خاص "هي": الشيف زهرة عبدالله تفتح قلبها ودرج أسرارها في الطبخ لقارئاتنا
إتقان الأساسيات، الطهي بشغف، والحرص على جمع الجميع حول مائدة الطعام؛ هي أساسيات كل شيف يبحثُ عن تقديرٍ لمجهوده الشخصي في تحضير الطعام وتقديمه.
فكيف إذا اجتمعت كل هذه الخِصال، مع خلفيةٍ متنوعة تجمع بين إيران، السودان، الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة؟ هذا الخليط هو بالضبط ما تلتزمُ به الشيف زهرة عبدالله في عملها كطاهية محترفة اليوم، بحرصٍ شديد على تقديم الوصفات التقليدية التي ورثتها من عائلتها والحفاظ عليها، وبناء علامةٍ تجارية تخدم السيدات اللاتي يحاولنَ الموازنة بين العمل والبيت.
زهرة عبدالله، سيدةٌ تجمع بين التوازن والحب من إيران، الكرم والصمود من السودان، والتنوع الثقافي والاجتماعي من تنقلها بين دولٍ عدة قبل استقرارها أخيرًا في دبي. تفتح قلبها ودرج أسرارها الزاخر بالنكهات، الوصفات والقصص الجميلة للمطبخ الشرق أوسطي لقارئات "هي" في هذه المقابلة المثيرة التي أجرتها معها محررة تذوق على الموقع..
مرحبا بكِ معنا على موقع "هي" شيف زهرة؛ حدّثينا أكثر عن نفسكِ... بداياتكِ، تعليمكِ، وما إلى ذلك..
شكرًا جمانة على الاستضافة؛ لطالما شعرتُ بأن قصتي هي قصة ثقافات، تواصل وطعام. فأنا نصف إيرانية ونصف سودانية؛ وُلدتُ في لندن، ونشأتُ بين السودان، المملكة العربية السعودية، كندا والمملكة المتحدة، قبل أن أتخذ من دبي وطناً لي منذ أكثر من عشرين عاماً. منحتني الحياة بين هذا التنوع الثقافي، تقديراً عميقاً لقدرة الطعام على جمع الناس ورواية قصصٍ تتجاوز الحدود.

بدأت مسيرتي المهنية في عالمٍ مختلف تماماً؛ فبعد دراسة العلوم السياسية، عملتُ مُحلَلة مخاطر قبل أن أختار التفرغ لتربية أبنائي. ورغم حبي لهذا الدور، ظلت الروح الإبداعية حاضرةً بداخلي، فأطلقتُ في عام 2010 مدونةً لمشاركة وصفات العائلة التي نشأتُ عليها، دون أن أتخيل يوماً إلى أين ستقودني تلك الفكرة البسيطة.
وما بدأ كمشروع شغف، تطوَر لاحقاً إلى برامج تلفزيونية وكتب طهي، حققت أعلى المبيعات، وصولاً إلى "مطبخ زهرة"، العلامة التجارية المكرّسة لتقديم المطبخ الشرق أوسطي بأسلوبٍ سهل ومقرّب، مع الاحتفاء بفرحة الاجتماع حول المائدة. واليوم، يتجاوز شغفي حفظ الوصفات إلى خلق التواصل، بناء المجتمع، وجمع الناس من خلال الطعام.
متى اكتشفتِ رغبتك في أن تصبحي طاهية؟
لم تكن هناك لحظةٌ واحدة فاصلة.. كان الطهي جزءاً أصيلاً من حياتي، لكنني أدركتُ أنه يمكن أن يتحول إلى مسيرةٍ مهنية عندما بدأتُ بمشاركة الوصفات عبر الإنترنت، ورأيتُ مدى صدى تفاعل الناس معها. وما بدأ كتوثيقٍ لوصفات العائلة، تحوّل سريعاً إلى شيءٍ أكبر بكثير.
أدركتُ حينها أنني لا أكتفي بتعليم الناس كيفية الطهي، بل أساعدهم على إعادة الاتصال بثقافتهم، صنع ذكريات، وبناء الثقة بأنفسهم في مطابخهم.
من كان، أو ما كان، الإلهام الرئيسي وراء قراركِ أن تصبحي شيف؟
كان إلهامي الأكبر دائماً نساء عائلتي. فمشاهدة والدتي، جداتي وعماتي وهنّ يطبخنَ، علَمني أن الطعام أكثر بكثير من مجرد غذاء؛ إنه كرم، ضيافة، هوية وحب يُعبَّر عنه دون كلمات.
وبالمثل، غيّرت الأمومة نظرتي إلى الطهي بشكلٍ جذري. أردتُ أن أربَي أبنائي على التقاليد والنكهات ذاتها، وأن أغرس فيهم تقدير الاجتماع حول المائدة كما تشكّلت طفولتي.
كيف تصف زهرة عبدالله أسلوبها في الطهي بشكلٍ عام؟
أصفهُ بأنه مطبخٌ منزلي، شرق أوسطي، عصري..
فهو متجذرٌ بعمق في التقاليد، لكنه مُصمَمٌ أيضًا لأسلوب حياة اليوم؛ صحي، سهل التحضير، موسمي وغني بالنكهات. أريدُ للوصفات أن تبدو قابلةً للتحقيق، لا مخيفة. بالنسبة لي، البساطة هي قمة التطور. فإذا عوملت المكونات الجميلة باحترام، فهي لا تحتاج للكثير غير ذلك.

ما الذي يؤثر في طهيكِ من حيث المكونات، التقنيات وغيرها؟
السفر هو على الأرجح مُعلمي الأكبر.
فكل وجهةٍ تُعرّفني إلى مكوناتٍ جديدة، تقاليد محلية وطرق مختلفة يجتمع بها الناس حول الطعام. كما أستمدُ إلهامي من العمارة، التصميم الداخلي، الطبيعة والفن، لأن الطعام في جوهره تجربةٌ يجب خلقها.
في الوقت نفسه، يظل تراثي الشرق أوسطي هو الأساس. فالأعشاب العطرية، التوابل الدافئة، الحمضيات، زيت الزيتون، الطحينة، اللبن والطهي البطيء ستجد دائماً طريقها إلى مطبخي.
كيف شكّلت نشأتكِ متعددة الثقافات، طريقة عملكِ في المطبخ؛ وما أهم ما حملتهِ معكِ من تلك البلدان؟
علّمتني النشأة بين بلدانٍ مختلفة المرونة، حب الاستطلاع، وقيمة تقبّل وجهات النظر المختلفة. فمن تراثي الإيراني، ورثتُ حب التوازن، الأعشاب العطرية، أطباق الأرز الجميلة وفن الضيافة. ومن السودان، اكتسبتُ الكرم، الصمود والإيمان بأن الطعام واحدٌ من أعظم أشكال التعبير عن الحب. أما العيش والسفر بين دول العالم، فقد عرّفني على المطابخ العالمية ومنهجٍ أكثر عصرية في تناول الطعام.
علّمتني هذه التجارب كلها، أن التقاليد والحداثة لا يجب أن يكونا في تضاد. فالوصفات التي نرثها ينبغي أن تتطور مع أسلوب حياتنا اليوم، مع الحفاظ دائماً على تكريم الأشخاص، القصص والثقافات التي أتت منها. وبدلاً من اختيار هويةٍ واحدة، تعلّمتُ أن أحتفي بها جميعاً، وهذه الفلسفة تنعكسُ في كل ما أطهوه.
ماذا يعني لك الحفاظ على الوصفات التراثية، وما السمات التي تعتقدين أنها يجب ألا تندثر أبداً من المطبخ الشرق أوسطي؟
الحفاظُ على الوصفات لا يعني تجميدها في الزمن؛ بل يعني الحفاظ على القصص، القيم والذكريات المرتبطة بها، مع السماح لها بالتطور بشكلٍ طبيعي للأجيال القادمة.
آمل ألا نفقدَ أبداً تقاليدنا في الضيافة، مشاركة الطعام بسخاء، الطهي حسب الموسم، والاجتماع حول مائدةٍ واحدة؛ فهذه القيم لا تقلَ أهميةً عن الوصفات نفسها.
لديك كتابا طهي صدرا باسمك، وثالث قيد الإعداد؛ حدّثينا عن هذه الكتب وكيف يمكن للقراء الاستفادة منها.
كتابي الأول، "الطهي مع زهرة"، هو احتفاءٌ بالوصفات والنكهات التي شكّلتني. يجمعُ بين الأطباق الشرق أوسطية التقليدية والعصرية المستوحاة من تراثي الإيراني والسوداني، نشأتي العالمية وحياتي في دبي. كان هدفي جعل هذه الوصفات في متناول الطهاة المنزليين، مع البقاء وفيةً لجذورها.

أما كتابي الثاني، "إطعام الروح"، فيحتلُ مكانةً خاصة جداً في قلبي. أُنجز بالتعاون مع شرطة دبي ومؤسسة الإمارات للآداب، ويُشارك وصفاتٍ وقصصاً شخصية لنزلاء المؤسسات الإصلاحية في دبي. فهو أكثر من مجرد كتاب طهي؛ إنه تذكيرٌ بقدرة الطعام الاستثنائية على الشفاء، التواصل وحفظ الذكريات.
أعملُ حالياً على كتابي الثالث، الذي يواصلُ مسيرتي حتى الآن ويعكس كيف تطورت فلسفتي تجاه الطعام على مر السنين. إنه استكشافٌ لفن الفرح؛ إيجاد الجمال في الطقوس اليومية، الاجتماع حول المائدة، ومشاركة وجبات بسيطة مع من نحب. في جوهره، يتمحور الكتاب الثالث حول تكريم التقاليد، مع تقبّل واقع الحياة العصرية، ليثبت أن وصفاتنا يمكن أن تتطور دون أن تفقد روحها أبداً.
حدّثينا عن علامتكِ التجارية "مطبخ زهرة"، وكيف يمكن للنساء الاستفادة من منتجاتكِ.
تأسسَ "مطبخ زهرة" ليجعل الطعام الصحي والغني بالنكهة في متناول العائلات المشغولة، دون التنازل عن الجودة.
كل منتجٍ مُستوحى من طريقتي في الطهي بالمنزل، باستخدام مكوناتٍ كاملة ووصفات متجذرة في التقاليد الشرق أوسطية.
بالنسبة للنساء اللاتي يوازنّ بين المسيرة المهنية، الأسرة والمسؤوليات التي لا تُحصى، تُقدم العلامة التجارية "مطبخ زهرة" الراحة دون التضحية بالتغذية أو النكهة. فالأمر يتعلق بجعل الطهي اليومي أسهل، مع الاستمرار في جمع الناس حول المائدة.
هل للسفر واليوغا والتصميم الداخلي تأثيرٌ مباشر على وصفاتكِ وطريقتكِ في تحضير الطعام؟
بالتأكيد. فالسفر يُوسّع مذاقي، واليوغا تُذكّرني بالطهي والأكل بوعي؛ وقد علّمني التصميم الداخلي أن الأجواء جزءٌ من تجربة تناول الطعام. فالطعام ليس مجرد نكهةٍ أبداً؛ إنه يتعلقُ بشعور الناس عندما يجلسون معاً. كل عنصر، من ألوان الطبق إلى تنسيق المائدة، يُسهم في تلك التجربة.
ما الأطباق التي تُعدّها الشيف زهرة مراراً وتكراراً ولا تملّ منها؟
لا أملّ أبداً من الأطباق الشرق أوسطية الكلاسيكية المريحة. فأطباق الأرز الجميلة، اليخنات المطهوة ببطء، السلطات النابضة بالحياة، المقبلات المنزلية، الخبز الطازج، والوصفات المتمحورة حول الأعشاب، الحمضيات والخضروات الموسمية، تجدُ دائماً طريقها إلى مائدتي.
إنها الأطباق التي تربطني بعائلتي وبمنزلي.

لو لم تكوني اليوم طاهيةً معروفة، فما المهنة الأخرى التي كنتِ ستختارينها، ولماذا؟
أعتقدُ أنني ما زلتُ سأبني مجتمعاتٍ، بطريقة مختلفة فحسب.
فأنا مفتونةٌ بعمق بالتواصل الإنساني، رواية القصص والضيافة، وخلق أماكن يشعرُ فيها الناس بأنهم "ينتمون". وسواء عبر الطعام أو التصميم أو التجارب المجتمعية، ظلت غايتي دائماً جمع الناس معاً.
في رأيك، هل أثبتت النساء حضورهنّ في عالم المطابخ والمطاعم؟ وما العقبات التي ما زالت تقفُ في طريقهنّ؟
أثبتت النساء دون أدنى شك موهبتهنّ وقدرتهنّ على القيادة. إلا أن كثيراتٍ منهنّ لا زلنَ يواجهنَ تحديات في الموازنة بين مسيرة مهنية مطالبة ومسؤوليات الأسرة، وفي الحصول على تقدير متكافئ والوصول إلى فرصٍ قيادية. تستفيدُ الصناعة بشكلٍ كبير من تنَوع الأصوات، وآمل أن نُواصل بناء بيئاتٍ لا تكتفي فيها المرأة بالمشاركة، بل تقودُ، تبتكر وتُشكّل مستقبل الطعام.
كيف تصفين دبي والإمارات من منظور الطعام، وكيف حفّزكِ هذا البلد على تحقيق طموحاتكِ؟
دبي واحدةٌ من أكثر المدن إثارة في العالم من الناحية الطهوية، لأنها تحتفي بالتنوع. إنها مكانٌ تلتقي فيه الثقافات، تتعايش فيه التقاليد، ويُشجَّع فيه الابتكار. وبصفتي رائدة أعمال، وجدتُ في الإمارات دعماً استثنائياً للإبداع والطموح. فقد سمحت لي بالنمو من طاهيةٍ منزلية تُدير مدونة، إلى مؤلفة، مقدمة تلفزيونية ومؤسسة علامة تجارية للطعام.
كيف تسير عادةً، عملية تصميم قائمة الطعام؟
أبدأُ دائماً بالقصة التي أريد أن ترويها الوجبة. ومن هناك، أفكرُ في الموسمية، التوازن، اللون، الملمس والرحلة العاطفية للضيف. يجب أن يُكمل كل طبق الطبق التالي، مع تقديم لحظاتٍ من المفاجأة والراحة. في النهاية، أريدُ للناس أن يغادروا وهم يتذكرون ليس فقط ما تناولوه، بل كيف شعروا.
برأيكِ، ما هي الأدوات الأساسية لنجاح الشيف؟
حب الاستطلاع، الاتساق، والتواضع..
يمكن تعلّم المهارات التقنية، لكن الاستعداد الدائم للتعلم، احترام المكونات، والطهي بسخاء، هو ما يُميز الشيف العظيم حقاً.
ما الشيء الوحيد الذي لا يمكنكِ الاستغناء عنه في المطبخ؟
زيت الزيتون الجيد؛ إنه أحد أبسط المكونات، لكنه يمتلكُ بالفعل القدرة على تحويل أي طبقٍ تقريباً.
أصبحت التكنولوجيا اليوم جزءاً مهماً من كل عمل، كيف تؤثر في الطهي برأيكِ، إيجاباً وسلباً؟
جعلت التكنولوجيا المعرفة في متناول الجميع أكثر من أي وقتٍ مضى، إذ يمكن للوصفات، التقنيات والتقاليد الطهوية أن تصل الآن إلى ملايين الأشخاص في لحظات. وفي الوقت ذاته، علينا أن نحرص على عدم فقدان الأصالة. فالطهي لا يزال تجربةً إنسانية عميقة، ولا يمكن لأي قدرٍ من التكنولوجيا أن يحلَ محل الحدس أو الذاكرة أو الضيافة أو فرحة مشاركة وجبة معاً.
أفضل استخدامٍ للتكنولوجيا هو تعزيز هذه التجارب، لا استبدالها.

ما هي طموحاتكِ المستقبلية كشيف محترفة؟
تتجاوزُ طموحاتي إنشاء الوصفات. أريدُ مواصلة بناء "مطبخ زهرة" ليصبح علامةً تجارية لأسلوب حياةٍ معترف بها عالمياً، تتمحورُ حول الطعام، المجتمع والضيافة. أنا شغوفة بتطوير المنتجات، خلق تجارب طعام ذات معنى، نشر المزيد من الكتب، والحفاظ على التراث الطهوي الشرق أوسطي للأجيال القادمة.
والأهم من ذلك، آملُ أن يستمر عملي في جمع الناس حول المائدة.
في ختام هذه المقابلة الجميلة؛ ما أهم نصيحة تُقدمينها للطهاة الجدد، عبر موقع "هي"؟
لا تلاحقوا الصيحات العابرة، بل ابنوا أساساً متيناً وافهموا "لماذا" تفعلون ما تفعلونه.
أتقنوا الأساسيات، احترموا مكوناتكم، حافظوا على فضولكم، ولا تتوقفوا أبداً عن التعلَم؛ والأهم من ذلك، اطهوا بسخاء.
قد ينسى الناس تفصيلاً ما تناولوه بالضبط، لكنهم سيتذكرون دائماً كيف جعلهم طعامكم يشعرون؛ وتلك هي القوة الحقيقية للطهي.