أيادٍ تعيد بناء الحرفة.. حوارات حصرية لـ"هي" مع أصوات رائدة تبني الحرفة وتنقل الإبداع في العالم العربي
ضمن عدد مايو من "هي"، عدد الأيقونات، نحتفي بنساء من العالم العربي لم يكتفين بأن يكنّ جزءًا من المشهد، بل أصبحن ملامحه وصانعاته. هنا، المعيار هو التأثير وبقدرتها على إعادة تشكيل الحرفة ودفعها إلى مسارات جديدة.
نلـتــــقي بـــهــــؤلاء السيــــــدات، ومن خـــــــلال البـــــورتــــــريهات نُجسد ملامحـــهــــن عبر فن السكتـــــش، لنعبر عن قوة الـفــــــن في التقاط حضورهن وتحويله إلى أثر بصري يعكس هويتهن وتأثيرهن.
فنون التراث.. من الأرشيف إلى المنظومة
الأميرة نورة بنت محمد بن عبدالله الفيصل الرئيس التنفيذي لفنون التراث

تقدم صاحبة السمو الملكي الأميرة نورة بنت محمد بن عبدالله الفيصل "فنون التراث" من رؤية ترى في الحِرفة معرفة حية تُنقل وتُمنح، وتتسع مع من يحملها. تقول الأميرة نورة: "لا نتعامل مع الأرشيف كمرجع ثابت للماضي، بل كنظام حي من المعرفة" في إشارة إلى أن ما يُحفظ لا يقتصر على القطعة، بل يشمل "تقنية التنفيذ والسياق الثقافي الذي أنتجها".
ومن خلال هذا التوجه، يتشكل دعم يركز على الحِرفيين أنفسهم، وعلى قدرتهم على الاستمرار ضمن مسار واضح. حيث تقول الفيصل: "يعتمد اختيارنا على عمق المهارة، والالتزام بالحِرفة، وإمكانية الاستمرارية" في سياق يتوسع فيه الدور ليشمل بناء القدرات من خلال برامج تدريب وتطوير، وشراكات مع وزارة الثقافة والجامعات. هذا الامتداد في الدعم يعكس انتقال العطاء من نقل المهارة إلى تمكين من يحملها.
ويتعزز هذا المسار من خلال بناء بيئة تتيح للحرفي العمل والاستمرار، حيث تضيف قائلة: "نركز على بناء نظام متكامل حول الحِرفي، يشمل التدريب المستمر، وتوفير فرص اقتصادية عادلة، وربطه بشبكة أوسع من المصممين والأسواق والشركاء. حيث تتحقق الاستدامة من خلال خلق بيئة تمكن الحِرفي من ممارسة حرفته كمهنة قابلة للتطور والاستمرار".
أما الأثر، فيظهر في التحولات التي تطرأ على الحِرفيين أنفسهم، حيث تتسع الفرص وتتنوع مجالات العمل. وتشير الأميرة نورة:"تجد الحِرف طريقها إلى مجالات جديدة مثل التصميم الداخلي، وتصميم المنتجات، والأزياء الراقية. أصبح الحرفيون واعين أكثر بقيمة وقتهم ومهارتهم، انتقائيين في أعمالهم. مع إحساس متزايد بالملكية تجاه مسارهم".
وفي امتداد هذا العمل، يظهر التركيز على الأجيال الجديدة، حيث توضح الأميرة نورة: "الحِرفة لم تُعرض دائمًا كمسار واضح أو مرئي حيث يصبح الظهور شكل من أشكال خلق القيمة، فهو ما يحدد كيف يُنظر إلى العمل وكيف يُقدَّر" . هذا التوجه يربط الحِرفة بواقعها، ويمنحها فرصة للاستمرار من خلال من يراها ويختارها.
مجلس إرثي للحرف المعاصرة.. الحِرفة من موروث إلى فرصة
ريم بن كرم المديرة العامة لمجلس إرثي للحرف المعاصرة

ينعكس هذا التوجه في نوعية الدعم الذي يفتح أمام الحِرفيات مسارات عمل أكثر وضوحًا، ويمنح أعمالهن حضورًا يمتد إلى ما هو أبعد من نطاقها التقليدي. وتضيف بن كرم: " نوازن بين صون الهوية ومتطلبات السوق"، في تعبير عن هذا التوازن الذي يتيح للحرفة أن تتحرك داخل واقع متغير، دون أن تفقد ارتباطها بما يمنحها معناها.
أما الأثر، فيظهر في التحولات التي تمس الحِرفيات أنفسهن، حيث تتغير العلاقة مع العمل، ويتشكل وعي مختلف بقيمته، إلى جانب إحساس أكبر بالقدرة على الاستقلال وبناء مسار خاص. وتقول: " تجارب التمكين التي نراها يوميًا ليست مجرد قصص" ، في دلالة على هذا التغيير الذي يتجاوز التجربة الفردية، ويمتد ليؤثر في شكل الحياة المهنية والشخصية.
وتشـيــــــر بن كرم إلى إحدى هذه القصص بقولها: "من أكثر التجارب قربًا إلى نفسي قصة إحدى الحِرفيات التي التـحـقــــت بـبــــرنـــامــــج تــــــــدريبي بسيط بدافع الشغف، قبل أن تتـــحــــــول لاحقًا إلى مدربة تشرف على تدريب أخريات، وتــشارك باسم "مجلس إرثي" في معارض دولية".
وفي سياق آخر، تضيف: "وتتجسد الرسالة نفسها في التجربة الباكستانية، حيث شاركت مجموعة من النساء في ورش المجلس لتطوير مهاراتهن، وبعد أشهر فقط، استطعن تأسيس مــشـــروعـــهـــن الـخــاص الذي أصبــــح مـصــــدر دخل مستدام لهن ولعائلاتهن".
هذه التجـــــربــــــة هي إحــــــدى الـنــمــــــاذج الـتـــي أكـــــدت للمـــجــــلــــس أن التــــمكين الحقــيـــقــــــي يبدأ حين تــــدرك المرأة أن مهارتها ليست أثرًا من الماضي، بل فرصة اقتصادية قابلة للنمو. وتعزز القناعة بأن التمكين ليس فعلًا فرديًا، بل منظومة متكاملة.
Fashion Trust Arabia الحِرفة بوصفها منظومة ممتدة
تانيا فارس المؤسسة والرئيسة المشاركة

تتألق مبادرة Fashion Trust Arabia ضمن مشهد يعيد النظر في موقع المصمم العربي، ليس فقط كصانع منتج، بل كجزء من منظومة تمتد آثارها إلى الحرفيين ومجتمعات الحِرفة المرتبطة بأعمالهم. ومن خلال هذا الامتداد، تتسع الحرفة لتكون حاضرة ومتصلة بسياق معاصر يمنحها إمكانية الاستمرار والتطور.
تعكس تانيا فارس، المؤسسة والرئيسة المشاركة، هذا التوجه في رؤيتها للمنصة، حيث توضح: " لا يقتصر دعمنا على المصمم كفرد، بل يمتد إلى المنظومة التي يعمل ضمنها" ، في إشارة إلى أن ما يُمنح للمصمم من فرص ينعكس مباشرة على الحرفيين الذين يشكلون جزءًا أساسيًا من العمل. ويعزز هذا الامتداد العلاقة بين التصميم والحرفة، ويمنحها استمرارية داخل واقع متغير.
ضمن هذا السياق، تُطرح الحرفة بصيغ معاصرة تمنحها حضورًا يتناسب مع اليوم. وتقول فارس: " نتعامل مع الحرفة بكونها لغة حية قابلة للتطور، ومن خلال دعم المصممين الذين يعيدون تفسير التقنيات التقليدية ضمن رؤية معاصرة، نُسهم في إبقاء هذه الحرف ديناميكية وقادرة على الوصول إلى جمهور جديد".
هذا التوجه ينعكس في نوعية الفرص التي تتاح، حيث يصبح للمصممين مساحة أوسع للتجربة، ويظهر أثر ذلك في اتساع حضور الحرفة داخل مجالات متعددة، من الأزياء إلى التصميم، وصولًا إلى منصات العرض العالمية، ما يمنحها قدرة أكبر على الوصول والتأثير.
أما على مستوى الأثر، فتشير فارس إلى تحول واضح في نظرة الأجيال الجديدة، بقولها: "نشهد توجهًا متزايدًا لدى المصممين للبحث عن الحرفيين، وبناء شراكات معهم، وخلق مسارات جديدة لتبادل المعرفة. كما نلاحظ اهتمامًا متجددًا بهذه المهارات، خاصة لدى الأجيال الشابة التي أصبحت أكثر وعيًا بالهوية والاستدامة".
وترى أن Fashion Trust Arabia جـــــزء من حـــركة أشمـــــل تعيـــــد الاعتــــــــــبار للحرفة في المنــطـــقــــة، حيث تقول: "يتمثل دورنا في أن نكون منصة تربط المصممين
بالمرشدين، والفرص، والأسواق الدولية، مع تعزيز حضور أعمالهم على مستوى عالمي. ومن خلال ذلك، نُسهم في بناء منظومة أوسع لا تدعم المواهب الفردية فقط، بل تعزّز أيضًا أهمية الحفاظ على الإرث الحرفي في المنطقة وتطويره".
في هذا الامتداد، تتحول الحرفة إلى مساحة تُبنى من خلالها فرص، وتُخلق عبرها علاقات، ويستمر هذا العطاء بصيغ تتجدد مع من يحملها.
مجلس الحرف السورية… إعادة بناء الحرفة من الداخل
زينة خير عضو مؤسس في مجلس الإدارة

تعـبـــر زيــنــة خــــير عــضــــو مـــؤســــس في مجـــلــــس الإدارة ومسؤولــــــة الشراكات المؤسسيـــــة في المجـــــلس عن هــــذا التــــــــوجه بقولها: "يعتمد عملنا الميداني على مقابلات عميقة مع الحرفيين، بهدف توثيق الخبرات الحية والمعرفة التي لا يمكن نقلها عبر النصوص فقط. وقد ساعدنا ذلك على فهم الفجوات التي ظهرت في الممارسات المعاصرة مقارنة بالتقنيات والتصاميم التقليدية، إلى جانب إبراز المهارات الفردية التي تميز كل حرفي عن الآخر".
هذا الحضور ينعكس في قدرة الحرفة على الاستمرار، حيث تجد لنفسها موقعًا داخل واقع يتغير، دون أن تفقد ارتباطها بجذورها. وتكمل: "هذا الجهد يشكل حجر الأساس لإعادة بناء الإطار المعرفي للحرفة، عبر الفهم العميق الذي يسهم أيضاً في إعداد جيل جديد من الممارسين، وإعادة تقديم الحرف السورية كممارسة معاصرة تنطلق من التراث، وتستجيب لاحتياجات الحاضر بروح مبتكرة ومستدامة".
أما على مستوى الأثر، فيظهر التحول بشكل مباشر في الحرفيين، حيث تتغيّر علاقتهم بعملهم، وتتسع قدرتهم على التعامل معه كمسار يمكن الاستمرار فيه.
وتؤكد خير: "لا يقتصر عملنا على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى إحياء الحرفة بكل ما تحمله، بما في ذلك الحرفيون والمهن المرتبطة بها. نحن نسعى إلى إحداث تحول حقيقي ومستدام، في سياق يواجه تحديات كبيرة، ونؤمن أن هذا المسار هو الطريق الصحيح". هذا الأثر لا يقتصر على الفرد، بل يمتد ليشمل الحرفة نفسها، ويعيد لها موقعها ضمن منظومة أوسع.
ويمتد حضور المجلس إلى خارج الإطار المحلي، حيث تدخل الحرفة في سياقات مختلفة وتكتسب فرصًا جديدة للظهور. وتقول: "نؤمن بأهمية التعاون، ولا نرى الحرفة التقليدية محصورة ضمن حدود جغرافية، خاصة في ظل التاريخ الثقافي المتداخل لسوريا". هذا الانفتاح يمنح الحرفة مساحة أوسع للحركة، ويتيح لها أن تكون جزءًا من مشهد يتجاوز حدودها التقليدية.
Vanina العطاء الذي تصنعه الحِرفة
تاتيانا فياض شريك مؤسس لعلامة Vanina

تتشكل Vanina حول فهم يجعل الحِرفة جزءًا من الفكرة نفسها، لا خطوة لاحقة عليها. منذ البدايات، ارتبط التصميم بعملية الصنع، ما منح العمل طابعًا قائمًا على القرب من المادة ومن اليد التي تشكّلها. هذا القرب خلق علاقة مستمرة مع مجتمعات الحرفيين، وجعل الحِرفة عنصرًا حيًا داخل مسار العلامة، يتطوّر معها ويمنحها معناها.
ينعكس هذا التوجه في طبيعة الدعم الذي يتجاوز فكرة الإنتاج، ليصبح مساحة يطور فيها الحرفيون مهاراتهم، ويجدون موقعًا أوضح داخل العمل. حيث توضح تاتيانا فيّاض: "بعض النساء اللواتي بدأنا العمل معهن لم يكن حرفيات في الأصل… ومع الوقت أصبحن حرفيات، ثم محترفات، ثم بدأن بتشكيل فرقهن الخاصة".
هنا تتحول العلاقة بين العلامة والحرفيين إلى شراكة حقيقية تتشكل مع الزمن. وتوضح فيّاض: "الحرفيون الذين نعمل معهم يصبحون جزءًا من العائلة الممتدة للعلامة… الأمر لا يتعلق فقط بإنتاج قطعة، بل بالعمل والنمو معًا".
كما يظهر هذا التوجه في الطريقة التي تتشكل بها القطع نفسها، حيث تحمل الحِرفة حضورها داخل التصميم، وتبقى مرتبطة بالأشخاص الذين يقفون خلفها. وتؤكد: "من المهم بالنسبة لنا أن تبقى اليد التي صنعت القطعة حاضرة كثير من أعمالنا تحمل اسم الحرفي الذي صنعها".
أما على مستوى الأثر، فيتجاوز الجانب الاقتصادي ليشمل تحولات أوسع تمس الحرفيين ومجتمعاتهم.
في تجربة Vanina، لا تُقدم الحِرفة كعنصر منفصل، بل كمسار يتشكل من خلال العلاقات التي تُبنى حوله، ومن خلال العمل الذي يتطور مع الوقت. هنا، تتحول الحِرفة إلى مساحة يمكن أن تكبر مع من يحملها، وتبقى متصلة بحياته وبما يطمح إليه.