جورجيا كما عشتها... رحلة بين الطبيعة والتاريخ وفنون الحياة
هناك وجهات نختارها لأن صورها تملأ وسائل التواصل الاجتماعي، ووجهات أخرى نصل إليها ونحن نحمل توقعات كبيرة، ثم نفاجأ بأنها أجمل بكثير مما تخيلنا. أما جورجيا، فكانت بالنسبة إلي من النوع الثاني؛ فقد تجاوزت الواقع فيها كل ما قرأته عنها وكل ما رسمته مخيلتي قبل السفر.
وكعادتي قبل السفر إلى أي وجهة جديدة، سبقتني إليها ساعات من القراءة والبحث. تصفحت تاريخها، واكتشفت مدنها، واطلعت على أبرز معالمها وتجاربها، حتى ظننت أنني أصبحت أعرفها جيداً قبل أن تطأ قدماي أرضها. لكن الحقيقة كانت مختلفة تماماً؛ فما قرأته لم يكن سوى لمحة عن بلد يفوق الواقع فيه كل الصور والكلمات، ويكشف عن جماله الحقيقي مع كل خطوة يخطوها الزائر.

بدعوة من Georgia National tourism authority، انطلقت في رحلة استمرت ستة أيام، بدأت من العاصمة تبليسي، وصولاً إلى إقليم كاخيتي، مروراً بالوديان العميقة والكهوف الأسطورية والمنتجعات الهادئة. ومع كل محطة، كنت أكتشف وجهاً جديداً لهذا البلد، حتى أدركت أن جورجيا لا يمكن اختصارها في مدينة واحدة أو معلم سياحي واحد، بل هي اشبه بلوحة فسيفساء متكاملة من التاريخ والطبيعة والثقافة وفنون الطهو وتجارب العافية.
فمنذ اللحظة الأولى، شعرت أن جورجيا لا تحاول أن تبهر زوارها بالمظاهر، بل تدعوهم لاكتشافها بهدوء. فهي تترك للطبيعة أن تتحدث، وللتاريخ أن يروي قصصه، ولأهلها أن ينقلوا بروحهم الدافئة معنى الضيافة الحقيقي. وربما كان هذا أكثر ما شدني إليها، أنها وجهة لا تكتفي بأن ترى، بل تعاش بكل تفاصيلها.
تبليسي... بداية الحكاية
كانت تبليسي (Tbilisi) أولى محطات الرحلة، لكنها لم تكن مجرد مدينة أبدأ منها جولتي، بل كانت المفتاح الذي عرفني إلى روح جورجيا. فمنذ اللحظة الأولى، شعرت أنني أسير في مدينة نجحت في الحفاظ على هويتها رغم تعاقب الحضارات التي مرت عليها، لتبدو اليوم مزيجاً متناغماً من الماضي والحاضر.
أحببتها منذ خطواتي الأولى في المدينة القديمة (Old Tbilisi)، حيث تميزت الشرفات الخشبية المزخرفة، والمباني التاريخية، والأزقة الحجرية الضيقة، بطابع معماري يعكس مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. وبين تفاصيلها العمرانية، تتجلى شخصية تبليسي كمدينة حافظت على إرثها المعماري، مع لمسات تجمع بين الطرازين الشرقي والأوروبي.
خصصت وقتاً للتجول سيراً على الأقدام في المدينة القديمة، وهي أفضل طريقة لاكتشاف أي مدينة جديدة ازورها. فبين الأزقة الحجرية الضيقة، تتوزع البيوت التاريخية ذات الشرفات الخشبية، إلى جانب متاجر الحرف اليدوية، والمعارض الفنية، والمقاهي التي تضفي على المكان أجواء مميزة.

وخلال جولتي، صعدت إلى حصن ناريكالا (Narikala Fortress)، الذي يوفر واحدة من أجمل الإطلالات على تبليسي (Tbilisi). ومن الأعلى، بدت المدينة بمنازلها التاريخية، وشوارعها المتعرجة، ونهر كورا (Kura River) الذي يمر في قلبها، في مشهد يبرز التنوع العمراني الذي تتميز به العاصمة.

ومن المحطات التي استمتعت بها أيضاً حي أبانوتوباني (Abanotubani)، أحد أقدم أحياء تبليسي (Tbilisi) وأكثرها شهرة. يتميز الحي بقبابه المبنية بالطوب الأحمر، التي تعلو الحمامات الكبريتية (Sulfur Baths)، وأصبحت من أبرز معالم تبليسي والتي ارتبطت بتاريخ المدينة منذ نشأتها.


كاخيتي (Kakheti) حيث يلتقي التاريخ بجمال الريف الجورجي
في صباح اليوم التالي، غادرت تبليسي (Tbilisi) متجهة نحو إقليم كاخيتي (Kakheti)، أحد أكثر أقاليم جورجيا سحراً، والذي يشتهر بطبيعته الريفية الهادئة وتلاله الخضراء الممتدة حتى سفوح جبال القوقاز. وكلما ابتعدت عن العاصمة، تبدلت المشاهد من شوارع المدينة إلى حقول واسعة وقرى صغيرة تحتفظ بإيقاع حياة هادئ.
كانت سيغناغي (Sighnaghi) أولى محطاتي في إقليم كاخيتي (Kakheti)، وهي مدينة صغيرة تعرف بلقب "مدينة الحب" (City of Love). يعود تاريخها إلى القرن الثامن عشر، ولا تزال تحتفظ بأسوارها التاريخية وأبراجها الدفاعية، إلى جانب طابعها المعماري الذي يجعل التجول فيها متعة بحد ذاته.

أخذت وقتي في السير بين الأزقة المرصوفة بالحجارة، أتأمل البيوت القديمة بشرفاتها الخشبية، وأتوقف عند المقاهي والمتاجر الصغيرة التي تعرض منتجات محلية وحرفاً تقليدية. ومع الإطلالة الواسعة على وادي ألازاني (Alazani Valley)، بدا المشهد هادئاً وبسيطاً، لكنه من أكثر المشاهد التي بقيت عالقة في ذاكرتي طوال الرحلة.
وخلال الجولة، شاركت في ورشة للتعرف إلى المطبخ الجورجي، وتعلمت طريقة إعداد الخبز بالطريقة التقليدية التي لا تزال حاضرة على موائد العائلات حتى اليوم، في تجربة أتاحت لي التعرف أكثر إلى ثقافة المنطقة وعادات أهلها.

ومن هناك، توجهت إلى أنفاق كفاريلي (Kvareli Gvirabi)، وهي شبكة أنفاق تمتد داخل الجبل لمسافة تقارب 7.7 كيلومترات. ويمنح التجول فيها فرصة لاكتشاف أحد أبرز المعالم الهندسية في إقليم كاخيتي، حيث تحافظ الأنفاق على درجة حرارة ثابتة طوال العام، ما يضفي على الزيارة تجربة مختلفة ومميزة.
ليلة بين الجبال والبحيرات
مع نهاية اليوم، وصلت إلى منتجع لوبوتا ليك ريزورت آند سبا (Lopota Lake Resort & Spa)، الواقع في وادي لوبوتا (Lopota Valley) بإقليم كاخيتي (Kakheti)، على بعد نحو 115 كيلومتراً من تبليسي، ومنذ اللحظة الأولى، لفتني موقعه وسط الطبيعة، حيث تحيط به بحيرات هادئة وتلال خضراء، فيما تبدو قمم جبال القوقاز (Caucasus Mountains) في الخلفية، لتمنح المكان أجواء من الهدوء والخصوصية.
يمتد المنتجع على مساحة واسعة تتجاوز مليون متر مربع، ما يتيح للضيوف الاستمتاع بالطبيعة في كل زاوية. أحببت التجول بين البحيرات والممرات الخضراء، وكانت الإطلالات من الغرفة على البحيرة من أجمل ما في الإقامة، خصوصاً مع اقتراب غروب الشمس، عندما تنعكس ألوان السماء على المياه في مشهد هادئ ومريح.

ولا يقتصر المنتجع على موقعه المميز، بل يوفر مجموعة متنوعة من المرافق والأنشطة، من المطاعم التي تقدم المأكولات الجورجية والعالمية، إلى مركز السبا، وأحواض السباحة، إضافة إلى ركوب الدراجات، والتجديف في البحيرة، وركوب الخيل، والمشي في الطبيعة. لذلك، يمكن لكل زائر أن يجد النشاط الذي يناسبه، سواء كان يبحث عن الاسترخاء أو عن قضاء يوم مليء بالحركة.
بالنسبة إلي، كانت أجمل لحظات الإقامة تلك التي قضيتها على ضفاف البحيرة في نهاية اليوم. فلم أكن بحاجة إلى أكثر من هذا الهدوء والطبيعة المحيطة لأشعر بأنني في واحد من أجمل أماكن الإقامة التي زرتها خلال الرحلة.
وادي داشباشي... الطبيعة من زاوية مختلفة
من أكثر المحطات التي انتظرتها خلال الرحلة كانت زيارة وادي داشباشي (Dashbashi Canyon)، الواقع في منطقة كفيمو كارتلي (Kvemo Kartli) بالقرب من بلدة تسالكا (Tsalka) والطريق إليه لا يقل جمالاً عن الوجهة نفسها، إذ يمر بين المروج الخضراء والمرتفعات، قبل الوصول إلى أحد أبرز المعالم الطبيعية في جورجيا.
تشكل الوادي على مدى آلاف السنين بفعل مياه نهر كتسيا أو خرامي (Ktsia/Khrami River)، التي شقت مجراها بين الصخور البركانية، لتكون أخدوداً عميقاً تحيط به النباتات الكثيفة والشلالات التي تنساب بين جوانبه.

أبرز ما يميز وادي داشباشي (Dashbashi Canyon) هو الجسر الزجاجي المعلق الذي يربط جانبي الوادي، وبدلاً من السير على الجسر الزجاجي، اخترت تجربة ركوب الدراجة المعلقة التي تعبر بين جانبي الوادي. كانت تجربة مختلفة ومليئة بالإثارة، فمن الأعلى شاهدت الشلالات والغابات والصخور البركانية تمتد في الأسفل، وشعرت للحظات وكأنني أطير فوق الجبال..

ورغم أن الوادي يقع وسط منطقة جبلية، فإن الوصول إلى نقاط المشاهدة سهل نسبياً، بفضل المسارات المجهزة التي تتيح للزوار الاستمتاع بالمكان دون الحاجة إلى مجهود كبير.
خصصت بعض الوقت للجلوس أمام الوادي، وبينما كنت أتأمل الشلالات والمساحات الخضراء، فاجأتني زخات المطر التي لم تكن في الحسبان. ورغم أنها جاءت فجأة، فإنها أضفت على المكان سحراً خاصاً، وجعلت التجربة أكثر متعة.
كهف بروميثيوس... رحلة إلى عالم تحت الأرض
من أكثر الأماكن التي أثارت فضولي خلال الرحلة كان كهف بروميثيوس (Prometheus Cave)، الواقع بالقرب من قرية كوميستافي (Kumistavi) في منطقة تسكالتوبو (Tskaltubo)، غير بعيد عن مدينة كوتايسي (Kutaisi) ويعد الكهف من أبرز المعالم الطبيعية في جورجيا، لما يضمه من تشكيلات صخرية تكونت على مدى ملايين السنين.
يضم الكهف 22 قاعة، خصصت ست منها لاستقبال الزوار، وتمتد الجولة داخله لأكثر من 1400 متر عبر ممرات وقاعات تختلف في أحجامها وتكويناتها الطبيعية. وخلال السير، تتوالى مشاهد الصواعد والهوابط الكلسية التي تشكلت بفعل تساقط المياه عبر آلاف السنين، لتمنح كل قاعة طابعها الخاص.

ولفتني الاهتمام بطريقة عرض هذا المعلم الطبيعي، من خلال الإضاءة التي تبرز تفاصيل الصخور، إلى جانب الممرات المجهزة التي تجعل الجولة مريحة وسهلة. كما يتيح الكهف، عندما تسمح الظروف، القيام بجولة بالقارب داخل النهر الذي يمر في أحد أجزائه، وهي تجربة تضيف بعداً مختلفاً للزيارة.
غادرت كهف بروميثيوس وأنا أشعر بأنني اكتشفت جانباً آخر من طبيعة جورجيا، يختلف تماماً عما رأيته فوق الأرض، ويؤكد تنوع الأماكن التي يمكن زيارتها في هذا البلد.
بعد ذلك، توجهت إلى كوتايسي (Kutaisi)، حيث تزامنت زيارتي مع مهرجان جيمو فِست (Gemo Fest)، الذي يسلط الضوء على المطبخ الجورجي والمنتجات المحلية. جمع المهرجان طهاة وحرفيين ومنتجين من مختلف المناطق، وقدم فرصة للتعرف إلى أطباق تقليدية لا تزال تحضر حتى اليوم وفق وصفات توارثتها العائلات عبر الأجيال.

وتجولت بين الأكشاك التي عرضت الخبز الجورجي، والأجبان المحلية، والحلويات التقليدية، إلى جانب منتجات يدوية تعكس تراث كل منطقة. وكانت فرصة جميلة للتعرف إلى جانب آخر من الثقافة الجورجية، حيث يحتل الطعام مكانة خاصة في الحياة اليومية، ويعد جزءاً من تقاليد الضيافة التي لمستها طوال الرحلة.
رفاهية تبدأ من الماء
بعد أيام من التنقل بين المدن والجبال، عدت إلى تبليسي (Tbilisi) لخوض واحدة من أشهر التجارب التي تشتهر بها المدينة، وهي زيارة غولوز ثيرمال سبا (Gulo's Thermal Spa)، الواقع في حي أبانوتوباني (Abanotubani)، المعروف بحماماته الكبريتية التاريخية.

يتميز الحي بقبابه المبنية بالطوب الأحمر التي أصبحت من أبرز معالم تبليسي، فيما تعتمد الحمامات على المياه الكبريتية الطبيعية التي تنبع من باطن الأرض، والتي يقصدها السكان والزوار منذ قرون للاستمتاع بتجربة استرخاء ارتبطت بتاريخ المدينة.
لم تكن زيارتي لهذه الحمامات مجرد فرصة للاسترخاء، بل نافذة للتعرف إلى أحد أقدم تقاليد العافية في جورجيا. فمنذ قرون، يقصدها السكان للاستفادة من المياه المعدنية الساخنة التي تنبع طبيعياً من باطن الأرض، ولا تزال حتى اليوم جزءاً من الحياة اليومية في المدينة. ورغم اختلاف تصاميم الحمامات والخدمات التي تقدمها، فإنها جميعها تحافظ على طابعها التاريخي، وتمنح الزائر تجربة تجمع بين الاسترخاء واكتشاف جانب أصيل من هوية تبليسي.
واخترت إحدى الغرف الخاصة، وكانت فرصة للراحة بعد أيام حافلة بالزيارات. فالمياه الدافئة والأجواء الهادئة جعلتني أشعر بالاسترخاء، خصوصاً بعد التنقل بين المدن والمعالم الطبيعية خلال الأيام السابقة.

قبل الوداع... جولة في ميدان بازار
قبل مغادرة تبليسي (Tbilisi)، زرت ميدان بازار (Meidan Bazaar Underground Gallery)، وهو سوق يقع تحت ساحة ميدان (Meidan Square) في قلب المدينة القديمة. وما إن نزلت إلى داخله حتى وجدت نفسي في مساحة تجمع بين التسوق والتراث، حيث تصطف المتاجر الصغيرة التي تعرض مجموعة واسعة من المنتجات الجورجية التقليدية.
تجولت بين المحال التي تبيع المشغولات اليدوية، والمجوهرات، والمنتجات الخزفية، والمنسوجات، إلى جانب الهدايا التذكارية التي تعكس الثقافة الجورجية. وأعجبني أن السوق يجمع معظم ما قد يبحث عنه الزائر في مكان واحد، ما يجعله محطة مناسبة لشراء تذكارات تحمل طابعاً محلياً قبل مغادرة البلاد.

وقبل أن أغادر، اخترت بعض القطع المصنوعة يدوياً لأحملها معي كتذكار من الرحلة. وكانت زيارة ميدان بازار (Meidan Bazaar) ختاماً جميلاً لأيام قضيتها بين المدن التاريخية والطبيعة الخلابة، لأغادر جورجيا وأنا أحمل معي ذكريات جميلة، ورغبة حقيقية في العودة لاكتشاف المزيد من هذا البلد.
وفي مساء اليوم الأخير، اجتمعنا على العشاء في مطعم Georgian House، حيث كانت الفرصة الأخيرة لتذوق عدد من الأطباق الجورجية التقليدية. وما جعل الأمسية أكثر تميزاً هو عروض الرقص والغناء الفلكلوري التي رافقت العشاء، وأضافت أجواءً احتفالية جميلة، لتكون خير ختام لرحلة تعرفت خلالها إلى طبيعة جورجيا وتاريخها وثقافتها.
جورجيا... الوجهة التي سأعود إليها
عندما أقلعت الطائرة مغادرة تبليسي (Tbilisi)، شعرت أن ستة أيام لم تكن كافية لاكتشاف كل ما تقدمه جورجيا. ففي كل مدينة زرتها، كنت أكتشف جانباً مختلفاً من هذا البلد، سواء من خلال طبيعته، أو تاريخه، أو تجاربه المتنوعة.
خلال الرحلة، تعرفت إلى مدن تاريخية، ووديان وكهوف، ومنتجعات وسط الطبيعة، وتجارب عافية تعكس جانباً من الثقافة الجورجية، إلى جانب ضيافة لمستها في كل مكان زرته. وكانت كل محطة تضيف سبباً جديداً يجعلني أرغب في مواصلة اكتشاف هذا البلد.

قد تكون الأيام الستة كافية لزيارة أبرز المعالم، لكنها بالتأكيد لا تكفي لاكتشاف كل ما تخبئه جورجيا. فما زالت هناك مناطق كثيرة أرغب في زيارتها، وتجارب أخرى أود خوضها في رحلة مقبلة.
غادرت جورجيا وأنا أحمل معي ذكريات جميلة، وصوراً كثيرة، وانطباعات ستبقى حاضرة كلما تذكرت هذه الرحلة. والأهم من ذلك، غادرتها وأنا على يقين بأنها ليست زيارتي الأخيرة... بل بداية لزيارة جديدة. وربما خير ما أختم به رحلتي كلمة جورجية تعلمتها هناك: Nakhvamdis وتعني "إلى أن نلتقي مجدداً". وهي بالفعل ليست مجرد كلمة، بل الوعد الذي أحمله معي إلى جورجيا... حتى نلتقي من جديد.