للتعبير.. ومنذ ذلك الوقت، أصبح الخط جزءًا أساسيًا من حياتي، وليس مجرد هواية.
أمضيتِ أكثر من عشر سنوات في استكشاف الخط العربي، كيف تصفين تطور علاقتكِ بهذا الفن خلال هذه الرحلة؟
في بداياتي كنت أعتمد على برامج التصميم لتنفيذ أعمال بالخط الكوفي والخط الحر، بعدها انتقلت إلى ممارسة الخط يدويًا باستخدام الفرشاة، ومع الوقت بدأت أتعلم استخدام أدوات الخط التقليدية بشكل صحيح، حتى تطورت تجربتي تدريجيًا ووصلت إلى الأسلوب الذي أعمل به اليوم.

كيف أسهمت دراستكِ للتصميم الداخلي في تشكيل رؤيتكِ وأساليبكِ في الخط؟
أثرت كثيرًا.. التصميم الداخلي علّمني كيف أرى التوازن، والكتلة، والفراغ، والإيقاع داخل أي تكوين. هذه الأشياء موجودة في الخط أيضًا، لذلك حتى وأنا أرسم حرفًا، أفكر فيه بالطريقة نفسها التي أفكر فيها في تصميم أي مساحة.
انتقلتِ من الخط الكوفي المربع إلى الخط الحر، كيف انعكس هذا التحول على هويتكِ الفنية؟
أعتقد أن الكوفي أعطاني أساسًا قويًا، لأنه يعتمد على الدقة والنظام. لكن الخط الحر هو المكان الذي شعرت بأني أستطيع أن أعبّر فيه عن نفسي أكثر.. اليوم لا أراهما مرحلتين منفصلتين، بل أرى أن الكوفي بنى طريقتي في التفكير، والخط الحر منحني الحرية.
تعتمدين في أعمالكِ على دمج الحرف العربي مع تقنيات فرشاة السومي المستخدمة في فنون الحبر شرق الآسيوية، ما الذي ألهمكِ لخوض هذه التجربة؟

أول مرة رأيت هذا الأسلوب كانت من خلال أعمال الخطاط حاج نور الدين عام 2009، وأعجبتني الفكرة جدًا، ليس لأنها تمزج ثقافتين، بل لأنها أثبتت أن الحرف العربي يستطيع أن يعيش بأدوات مختلفة، ويبقى محتفظًا بروحه. بعدها بدأت أتعلم استخدام الفرشاة وأكتشفها بطريقتي.
حدثينا أكثر عن تأثركِ بأعمال الخطاط حاج نور الدين، ما أبرز الدروس أو الأفكار التي استلهمتها من تجربته؟
أعتقد أن التأثير الأكبر الذي استلهمته من تجربته هو أنه فتح لي بابًا لم أكن أعرف أنه موجود. قبل أن أرى أعماله، لم أكن أتخيل أن الفرشاة يمكن أن تحمل الحرف العربي بهذه الطريقة. بعدها بدأت أستكشف هذا العالم بنفسي، لكن كان هدفي دائمًا أن أصل إلى أسلوبي الخاص، وليس أن أكرر تجربة أحد.
عند الحديث عن أسلوبكِ فهو لا يرتبط بمدرسة أو منطقة جغرافية، بل بالحرف العربي نفسه.. كيف توازنين بين الابتكار والحفاظ على روح هذا الحرف وهويته؟
بالنسبة لي، الحرف العربي هو الأساس. يمكنني أن أغيّر الأداة، أو الخامة، أو أسلوب التنفيذ، لكن الحرف نفسه يجب أن يبقى حاضرًا. لذلك لا أشعر أن هناك تعارضًا بين الابتكار والمحافظة على الهوية، لأن الابتكار بالنسبة لي يكون في طريقة تقديم الحرف، وليس في تغييره.
ما الرسالة التي تسعين إلى إيصالها من خلال أعمالكِ، وما الذي تأملين أن يشعر به المتلقي عند مشاهدتها؟
إذا كانت هناك رسالة أحب أن تصل من خلال أعمالي، فهي أن الخط العربي فن حي، وما زال قادرًا على التطور.. عبر تاريخه، مرّ بمدارس مختلفة؛ من الكوفي في الكوفة، إلى الفاطمي في مصر، والأندلسي، والمغربي، وحتى الخط الصيني الإسلامي (Sini). كل مرحلة أضافت إليه شيئًا، لكنه حافظ على هويته. لذلك أشعر أننا اليوم أيضًا نستطيع أن نكون جزءًا من هذا الامتداد. أنا لا أحاول أن أغيّر الحرف العربي، بل أكتشف فيه إمكانيات جديدة وأقدمه بطريقة معاصرة تحافظ على روحه.
برأيكِ، كيف يمكن للفنانين والخطاطين الشباب إعادة تقديم الخط العربي للأجيال الجديدة بأساليب معاصرة دون فقدان أصالته؟
برأيي، لا يوجد تعارض بين الأصالة والمعاصرة. الخط العربي نفسه تطور عبر قرون طويلة، وكل جيل أضاف إليه شيئًا.. المهم أن يكون التجديد نابعًا من فهم واحترام للحرف، وليس مجرد رغبة في الاختلاف.

ما المشاريع أو الطموحات التي تعملين عليها حاليًا، وما الذي تتطلعين إلى تحقيقه في المرحلة المقبلة؟
أتطلع إلى الاستمرار في تطوير تجربتي الفنية، لأنني أؤمن أن التعلم في هذا المجال لا يتوقف، كما أتمنى أن أساهم في نشر الخط العربي من خلال التعليم، والمشاركة في المعارض الفنية محليًا وعالميًا كفنانة سعودية. والأهم من كل شيء، أتمنى أن أحقق شيئًا يلمس قلوب الناس.
كلمة أخيرة..
أشكر كل من يهتم بالخط العربي ويحاول أن يبقيه حاضرًا في حياتنا. وأتمنى أن نتذكر دائمًا أن الخط ليس مجرد شكل جميل، بل هو وعاء للغة، وللتاريخ، وللمعنى. نحن نتأثر بقوة الكلمة وحدها، فكيف إذا اجتمع معناها مع جمال الحرف الذي يحملها؟ لهذا السبب أؤمن أن الخط العربي سيبقى فنًا حيًا، ما دام هناك من يكتبه، ويتأمله، ويمنحه حياة جديدة.

الصور تم استلامها من الخطاطة نهى المحمادي.